في كل صباح يصدر مصرف سوريا المركزي نشرة أسعار يُعلن فيها عن سعر مرجعي للدولار مقابل الليرة السورية: 11,000 ليرة شراءً و11,100 ليرة بيعاً، الرقم ثابت، بل يكاد يكون محفوراً في الجدران منذ أشهر، ولكن في الوقت الذي يُصدر فيه المركزي نشرته، يتداول الدولار في شوارع دمشق وحلب وحمص بسعر يتراوح بين 11,780 و11,950 ليرة، أي ما يزيد عن السعر الرسمي بفارق يتجاوز 700 ليرة للدولار الواحد، وهذا التناقض ليس خطأً عارضاً، بل هو جوهر أزمة السياسة النقدية السورية، فمصرف مركزي يُسعّر ما لا يبيعه، ويدّعي الاستقرار في سوق لا يتحكم فيه.
النشرة الرسمية للمركزي السوري: 11,100 ليرة للدولار، والسوق الموازية اليوم: 11,830 ليرة، والفارق: 730 ليرة لكل دولار، وهو ما يعادل نحو 7% من قيمة عملتك، ولا يُعدّ وجود سعر رسمي ومتوازٍ ظاهرة نادرة في الدول ذات الاقتصادات المأزومة، غير أن جميع الدراسات الاقتصادية المقارنة تؤكد أن استمرار هذا الثنائي أطول من المرحلة الانتقالية يُفضي إلى ثلاث نتائج حتمية: تقطيع الاقتصاد بين قطاعين لا يتواصلان، وتراجع الاستثمار الأجنبي الذي يرفض الغموض السعري، وتآكل الثقة الشعبية بالجهاز المصرفي.
اقرأ أيضاً: بين احتياطي المعدن الأصفر وواقع السوق السورية.. هل يكفي الذهب لإنقاذ الليرة؟ – 963+
المصرف المركزي بين التصريح والواقع
صرّح حاكم المصرف المركزي عبد القادر الحصرية في سبتمبر 2025 بأن “الوضع السابق غير اقتصادي ولا يمكن أن يستمر”، وأكد أن المركزي في حوار مع المصارف لإيجاد “آلية تضمن حرية السحب دون قيود”. لكن ذلك الحوار لم يُفضِ حتى منتصف مارس 2026 إلى حل جذري.
في المقابل، تواصل إعلان الحصرية إنجازات ديبلوماسية مالية بارزة: فتح حساب لدى البنك المركزي الكندي، وإعادة تفعيل الحساب لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأول مرة منذ 2011. إنجازات هيكلية حقيقية على المستوى الدولي، لكنها لم تُترجم بعد إلى دولار واحد في يد تاجر أو مدّخر سوري.
واقع التسعير اليوم، تكشف الأرقام الحية عن هوّةٍ لا تخطئها العين: “يُقال إن بنوك العالم تحكمها قاعدة واحدة: الوعد الذي لا يمكنك الوفاء به هو الوعد الوحيد الذي لا يجب أن تُطلقه، وهذه القاعدة تنطبق على أسعار الصرف قبل أي شيء آخر”.
فنشرة المركزي الرسمية (ليرة قديمة) 11,000/11,100ثابت منذ أشهر، أما بالليرة الجديدة
110 ل.ج/111 ل.ج بعد حذف صفرين، في السوق الموازي بدمشق اليوم 11,780/11,830، أما السعر الفعلي للتداول السوق الموازية في الحسكة اليوم 11,900/11,950.
وفي البنوك الرسمية 100دولار تعادل 1,110,000 ل.س وهي للمراجعة فقط، أما في السوق الموازية 100دولار تعادل 1,650,000 ل.س وهو الواقع الفعلي للتداول، والفارق لكل 100 دولار 540,000 ل.س إضافية خسارة مدّخر بالليرة، ويعني هذا ببساطة أن كل مواطن يُضطر لشراء الدولار من السوق الموازية ـ وهم الغالبية العظمى ـ يدفع فعلياً سعراً يزيد بنحو 7% عما تُعلنه الدولة رسمياً، وهذا الفارق هو ضريبة غير مُعلنة على كل صفقة، وكل استيراد، وكل حوالة.
