في زحمة المسؤوليات اليومية بين العمل والدراسة والأسرة، تجد كثير من النساء أنفسهن أمام قائمة طويلة من الواجبات، بينما تتراجع المساحة المخصصة لاهتماماتهن الشخصية وهواياتهن. ومع ذلك، لم تعد الهواية مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل أصبحت متنفساً للتعبير عن الذات، ومجالاً لاكتشاف المواهب، وأحياناً باباً لتحقيق النجاح والاستقلال المادي. وبين من تجد في الرسم أو الرياضة أو القراءة شغفاً خاصاً، وأخريات يحاولن اقتناص وقت لممارسة ما يحببن رغم التحديات، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مكانة الهوايات في حياة المرأة اليوم، ومدى الدعم الذي تحصل عليه لممارستها.
هديل أحمد، سيدة ثلاثينية تقيم في مدينة عامودا شمال شرقي سوريا، وجدت في تربية الأزهار والنباتات المنزلية ملاذاً خاصاً وسط ضغوط الحياة اليومية والمسؤوليات الأسرية. بدأت قصتها قبل نحو خمس سنوات، عندما اشترت نبتة صغيرة لتزيين شرفة منزلها، لكن اهتمامها بها تحول تدريجياً إلى شغف حقيقي.
ومع مرور الوقت، خصصت زاوية كاملة من منزلها للنباتات، ثم بدأت باستثمار سطح المنزل لزراعة أنواع مختلفة من الورود والنباتات العطرية، مثل إكليل الجبل والريحان والنعناع، إلى جانب نباتات الزينة الداخلية.
تقول هديل لـ”963+” إن يومها يبدأ عادةً بتفقد النباتات، وسقايتها، وترتيب الأصص، معتبرة أن هذه اللحظات تمنحها هدوءاً نفسياً كبيراً.
وتتابع أنه، رغم التحديات المتعلقة بتأمين بعض مستلزمات الزراعة وارتفاع أسعارها أحياناً، فإنها تحاول الاعتماد على وسائل بسيطة، مثل إعادة استخدام العبوات القديمة كأحواض للنباتات.
وتؤكد هديل أن هذه الهواية لم تغير شكل منزلها فقط، بل انعكست أيضاً على حالتها النفسية، إذ أصبحت ترى في كل زهرة تعتني بها مساحة للأمل والحياة، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة.
ولا تتوقف هوايات النساء عند الزراعة المنزلية وتربية الأزهار فقط، فهناك أخريات وجدن في الأعمال اليدوية مساحة مختلفة للتعبير عن الذات واستثمار الوقت، بما يحمل طابعاً إبداعياً وتراثياً. وبين الخيوط والأقمشة والألوان، تحولت الحياكة والتطريز لدى بعض النساء من نشاط يُمارس داخل المنزل إلى شغف يومي يمنحهن شعوراً بالإنجاز، ويحافظ في الوقت ذاته على مهن تقليدية ما تزال حاضرة رغم تغير أنماط الحياة.
وفي مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا، اختارت أفين يوسف هذا الطريق، لتنسج بخيوطها حكاية مختلفة بدأت كهواية بسيطة، قبل أن تصبح جزءاً أساسياً من يومها.
تقول أفين البالغة من العمر 33 عاماً، إنها وجدت في الحياكة والتطريز اليدوي هواية رافقتها منذ الطفولة، إذ تعلمت أولى خطواتها في التطريز من والدتها وجدتها، وكانت تراقبهما وهما تخيطان الملابس وتزينان الأقمشة بالنقوش التقليدية.
وخلال سنوات الدراسة، كانت أفين تمارس هوايتها في أوقات الفراغ، فكانت تحيك قطعاً صغيرة، مثل الأوشحة وحقائب القماش المطرزة، قبل أن تبدأ لاحقاً بتجربة تصاميم أكثر تعقيداً، كالمفارش وقطع الديكور المنزلية.
وتضيف لـ”963+” أن أكثر ما يجذبها في هذه الهواية هو شعورها بأنها تحافظ على جزء من التراث المحلي، خاصة من خلال استخدام نقوش وألوان مستوحاة من البيئة في القامشلي.
تؤكد الباحثة والصحافية المصرية إنجي بدوي أن الهوايات تلعب دوراً مهماً في تحسين الحالة النفسية للمرأة والتخفيف من الضغوط اليومية، مشيرة إلى أن بعض الأنشطة مثل اليوغا، والرياضة، والرسم، وعزف الموسيقى تساعد النساء على تفريغ الطاقة السلبية وتعزيز الثقة بالنفس.
وتوضح بدوي لـ”963+” أن الأسرة تمثل العامل الأساسي في اكتشاف ميول الفتيات منذ الطفولة، مبينة أن تشجيع الأسرة على التجربة والتعلم وتوفير مساحة آمنة للتعبير عن الاهتمامات ينعكس بشكل مباشر على شخصية الفتاة وثقتها بنفسها مستقبلاً، لافتة إلى أن الدعم المعنوي قد يكون في كثير من الأحيان أكثر أهمية من الإمكانيات المادية.
وتشير إلى وجود اختلاف واضح في طبيعة الهوايات بين المدن والأرياف، حيث تنتشر في المدن الهوايات المرتبطة بالتكنولوجيا والفنون الحديثة والرياضة، بينما تميل النساء في المناطق الريفية إلى الأعمال اليدوية أو الأنشطة المرتبطة بالبيئة المحلية.
وتبيّن أن طبيعة الهوايات تتغير مع التقدم في العمر، إذ يزداد اهتمام الفتيات في مرحلة المراهقة بالهوايات الرقمية أو الجديدة على المجتمع، في حين تميل النساء في مرحلة الرشد إلى هوايات توفر قدراً أكبر من الهدوء والاستقرار النفسي.
وحول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، تلفت بدوي إلى أن بعض الأشخاص باتوا يمارسون هوايات معينة بهدف الظهور أو تحقيق الشهرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن المنصات الرقمية أتاحت أيضاً فرصاً مهمة للنساء لعرض مواهبهن والوصول إلى جمهور أوسع وفرص لم تكن متاحة سابقاً.










