مع عودة سوريا إلى واجهة التفاعلات السياسية والإقليمية بعد سنوات من الحرب والعزلة، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الذي تسعى دمشق إلى لعبه في المرحلة المقبلة، وحدود علاقتها بالقوى الإقليمية والدولية الفاعلة. كما تبرز ملفات حساسة تتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، ومستقبل السياسة السورية تجاه الصراعات المحيطة، إضافة إلى تحديات إعادة البناء والاستقرار الداخلي.
وفي هذا الحوار مع “963+” يجيب الدكتور إحسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية، عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بموقع سوريا في المشهد الإقليمي الجديد، وفرصها وتحدياتها في ظل المتغيرات الراهنة، ورؤيته لمستقبل الدور السوري في المنطقة خاصة بعد التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
في ظل الدعوات الأميركية لدمشق لاتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه “حزب الله”، هل تتجه سوريا نحو الانخراط في مواجهة إقليمية، أم أنها ما زالت متمسكة بسياسة تجنب الصراعات المباشرة؟
دائمًا ما يُقال: خذوا كلام ترامب بجدية، ولكن لا تأخذوه بحرفيته، لأنه غالباً لا يكون دقيقاً في تعبيراته. فإذا نظرنا إلى كلام الدبلوماسيين أو السياسيين عادةً، نجد أنهم يختارون كل كلمة بعناية شديدة، لأنهم يريدون إيصال رسالة محددة ويحرصون على أن تُفهم بوضوح. أما ترامب، فمن المآخذ عليه أنه لا يتحرى الدقة في كلامه، ويسارع إلى إطلاق التصريحات. وخلفيته في عالم الصفقات والعقارات تجعله يميل إلى المبالغة في كثير من الأحيان. إضافة إلى ذلك، فهو يفكر بصوت مرتفع، إذ قد تُطرح أمامه فكرة أو يُذكر له أمر ما، فيعيد تكراره مباشرة. لذلك، فيما يتعلق بموضوع سوريا أو أي موضوع آخر، ينبغي أخذ هذه الاعتبارات في الحسبان عند تفسير تصريحاته.
أما بالنسبة إلى لبنان و”حزب الله”، فإن سوريا الجديدة ما تزال في مرحلة البناء. النظام السابق، نظام حافظ الأسد ثم ابنه، لم يكن يتمتع بشرعية سورية حقيقية، ولذلك كان يعتمد في شرعيته على ما يمكن وصفه بالدور الوظيفي؛ أي على أداء أدوار تخدم السياسة الأمريكية وتتقاطع أحيانًا مع المصالح الأميركية.
ومنذ التفاهمات التي تعود إلى أيام هنري كيسنجر، كان الجولان منطقة هادئة بالكامل، كما أُوكل إلى النظام السوري المخلوع إدارة الملف اللبناني، في حين كانت الولايات المتحدة هي المشرف الفعلي على هذا الملف، بينما كان نظام الأسد يتولى التنفيذ.
اليوم نحن أمام سوريا جديدة لا أعتقد أنها معنية بهذا النهج. فالنظام الجديد يتمتع بشرعية تستند إلى تمثيله للأغلبية السورية، وليس بحاجة إلى أدوار وظيفية لاكتساب الشرعية. شرعيته تنبع من الداخل السوري ومن الشعب السوري، كما يستمد جزءاً من شرعيته من علاقاته الجيدة وقبوله الإقليمي، ولا سيما من خلال علاقاته الوثيقة مع السعودية وقطر وتركيا، وهي دول صديقة وحليفة للولايات المتحدة. بالتالي فهو لا يبحث عن دور وظيفي للحصول على الشرعية، لأن هذه الشرعية متوافرة لديه أساساً.
ومن المؤكد أن سوريا الجديدة لا يمكن أن تدخل طرفًا في حرب داخل لبنان، ولا أن تنخرط إلى جانب أي طرف في هذا الصراع. هذا أمر غير وارد. أما ما تستطيع سوريا القيام به، فهو ما تقوم به أي دولة تحترم نفسها: احترام القانون الدولي، واحترام الحدود، والعمل على ضبطها وحمايتها.
هل نحن أمام انتقال من مرحلة العداء التقليدي إلى مرحلة إدارة المصالح والتفاهمات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل؟
من المؤكد أن إسرائيل لم تكن سعيدة بانتهاء النظام السابق، لأن هناك تفاهمات كانت قائمة معه. وقد أشار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى أنه عندما تجاوز نظام الأسد “الخط الأحمر” باستخدام السلاح الكيميائي، كان الزعيم الوحيد الذي اتصل به مؤيداً قراره بعدم توجيه ضربة للنظام هو رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك.
لذلك، يمكن القول إن إسرائيل كانت راضية عن النظام السابق في سوريا. أما اليوم، فهي ليست صديقة للدولة السورية الجديدة على الإطلاق. وقد بادرت، عقب سقوط النظام السابق، إلى استهداف القدرات العسكرية السورية، وهو ما يُعد مؤشرًا واضحًا على أنها تنظر إلى الدولة السورية الجديدة باعتبارها خصمًا وتتعامل معها على هذا الأساس.
ولولا الضوابط التي وضعتها الولايات المتحدة على السلوك الإسرائيلي، لكانت إسرائيل ذهبت إلى مدى أبعد في هذه الممارسات. وبالتالي، لا يوجد أي تقاطع أو تحالف بين سوريا الجديدة وإسرائيل، بل إن هناك رغبة سورية في معالجة المشكلات عبر التفاوض، وفي مقدمتها قضية الأراضي السورية المحتلة.