اقرأ أيضاً: أين ذهبت الليرة الجديدة؟ المواطن بين أكوام الليرات القديمة وندرة الجديدة – 963+
بنك مركزي لا يبيع.. هل هذا مقبول في أي اقتصاد؟
الخبير الاقتصادي الدكتور عدنان السراج يقول في تصريحات لـ”963+” إن القاعدة الذهبية في علم الاقتصاد النقدي لا تقبل نقاشاً “لا يحق لأي جهة مالية ـ حكومية كانت أم خاصة ـ أن تُعلن سعراً لصرف العملة إذا كانت غير قادرة على الإيفاء بجميع طلبات الشراء والبيع بذلك السعر” وبالتالي إعلان سعر دون القدرة على التنفيذ هو بالتعريف “تزوير للسوق”، فما الذي يفعله المصرف المركزي السوري تحديداً؟ يُعلن سعراً يومياً، ويستقبل بعض الحوالات والتحويلات الخارجية بهذا السعر، لكنه لا يبيع الدولار للمواطن أو التاجر في السوق المفتوحة، بمعنى آخر: النشرة وُجدت لتسعير العمليات الرسمية الضيقة، لا لضبط السوق، وهو ما يُفرغها من مضمونها كأداة لسياسة صرف حقيقية.
ويشير السراج أنه في مصر عام 2022، تخلى البنك المركزي عن نظام التثبيت بعد أن أصبح غير قادر على توفير العملة الأجنبية للسوق، وأعلن تعويماً مدروساً أفضى إلى ارتفاع الجنيه ثم استقراره، وفي الأرجنتين عام 2019، فرض البنك المركزي قيوداً على بيع الدولار فأفرز ذلك سوقاً موازية مزدهرة بفارق تجاوز 100%، وفي كلا الحالتين، اعترف البنك المركزي في نهاية المطاف بأن التثبيت الوهمي لا يصمد، وسوريا على المسار ذاته.
ويضيف: “البنوك المركزية التي تُسعّر ولا تبيع كحالة مصر في الفترة (2016 – 2022) وصل الفارق بين الرسمي والموازي إلى 50% والنتيجة تعويم مدروج أنهى الثنائية، أما في لبنان (2019 – مستمر) وتجاوز 1500% والنتيجة انهيار مصرفي كام، وهو ما حدث أيضاً لزيمبابوي(2007 – 2009) انهيار العملة الوطنية، وفي الأرجنتين )2019 – 2023) وصل إلى 100% والنتيجة أزمة ثقة متكررة، والنموذج في سوريا (اليوم) مستمر نحو 7% وآخذ في الاتساع والسيناريو قيد التشكّل”.
الثبات الوهمي، كيف يُصنع الاستقرار المزيّف؟
حين يسأل المراقب: لماذا لم ينهار سعر الصرف تماماً رغم كل الضغوط؟ تكشف المعطيات عن آلية خفية لا يُعلن عنها المركزي، وهي تجفيف السيولة بالليرة السورية في السوق المحلية.
ويقول السراج لجأ مصرف سورية المركزي في مطلع عام 2025 إلى فرض قيود صارمة على سحب الأموال النقدية، وبحسب الوقائع الموثقة، شملت تلك الإجراءات تجميد عدد كبير من الحسابات، وتحديد سقوف يومية وأسبوعية للسحب.
