رغم الامتداد الطويل لنهر الفرات، وما يزخر به من مقومات طبيعية وتاريخية تجعل منه أحد أبرز المعالم في سوريا، ما تزال ضفافه تفتقر إلى المشاريع السياحية المنظمة، في وقت نجحت فيه أنهار عديدة حول العالم في التحول إلى مراكز جذب سياحي واقتصادي تسهم في دعم التنمية المحلية وخلق فرص العمل.
ويعد الفرات شريان الحياة في المنطقة، إذ يمتد بمحاذاة مدن وبلدات تمتلك إرثاً تاريخياً ومواقع أثرية وطبيعة خلابة، إلا أن هذه المقومات بقيت لعقود بعيدة عن الاستثمار الحقيقي، لتقتصر الحركة السياحية في معظمها على الزيارات الشعبية الموسمية والرحلات العائلية، دون وجود مشاريع قادرة على استقطاب السياح أو تحويل النهر إلى وجهة سياحية متكاملة.
وتبرز على امتداد النهر مواقع أثرية وسياحية عديدة، من بينها قلعة جعبر، وسد الفرات، والبحيرة الصناعية، إلى جانب المساحات الخضراء والإطلالات الطبيعية التي تؤهل المنطقة لاستقبال مشاريع متنوعة، تشمل المنتجعات والفنادق والمطاعم والمراسي النهرية والحدائق العامة، فضلاً عن الأنشطة الرياضية والترفيهية المرتبطة بالنهر.
سبب غياب المشاريع
يقول الكاتب والسياسي درويش خليفة إن من أبرز الأسباب التي حالت دون إقامة مشاريع سياحية على ضفاف نهر الفرات هو التغير المستمر في منسوب مياه النهر، موضحاً أن العقود الماضية شهدت انجراف التربة في كثير من المواقع القريبة من مجرى الفرات، كما اندثرت بعض القرى نتيجة الارتفاع الكبير في منسوب المياه في فترات معينة، في حين ينخفض المنسوب في فترات أخرى، الأمر الذي يجعل إقامة مشاريع سياحية قريبة من النهر بحاجة إلى بنية تحتية قوية وثابتة قادرة على مواجهة هذه التغيرات.
ويضيف خليفة في حديث لـ”963+” أن نجاح أي مشاريع سياحية يتطلب أيضاً تشجيع المستثمرين المحليين، مشيراً إلى أنه لا يعتقد أن الظروف الحالية تشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار في المنطقة، نظراً لما تشهده من تحديات.
ويوضح أن مناطق شرق الفرات ظلت لسنوات طويلة مناطق مضطربة على المستوى المجتمعي، كما تأثرت بعوامل سياسية وأمنية متعددة، لافتاً إلى أن العلاقات السابقة بين النظامين السوري والعراقي، إضافة إلى عدم التوافق مع الجانب التركي، كانت من بين العوامل التي أثرت في واقع المنطقة، منوهاً إلى أن هذه التحديات تنقسم إلى عوامل داخلية تتعلق بالبنية التحتية داخل سوريا، وعوامل خارجية ترتبط بتدفق مياه نهر الفرات والعلاقات مع الدول المحيطة به.
وفي معرض حديثه عن مستقبل السياحة في المنطقة، يقول خليفة إن الواقع الحالي يقتصر في معظمه على السياحة الشعبية، موضحاً أن المناطق القريبة من ضفاف نهر الفرات تعتمد بشكل أساسي على هذا النوع من السياحة، مضيفاً أن منطقة الطبقة، ولا سيما محيط قلعة جعبر، تمتلك مقومات سياحية يمكن استثمارها من خلال تنفيذ مشاريع تربط بين ضفاف النهر والقلعة، بما يتيح استقبال الباحثين في الآثار والمستشرقين والزوار القادمين من الدول الغربية والأوروبية.
ويشير خليفة إلى إمكانية إنشاء فنادق بالقرب من ضفاف الفرات، لكنه يشدد على ضرورة أن تكون هذه المنشآت أفقية ومنخفضة الارتفاع، وليس فنادق مرتفعة، حتى لا تطغى على قلعة جعبر أو تؤثر في قيمتها الأثرية، كما لا تحجب الإطلالة الطبيعية على نهر الفرات، مؤكداً أن الحفاظ على الهوية التاريخية والبصرية للموقع يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مشروع سياحي مستقبلي.
ويضيف خليفة أن مدينة جرابلس تمتلك أيضاً فرصة لتعزيز النشاط السياحي، موضحاً أن إعادة ترميم الجسر الواصل بين جرابلس والضفة الأخرى باتجاه مدينة كوباني من شأنها أن تسهم في تنشيط السياحة المجتمعية، إلى جانب تعزيز الثقة والتواصل بين المجتمعات المحلية على جانبي النهر.