وعليه، فإن العلاقة مع إسرائيل تبقى علاقة صراع بسبب الاحتلال القائم، خصوصاً أن إسرائيل هي من بادر إلى استهداف مقومات الدولة السورية العسكرية بعد انتهاء النظام السابق، واستمرت في سياسات التوسع والاحتلال. لذلك، لا توجد مصالح مشتركة أو تفاهمات مباشرة أو غير مباشرة بين الطرفين.
إلى أي مدى يمكن أن تنعكس التحولات الإقليمية الجارية على المشهد السوري الداخلي، سواء على مستوى موازين القوى السياسية أو الملفات الأمنية والاقتصادية؟
تتعامل الإدارة السورية الجديدة، في تقديري، بحكمة مع الملفات الداخلية والخارجية. فهي تبتعد عن الصراعات، وتسعى إلى بناء الصداقات، وتحاول أن تجعل من سوريا دولة طبيعية تحترم القانون الدولي وقواعد العلاقات بين الدول.
وهناك علاقات وثيقة مع دول مثل قطر والسعودية وتركيا، إلا أن السياسة السورية تتجه نحو مدّ الجسور مع الجميع. كما أن الإدارة الأميركية تدرك أن سوريا الجديدة بحاجة إلى إعادة البناء وإلى بيئة مستقرة تمكنها من استعادة دورها الطبيعي.
في المقابل، كان النظام السابق يستثمر في الأزمات ويبحث عن أدوار وظيفية تمنحه النفوذ والشرعية، بينما ابتعدت سوريا الجديدة عن هذا النمط في التعامل مع الآخرين. فالاستقرار السوري يجذب الاستثمارات ويخدم مصالح المنطقة بأكملها.
كما أن لسوريا مصلحة مباشرة في استقرار لبنان، لأن المشكلات لا تتوقف عند الحدود. ولهذا تؤكد أنها تريد أن تكون جزءاً من الحل، وقد عملت على ضبط حدودها، في الوقت الذي تركز فيه جهودها على إعادة البناء والتعاون في مكافحة الإرهاب بالتنسيق مع المؤسسات الدولية والدول المؤثرة.
وبالنظر إلى موقع سوريا الجغرافي وحجمها ودورها الإقليمي، فإنها تمثل عنصراً مهماً في أمن المنطقة. وقد ارتبطت صورة النظام السابق بالإرهاب وتجارة المخدرات والانخراط في المحور الإيراني، وهو ما أضر بصورة سوريا دوليًا وعربيًا.
ما الدلالات السياسية لزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن في هذا التوقيت تحديداً، وما الرسائل التي أرادت دمشق وواشنطن توجيهها من خلالها؟
تُعد زيارة الرئيس السوري إلى واشنطن أمرًا طبيعيًا في إطار العلاقات الدولية، إذ إن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها يجرون زيارات متبادلة بصورة مستمرة. فالمنطقة تشهد تحولات وتغيرات كبيرة، وسوريا الجديدة تسعى إلى أن تكون جزءًا من الحلول لا جزءًا من المشكلات. وهي لا ترغب في التورط في صراعات الآخرين، بل تركز على معالجة قضاياها الخاصة، وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي لبعض أراضيها، وتسعى إلى إنهاء هذه القضية عبر المفاوضات والوسائل السياسية، لا عبر الحروب.
ويُنظر إلى هذا الموقف بوصفه موقفًا عقلانيًا يهدف إلى إغلاق الملفات المفتوحة، وتحقيق الاستقرار الداخلي، وتوفير الظروف المناسبة لإعادة البناء.
ومن المؤكد أن الولايات المتحدة قادرة على لعب دور إيجابي في دعم الاستقرار، سواء عبر تشجيع الحلول السياسية أو عبر الحد من السياسات التي قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في المنطقة.
هل أصبحت سوريا اليوم لاعباً فاعلاً في ترتيبات المنطقة الجديدة، أم أنها ما تزال تتأثر أكثر مما تؤثر في مسار الأحداث؟
بالنسبة للدور الإقليمي، أكيد أن سوريا دولة كبيرة ومهمة، وكان يُقال دائماً: “لا حرب من دون مصر، ولا سلام من دون سوريا”. فسوريا دولة مهمة بحكم موقعها وحجمها، لكنها اليوم في مرحلة البدايات، ولا تستطيع أن تتورط في ملفات الآخرين ما دامت منشغلة بإعادة البناء وترتيب أوضاعها الداخلية. لذلك أرى أن سوريا ملتفتة إلى الداخل أكثر من الخارج.
بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، كيف تقرأون حدود الدور السوري في إعادة رسم خرائط التوازنات الإقليمية، وما هي الفرص والتحديات التي تواجه دمشق؟
أعتقد أن المشكلة تكمن في أن إسرائيل تنظر إلى سوريا الجديدة بوصفها عدواً، بينما كانت تنظر إلى النظام السابق على أنه ليس صديقاً، لكنها كانت تعرفه وتفهمه، وكانت هناك تفاهمات، سواء فوق الطاولة أو تحتها. أما اليوم، فما زالت إسرائيل غير مطمئنة إلى سوريا الجديدة، مع أن سوريا الجديدة لا تريد محاربة أحد، وأعتقد أن التهديد الأكبر يبقى متمثلاً في الدور الإسرائيلي التخريبي بالمنطقة، وفي الأطماع الإسرائيلية بالأراضي السورية. والحل الوحيد لمواجهة هذه الأطماع يتمثل في بناء علاقة سورية أميركية وثيقة إلى جانب العلاقات الوثيقة مع تركيا، الحليفة للولايات المتحدة، ومع السعودية ودول الخليج ذات التأثير في واشنطن.










