في أحد مكاتب منطقة “الحريقة” العريقة بدمشق، يجلس (أبو جمال)، السبعيني الذي أسس واحدة من كبريات شركات النسيج في سوريا، متأملاً ولديه اللذين يتنازعان بحدة حول آلية استيراد خط إنتاج جديد. الخلاف هنا ليس تجارياً بحتاً، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تضرب جذور الاقتصاد السوري: أين تنتهي حدود العائلة، وأين تبدأ حدود الشركة؟
وتشكّل الشركات العائلية ما يزيد عن 85% من حجم القطاع الخاص في سوريا، وهي العصب المغذي للأسواق والتشغيل، ورغم صمود هذه الكيانات خلال سنوات الحرب الطويلة، إلا أنها تواجه اليوم اختباراً وجودياً لا يتعلق بالظروف الخارجية هذه المرة، بل بـ “بنيتها الداخلية” إنها معركة الانتقال من عقلية “المضافة” إلى “مجلس الإدارة”، أو ما يُعرف حديثاً بـ حوكمة الشركات.
عقدة الجيل الثالث: شبح الانهيار الإحصائي
تُشير التقديرات الاقتصادية العالمية، والتي تنطبق بظلال شديدة القتامة على الواقع السوري، إلى أن 30% فقط من الشركات العائلية تنجح في الانتقال إلى الجيل الثاني، بينما تهبط هذه النسبة إلى أقل من 10% عند الانتقال إلى الجيل الثالث.
في سوريا، تضاعفت هذه المخاطر، إذ تسببت سنوات الحرب وهجرة الكفاءات الشابة من أبناء المؤسسين في إحداث “فجوة أجيال” حادة.
ويقول المستشار القانوني المتخصص في شؤون الشركات بدمشق، د. أحمد الشامي في تصريح لـ”963+”: “العديد من الشركات السورية الكبرى أغلقت أو تفتتت ليس بسبب الخسائر المالية، بل لأن المؤسس غاب، وترك وراءه ورثة يخلطون بين الجيب المالي للعائلة والخزينة المالية للشركة، في غياب تام لآليات الإفصاح والشفافية”.
ويوضح الشامي أهم تحديات الشركات العائلية في سورية (الواقع الراهن) بتداخل الصلاحيات، حيث رئيس مجلس الإدارة هو الأب، والمدير المالي هو الابن، والمحاسب هو ابن العم، والقرارات تُطبخ في العشاء العائلي، إضافة إلى مشكلة استنزاف السيولة، فسحب الأرباح لتغطية نفقات أفراد العائلة الشخصية دون النظر لخطط التوسع أو الاحتياطيات، وأيضاً هجرة الجيل الثاني والثالث، واضطرار بعض الشركات لتوظيف قيادات غير مؤهلة من الأقارب لملء الفراغ، رافضةً الاستعانة بمديرين تنفيذيين محترفين من خارج العائلة.
عندما تصطدم العاطفة بالبزنس
لتعميق البحث، التقى “963+” بجيلين مختلفين في قطبي الصناعة السورية (دمشق وحلب)، لنرصد الفجوة في طريقة التفكير والتعامل مع مفهوم الحوكمة.
في حلب كان العنوان الأبرز “الدم لا يصبح ماءً.. والشركة ملك للعائلة فقط”، ففي المدينة الصناعية بالشيخ نجار في حلب، يعبر الصناعي أبو محمد طحان (63 عاماً)، وهو صاحب مصنع للصناعات البلاستيكية، والذي يمثل عقلية “الجيل الأول والقديم” في تصريح لـ”963+” بنبرة حاسمة عن رفضه لفكرة الاستعانة بمدراء غرباء: “أسست هذا المصنع من الصفر تحت القذائف، وعشت فيه أياماً لم نكن نجد فيها المازوت.
ويضيف: “اليوم، كيف لي أن أسلم دفتري المالي وقرار شركتي لـ ‘مدير تنفيذي غريب’ لمجرد أنه يحمل شهادة كبيرة؟ ابني قد يخطئ، لكنه يحرص على رزق أبيه، أما الغريب يهمه راتبه ومكافأة نهاية العام فقط، أما حوكمة الشركات برأيي هي مصطلح برّاق مستورد، لا يناسب طبيعة السوق السورية القائمة على الثقة والكلمة والدم”.
أما في دمشق فكان العنوان: “نحن ننزف لأننا ندير شركة بـ عقلية المضافة”؛ حيث طارق الطويل (34 عاماً)، وهو ابن شريك مؤسس في مجموعة تجارية وصناعية كبرى للمواد الغذائية بدمشق. طارق، الذي درس إدارة الأعمال في دولة خليجية وعاد ليجد نفسه في صراع مرير مع أعمامه.
