لطالما شكل التعليم في سوريا أحد أبرز ركائز بناء المجتمع، إذ ارتبطت المدرسة لعقود بتكوين المعرفة وترسيخ القيم والانضباط، وكانت الشهادة الدراسية تُعد محطة تعكس ما اكتسبه الطالب من مهارات وقدرات، لا مجرد ورقة تثبت سنوات الدراسة. ومع التحولات التي شهدها القطاع التعليمي خلال السنوات الأخيرة، سواء بفعل التطور التكنولوجي أو التحديات التي فرضتها سنوات الحرب، تغيّرت أساليب التعلم ومضامينه، لتبرز تساؤلات حول الفارق بين جودة التعليم في الماضي والحاضر، وما إذا كان بالإمكان الجمع بين متانة الأساس التي ميّزت التعليم السوري سابقاً، والمهارات الحديثة التي يتطلبها عصر التكنولوجيا.
يستذكر هلال عبدالرحمن (63 عاماً)، وهو أستاذ متقاعد من مدينة عامودا شمال شرقي سوريا سنوات دراسته في سبعينيات القرن الماضي، ويقول إن الحصول على شهادة الصف السادس الابتدائي كان يُعد إنجازاً مهماً، لما كانت تتطلبه من مستوى علمي وانضباط دراسي.
ويضيف لـ”963+”: في ذلك الوقت، لم يكن الانتقال من صف إلى آخر أمراً سهلاً، وكان الطالب مطالباً بإتقان القراءة والكتابة والإملاء والحساب قبل النجاح. كثير ممن أنهوا الصف السادس كانوا قادرين على كتابة المعاملات الرسمية وإدارة الحسابات التجارية البسيطة، وقراءة الصحف والكتب بطلاقة.”
ويرى أن قيمة الشهادة آنذاك لم تكن مرتبطة بعدد سنوات الدراسة، وإنما بما يمتلكه الطالب من معارف ومهارات، موضحاً أنه كان يُنظر إلى خريج الصف السادس على أنه شخص متعلم يمكن الاعتماد عليه في كثير من الأعمال، بينما اليوم قد يحمل بعض الطلاب شهادات أعلى لكنهم يواجهون صعوبة في الكتابة السليمة أو إجراء عمليات حسابية بسيطة دون الاستعانة بالهاتف أو الآلة الحاسبة.
ويؤكد عبدالرحمن أن المقارنة لا تهدف إلى التقليل من مستوى التعليم الحالي، بل إلى إبراز الاختلاف في طبيعة العملية التعليمية، مضيفاً: “لكل جيل ظروفه ومتطلباته. أبناء اليوم يتعلمون مهارات رقمية ولغات وتقنيات لم تكن موجودة في زماننا، لكن التعليم القديم كان يمنح الطالب أساساً علمياً أكثر صلابة، وهو ما منح شهادة السادس مكانة كبيرة في المجتمع وسوق العمل.”
من جانبها، تقول سناء العلي (55 عاماً)، وهي ربة منزل من ريف عامودا، إن الاختلاف بين التعليم قديماً وحديثاً لا يقتصر على المناهج، بل يشمل أسلوب التدريس ودرجة التزام الطلاب.
وتوضح: كان المعلم لا ينتقل إلى درس جديد قبل أن يتأكد من أن جميع الطلاب استوعبوا الدرس السابق. كنا نحفظ جدول الضرب كاملاً، ونكتب صفحات طويلة من الإملاء والخط العربي، وكانت القراءة اليومية جزءاً أساسياً من حياتنا المدرسية.
وتضيف لـ”963+” أن الطالب الذي كان ينهي الصف الخامس أو السادس يمتلك مستوى جيداً في القراءة والكتابة والحساب، الأمر الذي مكنه من إدارة شؤونه اليومية وكتابة الرسائل وإجراء الحسابات دون الحاجة إلى أي وسائل مساعدة.
وتختم حديثها بالتأكيد على أن التحدي لا يكمن في الجيل الحال بل في إيجاد توازن بين الماضي والحاضر، مردفةً: “أتمنى أن يجمع التعليم اليوم بين قوة الأساس التي تعلمناها قديماً، وبين التقنيات الحديثة التي تساعد الطالب على الإبداع والتفكير.”
أما الحاج محمود عثمان (68 عاماً)، وهو تاجر متقاعد من مدينة القامشلي شمال شرق، فيرى أن قيمة الشهادة في الماضي كانت تنعكس بشكل مباشر على مستوى المعرفة التي يمتلكها الطالب، مشيراً إلى أن التعليم كان يركز على إتقان الأساسيات قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.
يطروي الحاج محمود لـ”963+” أنه رغم توقفه عن الدراسة بعد الصف السادس، امتلك مهارات القراءة والكتابة وإدارة عمله، معتبراً أن التعليم سابقاً ركز على الفهم والانضباط، وأن التكنولوجيا اليوم يجب أن تدعم التفكير لا أن تستبدله.
ويختتم حديثه بالقول: “لكل مرحلة مزاياها، ولا يمكن أن نعود إلى الماضي، لكن يمكن الاستفادة من تجربته. عندما يجتمع الانضباط وقوة الأساس مع التقنيات الحديثة، سيكون التعليم أكثر قدرة على إعداد جيل يمتلك المعرفة والمهارة معاً.
وبينما يرى البعض قوة التعليم التقليدي وآخرون مزايا التعليم الحديث، تبقى جودة التعليم رهناً بالجمع بين المهارات الأساسية والتكنولوجيا لإعداد أجيال قادرة على المعرفة والتطور.










