يُشكل ملف اللجوء السوري واحداً من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط والعالم خلال العقود الأخيرة.
فمنذ اندلاع الحراك الشعبي عام 2011، اضطر ملايين السوريين إلى مغادرة منازلهم والبحث عن الأمان والاستقرار في دول الجوار ومختلف أنحاء العالم، لتنشأ واحدة من أكبر موجات اللجوء والنزوح في التاريخ الحديث. وبعد مرور أكثر من 15 عاماً تتجدد الأسئلة حول مستقبل اللاجئين السوريين، وإمكانية العودة إلى الوطن، وحدود الاندماج في المجتمعات المستضيفة، فضلاً عن التحولات العميقة التي أصابت الهوية السورية داخل البلاد وخارجها.
وفي ظل المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشهدها سوريا والمنطقة، يبرز نقاش واسع حول ما إذا كانت الأسباب التي دفعت السوريين إلى اللجوء قد انتهت فعلاً، أم أن بعضها مازال قائماً بأشكال مختلفة. كما تتصدر قضايا العودة الطوعية والآمنة والكريمة أجندة المؤسسات الدولية والحكومات المعنية، بالتوازي مع تزايد أعداد السوريين الذين أسسوا حياة جديدة في بلدان اللجوء، وأسهموا في اقتصاداتها ومجتمعاتها، مع احتفاظهم بروابط وثيقة بوطنهم الأم.
في حوار خاص لـ”963+” مع الباحث في العلاقات الدولية طارق زياد وهبي أجاب فيه عن العديد من الأسئلة بينها مستقبل اللجوء السوري، وأبرز التحديات المرتبطة بالعودة والاندماج، وتأثير اللجوء على السوريين والدول المستضيفة، إضافة إلى التحولات التي طرأت على الهوية السورية في المنفى.
وفي مايلي الحوار كاملاً
هل يمكن القول إن أسباب اللجوء السوري انتهت فعلاً، أم أن العوامل التي دفعت ملايين السوريين إلى مغادرة بلادهم ما تزال قائمة بأشكال مختلفة؟
لا يمكن القول إن أسباب اللجوء السوري قد انتهت فعلياً، رغم التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة. فإذا عرّفنا اللجوء بأنه الهروب من أوضاع سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تهدد الاستقرار الإنساني، فإن هذه العوامل ما تزال حاضرة بدرجات متفاوتة داخل المشهد السوري الحالي. صحيح أن حدة بعض أسباب النزوح قد تراجعت مقارنة بسنوات الحرب الأكثر قسوة، إلا أن العديد من التحديات ما زالت قائمة، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو العلاقات الاجتماعية.
كما أن حالة الاستقطاب والفرز الطائفي والاجتماعي لا تزال تظهر كلما شهدت البلاد مراحل من التأرجح السياسي أو التحولات الكبرى. ويُعد الاستقرار السياسي أحد أهم ركائز الأمن الاجتماعي، وأي خلل فيه ينعكس مباشرة على شعور المواطنين بالأمان والانتماء. لذلك يمكن القول إن الأسباب التي دفعت ملايين السوريين إلى مغادرة بلادهم لم تختف بالكامل، بل تغيرت أشكالها وحدّتها من منطقة إلى أخرى ومن فئة اجتماعية إلى أخرى.
من هنا، فإن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن أسباب اللجوء لم تنتهِ بشكل كامل، لكنها دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها عوامل العودة مع عوامل البقاء في الخارج. كما أن هناك العديد من الأسئلة المرتبطة بمستقبل سوريا السياسي والاقتصادي قد تؤدي إلى تأجيل قرارات العودة أو تدفع بعض السوريين إلى الاكتفاء بالنزوح الداخلي أو الانتقال الجغرافي المحدود داخل البلاد بدلاً من العودة النهائية.