ووفق بيانات المصرف التجاري السوري، من أصل 554 جهاز صراف آلي في المحافظات، لا تعمل فعلياً سوى 302 جهاز، والبقية خارج الخدمة بسبب الأعطال ونقص قطع الغيار، فعندما تشحّ الليرات بأيدي المواطنين والتجار، يضعف الطلب على الدولار لا لأن الثقة عادت، بل لأن الناس ببساطة لا يملكون الليرات الكافية لشراء الدولار، وهذا تثبيت بالإكراه لا بالكفاءة، أي أن تثبيت سعر الصرف بالسوق الموازية تحقق بسبب تجفيف السيولة بالليرة وليس بسبب صحة الاقتصاد، وهذا الفارق جوهري، فمازال سقف السحب الأسبوعي ATM فقط 600 ألف ليرة أي أقل من 60 دولاراً أسبوعياً، وسقف السحب عبر POS فقط 3 ملايين ليرة أسبوعياً وهو قاصر عن تغطية نفقات العائلة، وأجهزة الصراف الفعّالة 302 من أصل 554 والنتيجة طوابير ساعات أمام الفروع.
ويضيف: أما تعميم 1831 (مايو 2025) فالسحب حر للحسابات بعد 7 مايو 2025، ولا يشمل الودائع القديمة، أي أن الودائع القديمة (ما قبل 2025) لا تزال بقيود فعلية، ومدّخرات محاصرة بلا أفق، وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الإجراءات التي اتخذها المركزي ركّزت على السيطرة المحكمة على السيولة بكافة أشكالها، وشملت تجميد حسابات وسقوفاً صارمة للسحب، بهدف كبح التهريب والتحكم بسعر الصرف، بمعنى آخر: الاستقرار الظاهري لسعر الصرف هو وجه آخر لأزمة السيولة التي يعانيها المودعون يومياً.
وتقول سناء عبدالحميد، موظفة حكومية، دمشق في تصريح لـ”963+”: وقفتُ خمس ساعات أمام المصرف التجاري في دمشق لأسحب 600 ألف ليرة من راتبي البالغ مليون و 200 ألف، وحُدّدت بزيارتين لأكمله، والصراف الآلي لا يعمل، والصف لا ينتهي، هذا ليس بنكاً، هذا طابور لحصص التموين!!!
اقرأ أيضاً: مصرف سوريا المركزي يصدر بياناً بعد رفض مؤسسات مالية استلام فئات من الليرة – 963+
هل هذا استقرار أم خداع إحصائي؟
الجواب كما يراه الخبير الاقتصادي الدكتور محمود إسماعيل يستدعي العودة إلى المبادئ الأولى: ما الذي يعنيه “استقرار سعر الصرف” في الاقتصاد الكلي؟ يعني أن يكون بمقدور أي شخص شراء أو بيع العملة الأجنبية بالسعر المُعلن، في أي وقت، وبأي كمية معقولة، أي قيد على أحد هذين الشرطين يجعل من السعر المُعلن رقماً لا دلالة حقيقية له.
ويضيف إسماعيل في تصريحات لـ”963+” أنه في الحالة السورية، لا يبيع المركزي الدولار بسعر نشرته إلا في نطاق ضيق جداً من العمليات الرسمية، والتجار لا يحصلون عليه بهذا السعر، والمستوردون لا يحصلون عليه، والمواطن العادي لا يحصل عليه، فمن يستفيد؟ حسباً للوقائع: الحوالات الخارجية الرسمية فقط، وهي جزء ضئيل من المعاملات الإجمالية، وهناك مبدأ اقتصادي راسخ: لا قيمة لسعر مُعلن إذا كانت الجهة المُعلِنة غير مستعدة لتلبية الطلب عليه، أي أن النشرة الرسمية بلا قدرة على البيع هي مجرد رقم في وثيقة إدارية، لا سياسة نقدية.
الثمن الحقيقي: من يدفع فاتورة السعر الوهمي؟
يرى إسماعيل أنه حين يتحدث المسؤولون عن “استقرار سعر الصرف” يتجاهلون من يتحمل التكلفة الفعلية لهذا الاستقرار الوهمي. التكلفة تقع على فئات رئيسية وهم: أصحاب الودائع بالليرة، والضرر حاصل من تآكل القيمة الحقيقية بفارق السعرين، وتقدر بمليارات الليرات يومياً، والمستوردون والتجار فهم يشترون الدولار بسعر السوق لا نشرة المركزي، والفارق 7% على كل معاملة، والمغتربون المُحوّلون، الذين يُحوّلون بالسعر الرسمي الأدنى للمصارف المراسلة، وخسارة بالمقارنة مع سعر السوق، والمُصدّرون السوريون (نادرون)، ويُلزَمون بتسليم العملة بالسعر الرسمي المنخفض، وهذا إثباط لأي توجّه تصديري.
