لا تقاس قدرة الدول الخارجة من النزاعات بمدى تراجع العمليات العسكرية فحسب، وإنما بقدرتها على إعادة بناء مؤسساتها على أسس تضمن سيادة القانون وترسخ ثقة المواطنين بالدولة. وفي مقدمة هذه المؤسسات يأتي القطاعان الأمني والقضائي، اللذان يشكلان معاً الركيزة الأساسية لاستعادة الشرعية السياسية، إذ لا يمكن للأمن أن يحقق استقراراً مستداماً إذا كان منفصلاً عن العدالة، كما لا يستطيع القضاء أداء دوره في حماية الحقوق وبسط سيادة القانون في ظل بيئة أمنية هشة أو غير خاضعة للمساءلة.
وتبرز التجربة السورية بوصفها نموذجاً لهذه المعادلة المعقدة، في ظل المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد منذ نهاية عام 2024، مع انطلاق مسارات إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإصلاح القطاع الأمني، وإطلاق نقاشات حول العدالة الانتقالية. إلا أن هذا المسار ما يزال يواجه تحديات متشابكة فرضها إرث سنوات طويلة من الصراع، وما خلفه من انقسام مؤسسي، وتعدد في الفاعلين الأمنيين، وتراجع في ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة.
وجاء التفجيرات الأخيرة لتعيد هذه الإشكاليات إلى الواجهة، بعدما أسفرت عن سقوط ضحايا من المدنيين.
ولا تكمن أهمية تلك الحوادث في حجم الخسائر البشرية فقط، وإنما في رمزيتها، إذ إن وقوعها على مقربة من إحدى أهم المؤسسات القضائية في البلاد وفندق في وسط دمشق أعاد طرح تساؤلات حول قدرة الدولة على حماية فضاءات العدالة في مرحلة تسعى فيها إلى إعادة بناء شرعيتها.
ففي الدول الخارجة من النزاعات، لا يقتصر الأمن على منع وقوع الهجمات، بل يمتد إلى توفير بيئة مستقرة تستطيع فيها مؤسسات العدالة أداء وظائفها بصورة مستقلة، باعتبارها الضامن الرئيس لسيادة القانون.
وتشير الأدبيات الخاصة بحوكمة الأمن إلى أن تراجع المواجهات العسكرية الواسعة لا يعني بالضرورة انتهاء التهديدات، إذ غالباً ما تتحول النزاعات إلى أنماط من العنف المتقطع، مثل التفجيرات والاغتيالات والهجمات المحدودة، وهو ما يعكس استمرار وجود فجوات بين إعلان استعادة السيطرة وبين القدرة الفعلية على حماية المدن والمؤسسات السيادية.
كما تؤكد دراسات صادرة عن الأمم المتحدة أن إصلاح قطاع الأمن لا يقتصر على إعادة تنظيم الأجهزة، بل يمثل عملية سياسية ومؤسسية تهدف إلى بناء أجهزة خاضعة للمساءلة، تعمل في إطار سيادة القانون، بما يعزز ثقة المجتمع بالدولة ويمنع عودة أسباب الصراع.
وفي هذا السياق، يبرز ملف العدالة الانتقالية بوصفه أحد أهم أدوات إعادة بناء الشرعية، إذ إن نجاحه لا يرتبط بإجراء محاكمات فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق الإنصاف وإصلاح المؤسسات ومنع تكرار الانتهاكات، بما يضمن إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
شروط إجرائية وقانونية
وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور محي الدين الشحيمي، أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس وأوروبا، في تصريحات لـ”963+” أن العدالة الانتقالية في سوريا ترتبط بمجموعة من الشروط الإجرائية والقانونية، ولا يمكن تنفيذها إلا عبر مسارات إدارية وقانونية واضحة تضمن واقعية الانتفاع من العملية القضائية وتحقيق العدالة المنشودة.
ويشير الشحيمي إلى أن أي عدالة انتقالية مستدامة وقادرة على إعادة بناء الثقة بالدولة السورية الجديدة لا يمكن أن تقوم على محاسبة طرف واحد فقط، بل يجب أن تشمل جميع مرتكبي الانتهاكات من مختلف الأطراف، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو العسكرية أو الطائفية، محذراً من أن انتقائية المساءلة تفقد العدالة مشروعيتها، وتعزز الانقسامات المجتمعية، وتعرقل فرص السلم الأهلي والمصالحة الوطنية.
ويضيف أن استعادة الشرعية، وفق المعايير القانونية والحقوقية، تتطلب الالتزام بمبدأي الحياد والشمول، بحيث تشمل المساءلة كل من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات الجسيمة، مع وضع حقوق الضحايا في صدارة العملية عبر ضمان حقهم في الإنصاف وجبر الضرر وإصلاح ما لحق بهم من أذى، بعيداً عن هوية مرتكبي الانتهاكات.
كما يشدد الشحيمي على أهمية إنشاء مؤسسات وآليات قضائية مستقلة تحظى بقبول مجتمعي واسع، تتولى إدارة ملف العدالة الانتقالية من خلال لجنة وطنية مستقلة تعمل وفق معايير قانونية واضحة، بالتوازي مع إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والقضائية بما يضمن خضوعها الكامل لسيادة القانون، ومنع تكرار الانتهاكات، وتعزيز الاستقرار القانوني والقضائي.