ما المعايير القانونية والإنسانية التي تجعل عودة اللاجئين “طوعية وآمنة وكريمة”، وما مدى توافر هذه الشروط اليوم داخل سوريا؟
تؤكد القوانين الدولية والمعايير الإنسانية أن عودة اللاجئين يجب أن تكون طوعية وآمنة وكريمة. ويعني ذلك أن يتخذ اللاجئ قرار العودة بحرية كاملة ومن دون أي ضغوط سياسية أو اقتصادية أو قانونية، وأن تتوافر له ضمانات حقيقية تتعلق بالأمن الشخصي وحماية الحقوق الأساسية، إضافة إلى إمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل والسكن اللائق.
في حالة اللاجئين السوريين الموجودين في دول الجوار، مثل لبنان وتركيا والأردن والعراق، يمكن القول إن بعض مناطق العودة أصبحت أكثر أماناً مقارنة بما كانت عليه خلال سنوات النزاع المفتوح. ومع ذلك، تبقى هذه العودة ناقصة من حيث استيفاء جميع الشروط المطلوبة. فما زالت هناك تساؤلات جوهرية حول كيفية تعامل السلطات السورية مع العائدين، ومدى قدرتها على تأمين بيئة مستقرة ومستدامة لهم.
كما يبرز سؤال مهم يتعلق بوجود إطار تنظيمي واضح يساعد على إعادة الإعمار وتأمين فرص الحياة الكريمة، بعيداً عن المناوشات الأمنية أو السياسية التي قد تؤخر الاستقرار والتنمية. ولا تزال بعض المناطق السورية تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الأمن والخدمات والبنية التحتية، الأمر الذي يجعل العودة إليها محفوفة بالتحديات.
إضافة إلى ذلك، فإن المؤسسات الأمنية والعسكرية المسؤولة عن حفظ الأمن ما تزال في مرحلة إعادة البناء وإعادة الهيكلة في بعض المناطق، كما أن الإرث الأمني المتراكم خلال سنوات الحرب لا يسهّل عملية استعادة الثقة بين الدولة والمواطنين. لذلك، فإن الحديث عن عودة شاملة ومستدامة يتطلب معالجة هذه القضايا بشكل متدرج وواقعي.
كيف غير اللجوء السوري الممتد لأكثر من عقد حياة السوريين، وكيف أثّر في المجتمعات والدول المستضيفة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟
على الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها السوريون في بلدان اللجوء، فقد أظهرت تجربتهم قدرة استثنائية على التأقلم والاندماج والإنتاج. وخلال أكثر من عقد من الزمن، استطاع كثير من السوريين تأسيس مشاريع تجارية وشركات صغيرة ومتوسطة، والانخراط في أسواق العمل المحلية، والمساهمة في النشاط الاقتصادي للدول المستضيفة.
لقد أثبتت التجربة السورية أن اللجوء لا يعني بالضرورة التحول إلى حالة من الاعتماد الدائم على المساعدات، بل يمكن أن يكون فرصة لإعادة بناء الذات والمشاركة الفاعلة في المجتمع. كما برزت الكفاءات السورية في مجالات متعددة، من التعليم والطب والهندسة إلى التجارة والصناعة والتكنولوجيا.
ومن ناحية أخرى، أسهم الحضور السوري في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ودول اللجوء، وخلق شبكات تجارية واستثمارية جديدة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مرحلة إعادة الإعمار مستقبلًا. كما أن نجاح العديد من السوريين في دول الجوار ومصر ودول المغرب العربي وأوروبا جعل منهم نموذجاً يُحتذى به في الإصرار على تحقيق حياة كريمة رغم الصعوبات.
وفي المقابل، ترك اللجوء آثاراً اقتصادية واجتماعية وسياسية على الدول المستضيفة، بعضها إيجابي يتمثل في تنشيط قطاعات اقتصادية معينة وتوفير يد عاملة ماهرة، وبعضها الآخر يرتبط بالضغوط على الخدمات العامة والبنية التحتية وسوق العمل. ولذلك تبقى تجربة اللجوء السوري واحدة من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً وتأثيراً في المنطقة خلال العقود الأخيرة.