ويضيف: أما المستثمر الأجنبي المحتمل، فغموض سعر الصرف يعني مخاطرة إضافية تحسب في كل تقييم، وهذا يعني إحجام عن الدخول، وعلى مستوى سمعة القطاع المصرفي، فإن التناقض بين ما تُعلنه المصارف الرسمية من أسعار وما يدفعه المواطن فعلياً يُوجد شكاً عميقاً في كل رقم تُصدره السلطة النقدية، ومتى بدأت الأرقام الرسمية تفقد مصداقيتها، بات من المستحيل على أي مستثمر بناء توقعاته على بيانات المركزي، وهذا بالضبط ما تبحث عنه المصارف الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف قبل أي انخراط جاد مع الاقتصاد السوري، والمصرف المركزي الذي يُسعّر ولا يبيع يُعلّم السوق درساً واحداً: لا تثق بي، وهو الدرس الأخطر الذي يمكن لبنك مركزي أن يُعلّمه.
ماذا يجب أن تكون السياسة النقدية الصحيحة؟
الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”963+” تحدد الشرطين الجوهريين لأي سياسة صرف فعّالة في مرحلة انتقالية: أولاً، يجب أن تكون الجهة الرسمية قادرة على الإيفاء بالتزاماتها السعرية فعلاً، أو تعلن صراحةً أن السعر توجيهي مرجعي لا للتداول المباشر، ثانياً، يجب أن تنتهي الثنائية بتقليص الفجوة تدريجياً نحو سعر واحد شفاف.
وترى أنه ثمة نموذجان مطروحان للخروج من المأزق: الأول هو التعويم المُدار، بحيث يُعلن المركزي تخلّيه عن التثبيت ويسمح للسعر بالتحرك في نطاق مراقب، مع ضخ محدود لاحتياطيات العملة الأجنبية لامتصاص التقلبات، والثاني هو بناء احتياطي موثوق من العملة الصعبة يُخوّل المركزي فعلاً الوقوف خلف سعره المُعلن، وهو المسار الذي تسعى إليه الاتفاقيات مع الاحتياطي الفيدرالي والبنك الكندي، لكنه يتطلب وقتاً لم يتضح بعد مداه، فالتعويم المُدار يتطلب قرار سياسي واحتياطي بسيط، ويحذر من ارتفاع مؤقت في السعر، ولكنه ممكن فورياً بأي وقت، أما التثبيت بدعم احتياطي حقيقي فيتطلب مليارات الدولارات احتياطياً، ولن يتحقق قريباً ربما يحتاج سنوات، وبالنسبة للوضع الراهن (لا شيء)، صفر تكلفة رسمية، وتآكل الثقة يومياً، وطريق مسدود.
وتختم الخطيب بالقول إن ما يكشفه الواقع ليس مجرد فجوة بين رقمين على لوحة صرف، هو كشف عن مفهوم مغلوط للسياسة النقدية يُقدّم الثبات الظاهري على حساب الصحة الفعلية للاقتصاد، ومصرف مركزي لا يبيع العملة التي يُسعّرها ليس بنكاً مركزياً بالمعنى الوظيفي، هو وحدة إدارية تُصدر نشرات يومية لم تعد تحمل وزناً في القرارات الاقتصادية الفعلية، والإنجازات الدبلوماسية مع الاحتياطي الفيدرالي والبنك الكندي حقيقية، وهي خطوات في الاتجاه الصحيح، ولكن بين فتح حساب في نيويورك وتوفير دولار في يد تاجر سوري، مسافة طويلة، والمدار الحقيقي للثقة النقدية يُقاس في تلك المسافة لا في البيانات الرسمية.










