بينما تتصاعد أعمدة الدخان فوق المدن المدمرة، تتكشف مأساة أقل ظهوراً وأكثر إيلاماً، مأساة المرأة التي أصبح جسدها ساحة حرب موازية. هذه المرأة تحمل عبء الحرب مرتين؛ مرة حين تُجبر على النزوح من أرضها، ومرة حين يُنتهك جسدها. النزوح القسري لا يكون فقط خوفاً من القصف، بل أيضاً لحماية “العرض”. بينما تتصدر صور الدمار والضحايا نشرات الأخبار، وتتنافس الإحصاءات في وصف الخسائر العسكرية والاقتصادية، يظل العنف الجنسي أحد أكثر الجروح البشرية عمقاً، لكنه الأقل ظهوراً ومحاسبة.
لقد أثبت التاريخ أن العنف الجنسي في النزاعات المسلحة ليس حادثاً عابراً، بل نمط متكرر. فمن حرب البوسنة في التسعينيات، مروراً بالانتهاكات التي تعرضت لها النساء الإيزيديات في العراق، وصولاً إلى النزاعات المعاصرة في أوكرانيا وسوريا، تتكرر الصورة نفسها: أجساد النساء تتحول إلى أدوات حرب، وغالباً ما يُستهدف المجتمع بأسره من خلال هذا الاعتداء.
القانون الدولي يجرّم هذه الجرائم بوضوح، لكن تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان تؤكد أن العنف الجنسي في الحروب لا يزال من أكثر الجرائم انتشاراً وأقلها محاسبة. فقد وثق تقرير أممي صدر عام 2025 أكثر من 12,000 حالة عنف جنسي في مناطق نزاع خلال عام واحد فقط.
العنف الجنسي كسلاح: الأرقام، القانون، والآثار الاجتماعية
الأرقام تعكس حجم المأساة، وإن كانت تمثل جزءاً ضئيلاً من الواقع. في أبريل 2024، قدمت براميلا باتن، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالعنف الجنسي أثناء الصراعات، أمام مجلس الأمن إحصاءات صادمة، حيث ارتفعت انتهاكات العنف الجنسي المرتبط بالنزاع بنسبة 50% خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، وفي عام 2024 بلغ عدد الحالات الموثقة 4,600 حالة، بزيادة 25% عن العام السابق.
لكن هذه الأرقام ليست سوى رأس جبل الجليد، إذ أن الإبلاغ عن العنف الجنسي يعاني من نقص مزمن وهيكلي نتيجة الوصم الاجتماعي والخوف من الانتقام وانهيار أنظمة التوثيق في مناطق النزاع. الحرب في رواندا عام 1994 تشكل مثالاً صارخاً، فقد قدّرت الأمم المتحدة لاحقاً أن ما بين 250,000 و500,000 امرأة تعرضن للاغتصاب، بينما لم يُسجّل التوثيق الفوري سوى جزء ضئيل من هذه الجرائم.
وتشير التقارير الأممية إلى أن أكثر من 60,000 امرأة اغتُصِبن خلال النزاع في سيراليون بين 1991 و2002، وأكثر من 200,000 في رواندا خلال مئة يوم من الإبادة الجماعية عام 1994، أما في البوسنة فقد وثقت الأرقام ما بين 20,000 و50,000 حالة ضمن سياسة التطهير العرقي.
وفي دارفور بالسودان بين 2003 و2008، تم توثيق أكثر من 12,000 حالة اغتصاب واعتُبرت جريمة ضد الإنسانية، وفي ميانمار “الروهينغا” بين 2016 و2017، رُصدت تقديرات بحوالي 18,000 حالة اغتصاب خلال أشهر قليلة كجزء من عملية تطهير عرقي.
أما في سوريا والعراق واليمن وليبيا، فتشير التقارير الحقوقية إلى آلاف حالات العنف الجنسي المنهجية التي لم تُبلّغ إلا عن جزء صغير منها، حيث تُقدّر منظمة العفو الدولية أن أقل من 10% من جرائم الاغتصاب في مناطق النزاع يتم الإبلاغ عنها رسمياً، مما يجعل الأرقام المعلنة مجرد “قمة جبل الجليد”.
ومنظمة هيومن رايتس ووتش أكدت أن العنف الجنسي في سوريا ليس استثناءً، بل أصبح أداة منهجية مستخدمة لترهيب المجتمعات.
القانون الدولي حاول مواكبة هذه الجرائم، ففي أكتوبر 2000 اعتمد مجلس الأمن بالإجماع القرار 1325 حول “المرأة والسلام والأمن”، وهو أول وثيقة قانونية دولية ملزمة تربط بين تجربة المرأة في النزاعات وملف السلم والأمن الدوليين، ويركز على أربع ركائز: مشاركة المرأة في منع النزاعات، ومشاركتها في عمليات بناء السلام، وحمايتها أثناء النزاعات وبعدها، ومراعاة احتياجاتها الخاصة في مرحلة التعافي.
ومنذ اعتماده توسعت المنظومة القانونية لتشمل تسعة قرارات مكمّلة، أبرزها القرار 1820 (2008) الذي صنّف الاغتصاب سلاحاً للحرب، والقرار 2106 (2013) الذي شدد على المساءلة، والقرار 2493 (2019) الذي طالب بالتطبيق الكامل للمنظومة.
ومع ذلك، من بين 193 دولة عضو في الأمم المتحدة، أعدّت أقل من 100 دولة خطة عمل وطنية لتطبيق القرار بعد 25 عاماً من اعتماده، ما يعكس فجوة ضخمة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي.