يُطرح اليوم خياران متوازيان أمام ملايين السوريين: العودة أو الاندماج في بلدان الإقامة. إلى أي مدى يمكن الجمع بين هذين المسارين؟
العودة إلى الوطن أو الاندماج في بلدان الإقامة. وفي الواقع، لا ينبغي النظر إلى هذين الخيارين باعتبارهما متناقضين بالضرورة، بل يمكن أن يشكلا معاً معادلة رابحة للجميع.
فالاندماج الناجح في المجتمعات المستضيفة لا يعني التخلي عن الانتماء الوطني، كما أن العودة المستقبلية لا تتطلب بالضرورة قطع الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي بُنيت في الخارج. بل إن الحفاظ على هذه الروابط قد يشكل عاملاً مهماً في دعم الاقتصاد السوري ونقل الخبرات والاستثمارات إلى الداخل.
غير أن نجاح هذا النموذج يرتبط قبل كل شيء بتحقيق مصالحة وطنية شاملة تعزز الثقة وتفتح المجال أمام عودة طويلة الأمد ومستقرة. كما يجب الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الكبير في ظروف السوريين وتجاربهم الشخصية؛ فهناك من يرى في العودة فرصة لاستعادة حياته الطبيعية، بينما يفضل آخرون الاستمرار في الخارج بسبب مخاوف أمنية أو اقتصادية أو نتيجة تجارب مؤلمة عاشوها في الماضي.
بعد أكثر من 15 عاماً من اللجوء، وولادة أجيال جديدة خارج سوريا، كيف تتشكل الهوية السورية في المنفى؟ وهل نحن أمام “وطن عابر للحدود” يمتد بين الداخل والخارج؟
تُعد مسألة الهوية من أكثر القضايا تعقيداً في تجربة اللجوء السوري. وقد تناول الكاتب الفرنسي اللبناني أمين معلوف هذه الإشكالية في كتابه “الهويات القاتلة”، حيث أشار إلى أن الإنسان ليس مضطراً للتخلي عن تعدد انتماءاته الثقافية، بل عليه أن يتعلم كيفية التعايش معها دون أن تتحول إلى عوامل صراع داخلي.
وعند مراجعة تاريخ الهجرة السورية منذ بدايات القرن العشرين، يتضح أن الحفاظ على الروابط مع الوطن والعائلة والتقاليد كان دائماً هاجساً رئيسيًا لدى المهاجرين. كما شكّل الحفاظ على اللغة العربية وتعليمها للأجيال الجديدة إحدى أهم وسائل صون الهوية والانتماء.
إلا أن موجة اللجوء التي بدأت بعد عام 2011 أفرزت واقعاً جديداً للشخصية السورية. فقد نشأت أجيال كاملة خارج سوريا، وتكونت لديها هويات مركبة تجمع بين الثقافة السورية وثقافات البلدان التي نشأت فيها. وفي الوقت نفسه، أثبت السوريون قدرة كبيرة على التكيف والنجاح والمشاركة الفاعلة في المجتمعات الجديدة.
لقد أصبحت الجاليات السورية في مختلف أنحاء العالم تمثل نوعاً من “الوطن خارج الوطن”، حيث تستمر الروابط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية رغم البعد الجغرافي. ومن هنا يمكن الحديث عن وطن سوري عابر للحدود، يمتد بين الداخل والخارج، وتتشكل ملامحه من خلال التواصل المستمر بين السوريين أينما وجدوا.
وفي النهاية، يبدو أن مستقبل سوريا لن يُبنى داخل حدودها الجغرافية فقط، بل أيضاً من خلال مساهمة ملايين السوريين المنتشرين حول العالم. وسيكون للشباب السوري المهاجر والناشئ في بلدان اللجوء دور محوري في بناء هذا المستقبل على أسس العدالة وسيادة القانون والمواطنة المتساوية، بما يضمن الحفاظ على الهوية الوطنية مع الانفتاح على العالم والاستفادة من تجارب النجاح التي حققها السوريون في المنافي المختلفة.