ويشدد خليفة على أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تهيئة بيئة أمنية وبيئة مجتمعية مستقرة قادرة على جذب المستثمرين، موضحاً أن جميع المناطق المطلة على نهر الفرات وتفرعاته في سوريا ما تزال تواجه مشكلات لم تُحل بشكل كامل.
ويضيف أن استكمال الاندماج داخل مؤسسات الدولة وتحقيق التلاحم المجتمعي من شأنهما توفير حالة من الاستقرار، وهو ما يشكل الأساس الحقيقي لجذب الاستثمارات، ولا سيما استثمارات رجال الأعمال والمستثمرين المحليين، بما يسهم في تنمية القطاع السياحي والاقتصادي في المنطقة.
عوامل الجذب السياحي
يقول أحمد هارون، مدير مركز الدراسات الاقتصادية، لـ”963+” إن نهر الفرات يمثل أحد أبرز المقاصد السياحية في سوريا، لكونه يجمع بين القيمة التاريخية والمقومات الطبيعية، موضحاً أن المنطقة تضم عدداً من المعالم البارزة، من بينها قلعة الرحبة، وكورنيش مدينة دير الزور، والبحيرة الصناعية التي تشكلت خلف سد الفرات، إضافة إلى سد الفرات نفسه الذي يعد من المواقع ذات الجذب السياحي.
ويضيف هارون أن سوريا كانت، وعلى مر التاريخ، واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز، وآثارها العريقة، ومناخها المعتدل، وطبيعتها الخلابة، وهو ما انعكس على مساهمة القطاع السياحي في الاقتصاد الوطني قبل عام 2011.
ويشير إلى أن القطاع السياحي حقق في عام 2010 مؤشرات إيجابية، إذ استقبلت سوريا نحو 8.5 مليون سائح، وحققت إيرادات بلغت نحو 8.4 مليار دولار، فيما ساهمت السياحة بنسبة تقارب 14 بالمئة من الاقتصاد السوري، إلى جانب استيعابها أعداداً كبيرة من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وينوه هارون إلى أن سوريا تمتلك تنوعاً كبيراً في المقومات السياحية، موضحاً أن ذلك يشمل المواقع الأثرية بمختلف أنواعها، مثل قلعة الحصن، ومدينة تدمر، ومدينة دمشق القديمة، فضلاً عن امتلاكها شواطئ بحرية ونهرية تمنحها ميزات سياحية متنوعة.
ويؤكد هارون أن القطاع السياحي تأثر بصورة كبيرة نتيجة الظروف التي شهدتها سوريا منذ عام 2011، الأمر الذي أدى إلى تراجع النشاط السياحي وانخفاض مساهمته في الاقتصاد الوطني.
ويشدد هارون على أن استعادة القطاع السياحي لعافيته تتطلب العمل على مجموعة من الإجراءات، في مقدمتها فرض الأمن والأمان وتحقيق الاستقرار السياسي، باعتبارهما الأساس الذي تقوم عليه أي عملية تنموية أو استثمارية في القطاع السياحي.
ويضيف أن من الضروري البدء بإعادة تأهيل المناطق السياحية من خلال إعادة الإعمار، وتحسين خدمات البنية التحتية، بما يشمل الطرق والحدائق والاتصالات وشبكات الإنارة، بما يسهم في توفير بيئة مناسبة لاستقبال الزوار.
كما يوضح هارون أهمية إعادة تأهيل مقومات السياحة، بما في ذلك الفنادق والمقاهي والاستراحات وسائر المرافق الخدمية، بما يواكب متطلبات السياحة الحديثة ويعزز قدرة المناطق السياحية على استقطاب الزوار.
ويشير هارون إلى أهمية إنشاء أسواق متخصصة لعرض وبيع المنتجات الوطنية والتراثية في المناطق السياحية، بما يدعم الصناعات المحلية ويعزز تجربة السائح، مشيراً إلى ضرورة إطلاق حملات إعلامية موجهة إلى الداخل والخارج للترويج للمقاصد السياحية السورية، وإبراز ما تمتلكه البلاد من مقومات تاريخية وطبيعية وثقافية.
ويضيف أن توفير منظومة أمنية مخصصة لحماية السياح وتأمين تنقلهم بين المواقع السياحية من شأنه أن يعزز ثقة الزوار ويشجع على زيادة الحركة السياحية، مشدداً على أهمية التوسع في أنماط السياحة المختلفة، من خلال دعم السياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات، والسياحة العلمية، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل السياحي واستقطاب شرائح جديدة من الزوار.
ويشدد هارون على ضرورة دعم القطاع السياحي من خلال تخصيص اعتمادات مالية مناسبة له ضمن الموازنة العامة للدولة خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن تطبيق هذه الإجراءات بصورة متكاملة من شأنه أن يمهد الطريق لعودة السياحة السورية إلى مستوياتها السابقة واستعادة دورها في دعم الاقتصاد الوطني.