آثار الحرب على الجسد والعقل: من الضحية إلى الأجيال القادمة
الاغتصاب لم يعد سلوكاً فردياً عابراً، بل أداة ضمن استراتيجيات الحرب. تقول الباحثة الاجتماعية ليلى السليمان في تصريحات لـ”٩٦٣+”: “العنف الجنسي في الحروب مرتبط بالبنى الثقافية التي تربط شرف المجتمع بالنساء. الاعتداء على النساء يُنظر إليه كإهانة للمجتمع بأكمله وليس للضحية وحدها، لذلك يُستخدم الاغتصاب كأداة لإذلال المجتمع وكسر إرادته. الوصمة الاجتماعية تجعل هذه الجريمة فعالة لأنها تمتد لتشمل الضحية وأسرتها والمجتمع بأسره، وقد تُستخدم لإرهاب السكان المدنيين، وإجبار المجتمعات على النزوح، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وإذلال الخصم”.
وتوضح السليمان أن المحاسبة عن هذه الجرائم غالباً ما تكون محدودة، وغالباً ما تبقى بلا عقاب بسبب صعوبة جمع الأدلة وخوف الضحايا من الإدلاء بشهاداتهم، والتسويات السياسية بعد انتهاء النزاعات.
من الناحية النفسية، يشير الدكتور مالك حداوي، أخصائي علم النفس الجنائي، إلى أن العنف الجنسي في الحروب يترك أثراً مضاعفاً، لأنه مرتبط بالعار الاجتماعي و”الرجولة الجمعية” المفروضة على الجنود.
ويقول لـ”963+”: “الاغتصاب في الحرب ليس فعلاً رغباتياً لحظياً، بل فعل سيادة، والجندي الذي يغتصب جماعياً يحاول إثبات انتمائه للمجموعة وتعزيز مكانته. الاغتصاب الجماعي أداة حرب صامتة لإرسال رسائل متعددة للضحية ولمجتمعها وللقوات المعادية، وحتى لإحداث تغيير ديموغرافي في حالات مثل البوسنة ورواندا”.
ويضيف أن أثر الاغتصاب يمتد إلى ما هو أبعد من الضحية المباشرة، بما في ذلك الحمل القسري، والأمراض المنقولة جنسياً، واضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، وصعوبات إعادة الاندماج الاجتماعي، وأحياناً ولادة أطفال نتيجة الاعتداء، ليواجهوا هم أيضاً تحديات اجتماعية ونفسية معقدة.
ويشير الباحث العسكري خليل الابراهيم إلى أن بيئة الحرب تلغي “الأنا الأعلى” للفرد وتستبدله بأمر القائد، وأن بعض القيادات تستخدم الاغتصاب كحافز للجنود أو كعقوبة جماعية للقرى المتمردة. في النزاعات التي تدور حول الهوية أو الأرض، يُنظر إلى جسد المرأة كامتداد للأرض أو الجماعة، ويصبح الاعتداء وسيلة لإعلان السيطرة وكسر إرادة المجتمع المنافس. الاغتصاب هنا ليس جريمة فردية عابرة، بل تكتيك عسكري يرسل رسائل سياسية ونفسية مزدوجة، ويُستخدم لإرهاب السكان المدنيين وتفكيك الروابط الاجتماعية. غياب المحاسبة وغياب الرقابة من القيادة يزيد احتمال ارتكاب هذه الجرائم بشكل كبير.
أما الأطفال المولودون من اغتصاب الحرب، فيواجهون تبعات مركّبة تمتد عبر الأجيال، حاملين وصمة مزدوجة، لا ينتمون كلياً لهوية أمهاتهم ولا يُقبَلون في مجتمعاتهم.
يقول الباحث الاجتماعي صالح خير الدين: “المأساة الكبرى في السياق العربي والشرق أوسطي تكمن في ارتباك المفاهيم؛ الناجية تُعامل كمن جلبت العار، والأطفال يولدون في بيئة مشحونة بالوصمة، ما يعقد إعادة دمجهم اجتماعياً ونفسياً. الهدف من الاغتصاب هو تفتيت النسيج الاجتماعي، وعندما يُنبذ الضحايا، ينجح العدو في تحقيق هدفه بتمزيق التضامن الداخلي للأسرة والمجتمع”.
وعلى المستوى القانوني، يشير المحامي مجد الرداوي إلى أن العنف الجنسي في النزاعات أصبح جريمة معترف بها دولياً، لكن العقبات في تطبيق العدالة ما زالت كبيرة، وتشمل غياب الإرادة السياسية، وهشاشة البنى القضائية، والصمت الجمعي الذي يتحول إلى تواطؤ ضمني.
ويضيف الرداوي في تصريحات لـ”963+” أن مواجهة هذه الجرائم تتطلب تعزيز المساءلة الدولية، تدريب الجيوش على القانون الدولي الإنساني، حماية الضحايا والشهود، تقديم الدعم النفسي والطبي للناجيات، مكافحة الوصمة الاجتماعية، وعدم شمول المحاكمات بأي “عفو عام”، وتوفير برامج تعويضية تشمل الدعم النفسي وإعادة الإدماج الاقتصادي. ويختم بالقول: “الاعتراف بهذه الجرائم وتوثيقها هو الخطوة الأولى نحو العدالة، والانتصار في معركة كسر الصمت هو الرهان الحقيقي”.