ويرى أن التوازن بين المحاسبة والاستقرار يمثل أحد أبرز تحديات المرحلة الحالية، مؤكداً أن سوريا بحاجة إلى تحويل العدالة الانتقالية إلى “عقد اجتماعي” جديد يعترف بحقوق الضحايا، ويمنع الانتقام العشوائي، ويستند إلى استراتيجية وطنية تقوم على الشفافية، وحماية مؤسسات الدولة، وكشف الحقيقة، وحفظ الذاكرة الجماعية، وإطلاق إصلاح مؤسسي شامل، وصولاً إلى ترسيخ ثقافة العدالة وسيادة القانون باعتبارها الأساس الحقيقي لبناء دولة مستقرة وذات شرعية.
الأمن والقضاء
ولا يقتصر بناء الشرعية على تطوير منظومة العدالة الانتقالية، بل يرتبط أيضاً بإصلاح العلاقة بين الأمن والقضاء، وترسيخ استقلال السلطة القضائية، بحيث تصبح المؤسسات الأمنية خاضعة للرقابة القانونية، فيما يمارس القضاء دوره بعيداً عن الضغوط السياسية أو الأمنية، وهو ما يمثل أحد أهم مؤشرات نجاح الدول الخارجة من النزاعات في الانتقال إلى دولة القانون.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور ممتاز سليمان، المختص في القانون الدولي، في تصريحات لـ”963+” أن التجارب الدولية في الدول الخارجة من النزاعات والحروب، ومن بينها سوريا، تظهر أن إعادة بناء الشرعية تواجه تحديات كبيرة، ولا سيما في قطاعي الأمن والقضاء، مشدداً على أن نجاح هذه العملية يتطلب ترسيخ استقلالية السلطة القضائية، وتهيئة البيئة المناسبة لبناء مجتمع آمن بالشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني.
ويوضح سليمان أن الإدارة السورية الجديدة مطالبة بالالتزام بجملة من المتطلبات القانونية الدولية، وفي مقدمتها ضمان نزاهة واستقلال القضاء، وتحقيق الفصل الكامل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، إلى جانب تعزيز التعاون مع المنظومة الدولية، وإتاحة المجال أمام المجتمع المدني للمشاركة في جهود ترسيخ الأمن والاستقرار، ولا سيما في مجال حماية حقوق الإنسان، لما يؤديه من دور محوري في تعزيز العدالة والمساواة.
ويؤكد أن الإفلات من العقاب في الجرائم الجسيمة يقوض المنظومتين القضائية والأمنية، ويسهم في إضعاف المجتمع المدني وسلطة الدولة، مشيراً إلى أن أي استقرار أمني سيظل هشاً ومؤقتاً إذا بقيت فئة من مرتكبي الجرائم بمنأى عن المساءلة القضائية القائمة على العدالة والمساواة.
وفيما يتعلق بالاستفادة من آليات العدالة الدولية، يرى سليمان أن توظيفها لدعم إعادة بناء الشرعية في سوريا يتطلب انخراط الدولة في الاتفاقيات الدولية التي تنسجم مع مصالحها الوطنية، إلى جانب ترسيخ مبادئ العدالة الدولية بما يتوافق مع خصوصية المجتمع السوري، موضحاً أن بعض المواثيق قد تحتاج إلى مراجعة قانونية عبر لجان متخصصة تضم خبرات قانونية ومدنية، بما يضمن المحافظة على السيادة الوطنية وتحقيق متطلبات المرحلة.
ويختتم سليمان بالتأكيد على أن إعادة بناء الشرعية ستكون عملية طويلة الأمد، تتطلب ترسيخ ثقافة تؤمن بأن الدولة ومؤسساتها هي المرجعية لتحقيق العدالة، بعيداً عن منطق الانتقام الشخصي أو القبلي، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي وتعزيز احترام القانون باعتبارهما ركيزة أساسية لبناء مجتمع يؤمن بشرعية الدولة وسيادة القانون.
يقول الباحث في قضايا الحوكمة والهوية زيدون الزعبي لـ”963+” إن إصلاح المؤسسات القضائية والإدارية يمثل عاملاً أساسياً في تعزيز الأمن والاستقرار، مشدداً على أن المقصود هو بناء أمن قائم على سيادة القانون وليس تعزيز القبضة الأمنية.
ويوضح الزعبي أن تعزيز القبضة الأمنية يعيد إنتاج نموذج النظام الأمني الاستبدادي الذي عانى منه السوريون، مؤكداً ضرورة العمل على تطوير مؤسسات الدولة وترسيخ سيادة القانون بما يضمن تحقيق الاستقرار.
ويشير إلى أن الأمن والاستقرار يرتبطان بوجود مؤسسات قادرة وفاعلة، موضحاً أن تحقيق ذلك يتطلب قضاءً وإدارة يعملان وفق أسس رشيدة، وقانوناً يطبق على الجميع دون استثناء، الأمر الذي يسهم في ترسيخ الأمن على المدى الطويل.
وتكشف التجربة السورية، في ضوء هذه المعطيات، أن إعادة بناء الدولة لا تبدأ باستعادة السيطرة الأمنية وحدها، كما لا تتحقق عبر إصلاح القضاء بمعزل عن المنظومة الأمنية، وإنما من خلال بناء علاقة تكاملية بين المؤسستين تقوم على المساءلة، واستقلال القضاء، وإصلاح المؤسسات، وضمان حقوق الضحايا، وتعزيز ثقة المجتمع بالدولة.
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية، بما فيها الحوادث التي تستهدف محيط المؤسسات السيادية، يبقى نجاح المرحلة الانتقالية في سوريا مرهوناً بقدرة الدولة على ترسيخ معادلة متوازنة تجعل الأمن في خدمة القانون، والقضاء ضامناً للحقوق، لتتحول الشرعية من مجرد سلطة تمارس السيطرة إلى منظومة مؤسساتية تستند إلى العدالة والثقة وسيادة القانون.