يقول في تصريح لـ”963+”: “نحن قاب قوسين أو أدنى من الانهيار، ليس بسبب نقص الزبائن، بل لأن عائلتي تدير شركة برأس مال ملياري بعقلية ‘المضافة’ أعمامي يسحبون مئات الآلاف من الدولارات من الصندوق لشراء سيارات وعقارات شخصية دون قيد محاسبي صحيح، وعندما اقترحت تشكيل مجلس إدارة مستقل وفصل الحسابات، اتهموني برغبتي في الانقلاب على العائلة والاستقواء عليهم بالقانون، جيل الآباء يرى في الحوكمة عقوقاً عائلياً، بينما نراها نحن جيل الشباب طوق النجاة الوحيد للصمود”.
الإطار التنظيمي السوري: حبر القوانين يواجه “العُرف”
من الناحية التشريعية، لم تقف البيئة السورية مكتوفة الأيدي، فقانون الشركات السوري وقوانين هيئة الأوراق المالية وضعت أطراً هامة. ولكن، لماذا يتردد التجار والصناعيون في الإقبال على الحوكمة؟
توجهنا بهذا السؤال إلى الخبير المالي والمستشار الضريبي في حلب، سمير كيالي، الذي شرح المعضلة من زاوية مختلفة: “المشكلة مزدوجة، هناك خوف تاريخي لدى التاجر السوري من ‘كشف الأوراق’. التحول للحوكمة يعين مراجعي حسابات مستقلين، وينشر الميزانيات، وهو ما يخشاه الكثيرون خشية التقديرات الضريبية المرتفعة، أو بسبب عدم استقرار القوانين المالية والتمويلية وضوابط الاستيراد والتصدير، فالتاجر السوري يرى في غموض شركته عازلاً يحميه من الصدمات الخارجية، بينما في الواقع، هذا الغموض هو نفسه ما يقتلها عند غياب المؤسس”.
الخروج من النفق: “دستور العائلة” كطوق نجاة
يرى كيالي في تصريحات لـ”963+” أن الحل يبدأ من صياغة ما يسمى بـ”ميثاق أو دستور العائلة”. وهو وثيقة قانونية وأخلاقية تفصل تماماً بين حق الملكية وحق الإدارة، ويتطلب تفعيل هذا النموذج في سوريا خطوات متسلسلة لضمان الانتقال الآمن تبدأ من التوعية ونقل العقلية كمرحلة تمهيدية، تتضمن إقناع الجيل الأول (المؤسس) بأن الحوكمة ليست سحباً للصلاحيات منه، بل هي الضمان الوحيد لخلود اسمه التجاري بعد رحيله، ثم صياغة الميثاق العائلي “الفصل بين البيت والعمل” وذلك وضع شروط صارمة لتوظيف الأقارب (مثال: الحصول على شهادة جامعية، وخبرة خارجية لا تقل عن 3 سنوات) وتحديد آليات واضحة لتوزيع الأرباح وفض النزاعات.
ويضيف: ثم مرحلة التحول الهيكلي والقانوني “الشركات المساهمة المغلقة” وذلك بتحويل الشكل القانوني للشركة من تضامنية أو محدودة المسؤولية إلى “مساهمة مغلقة”، مما يسهل لاحقاً دخول شركاء أو استقطاب تمويل عبر السندات دون تفتيت الإدارة، وأيضاً فصل الإدارة وتعيين المستقلين للانتقال إلى “المأسسة الاحترافية” من خلال تشكيل مجلس إدارة يضم أعضاءً مستقلين (من خارج العائلة) وتعيين مديرين تنفيذيين بناءً على الكفاءة، وخضوع الجميع لآليات الرقابة والإفصاح المالي.
ويختم الكيالي بالقول: إن حوكمة الشركات العائلية في سوريا لم تعد ترفاً إدارياً يقتصر على كبريات المجموعات الاقتصادية، بل هي مصلحة وطنية عليا. فاستمرار هذه الشركات واستقرارها يضمن استقرار السوق، وحماية آلاف فرص العمل، وجذب الاستثمارات الخارجية المغتربة التي تبحث عن بيئة مؤسساتية شفافة للعودة، والكرة الآن في ملعب غرف التجارة والصناعة السورية، والجهات الحكومية المعنية، للبدء بحملة وطنية شاملة تهدف إلى نشر ثقافة الحوكمة، وتقديم حوافز ضريبية حقيقية تشجع العائلات التجارية على فتح دفاترها، والانتقال بأعمالها من “زمن الآباء” إلى “مستقبل المؤسسات”.










