دخلت السوق العقارية في سوريا مرحلة جديدة من التدقيق والرقابة بعد الدعوة العلنية التي أطلقها رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع باسل السويدان، مطالباً أصحاب المكاتب العقارية في البلاد بالإبلاغ عن أي عمليات بيع أو نقل ملكية تبدو مشبوهة أو غير متناسبة مع الأسعار السائدة في السوق. هذه الدعوة التي جاءت بالتنسيق مع وزارات الداخلية والإدارة المحلية والاقتصاد، بدت بالنسبة لكثير من المراقبين خطوة غير مسبوقة في مسار ملاحقة الثروات المرتبطة برموز النظام السابق وأعوانه، في محاولة لقطع الطريق أمام تصفية الممتلكات وتهريب الأموال قبل أن تصل إليها التحقيقات القضائية.
وتشير أوساط قانونية واقتصادية إلى أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مواجهة معقدة مع ما يسميه الخبراء بـ”عقارات الظل”، وهي الممتلكات التي جرى تسجيلها خلال السنوات الماضية بأسماء وسطاء أو شركاء صوريين بهدف إخفاء المالك الحقيقي لها. فالعقار، بخلاف الأموال السائلة أو التحويلات المصرفية، يترك أثراً واضحاً في السجلات الرسمية، ما يجعله في نظر الجهات الرقابية مدخلاً محتملاً لكشف الثروات غير المشروعة. ومع ذلك، يطرح هذا التحرك أسئلة عديدة حول قدرة الدولة على تطبيق هذه الآلية في سوق توصف منذ سنوات بأنها من أقل القطاعات الاقتصادية شفافية، وحول مدى استعداد القطاع العقاري الخاص للانخراط في هذه المعركة الحساسة.
حتى الآن، لا توجد أرقام رسمية دقيقة عن حجم الأموال أو العقارات التي يشتبه في ارتباطها بالكسب غير المشروع، لكن مصادر مطلعة تؤكد أن الملف ضخم ومعقد. فقد تأسست لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط النظام، ومنحت صلاحيات واسعة تشمل التحقيق في الذمم المالية للمسؤولين السابقين وشبكاتهم الاقتصادية، إضافة إلى متابعة البيوع العقارية المشبوهة وإحالة الملفات إلى القضاء عند اكتمال الأدلة.
خطة متكاملة
وفي هذا السياق، قال مصدر في اللجنة فضل عدم ذكر اسمه في تصريح لـ”963+”: “الدعوة التي أطلقناها هي جزء من خطة متكاملة، ونحن لا نطلب من أصحاب المكاتب العقارية أن يقوموا بدور المحققين، بل أن يمتلكوا الحساسية القانونية التي تمكنهم من التمييز بين الصفقة الطبيعية والصفقة التي قد تحمل مؤشرات على وجود خلل أو شبهة”.
ويضيف المصدر أن بعض العلامات قد تكون كافية لإثارة الشكوك الأولية، مثل عرض عقار في منطقة حيوية بسعر منخفض بشكل واضح مقارنة بالقيمة السوقية، أو إصرار البائع على إتمام الصفقة بسرعة غير مبررة، أو طلب الدفع نقداً بالكامل دون المرور بالإجراءات المعتادة. ويقول: “لدينا معلومات أولية عن عقارات يعتقد أنها تعود لأشخاص مقربين من رموز النظام السابق، وبعض هذه العقارات بدأ يظهر في السوق بأسعار تقل أحياناً بين 30 و40 في المئة عن قيمتها الحقيقية، وهو ما قد يشير إلى محاولة تصفية سريعة للأصول وتحويلها إلى سيولة نقدية يسهل نقلها أو إخفاؤها”.
ويرى المصدر أن التركيز على القطاع العقاري في هذه المرحلة ليس مصادفة، بل نتيجة إدراك متزايد بأن العقار كان خلال السنوات الماضية “الخزنة المفضلة” لكثير من أصحاب النفوذ ورجال الأعمال المرتبطين بالسلطة. فالمال النقدي يمكن تحويله إلكترونياً أو إخفاؤه عبر شبكات مالية معقدة، لكن العقار يظل مرتبطاً بسجلات رسمية وموقع جغرافي محدد، وهو ما يجعله أكثر قابلية للتعقب. ويضيف: “حين يبيع شخص عقاراً بسعر منخفض بشكل غير منطقي، فهو في الواقع يرسل إشارة غير مباشرة إلى أنه يحتاج إلى السيولة بسرعة، حتى لو خسر جزءاً كبيراً من القيمة. وهذا النوع من السلوك هو ما نحاول رصده”.
ورغم غياب البيانات الرسمية، تشير تقديرات دولية إلى أن حجم الأموال المرتبطة بشبكات الفساد في سوريا قد يكون ضخماً للغاية. فوفقاً لتقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية عام 2023، يُعتقد أن ما بين 40 و60 مليار دولار قد تم تهريبها عبر شبكات مرتبطة بالنظام السابق. أما معهد الشرق الأوسط فيقدّر أن إجمالي الأضرار الاقتصادية والأصول المنهوبة المرتبطة بسنوات الحرب قد يصل إلى نحو 200 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، فرضت الأمم المتحدة عقوبات على 17 شخصاً و19 كياناً مع تجميد أصولهم في الخارج، بينما تشير مراصد سورية محلية إلى وجود ما يقارب ثلاثة آلاف عقار في دمشق وحدها مرتبط بنزاعات ملكية أو شبهات فساد.
تأتي هذه التقديرات في سياق سوق عقارية تعد واحدة من أكبر مخازن الثروة في البلاد. فبحسب تقديرات غير رسمية، يحتفظ السوريون بأكثر من 60 في المئة من ثرواتهم في شكل عقارات أو أراضٍ، وهو ما يجعل هذا القطاع محورياً في أي محاولة لتعقب الأموال غير المشروعة.
وتشير بيانات غير رسمية من اتحادات مهنية ومكاتب عقارية إلى وجود نحو 20 ألف مكتب عقاري في البلاد، فيما كان يتم تسجيل ما بين 70 و120 ألف عملية بيع سنوياً في الظروف الطبيعية قبل الحرب. لكن الصراع الذي بدأ عام 2011 أدى إلى تراجع حركة البيع بنحو 40 في المئة، في حين بقي العقار بالنسبة للكثيرين الوسيلة الأكثر أماناً لحفظ القيمة في ظل التضخم الحاد وتقلبات سعر الصرف.
ملاذ الأموال غير المعلنة
وفي هذا السياق، يقول مصدر يعمل في قطاع العقارات بدمشق في تصريح لـ”963+”: “العقار في سوريا كان دائماً الملاذ الآمن للأموال غير المعلنة، وخلال الحرب لجأ كثير من المتنفذين إلى شراء الأراضي والعقارات بأسماء مختلفة”. ويضيف أن السوق شهدت في الأشهر الأخيرة عروض بيع بأسعار منخفضة بشكل غير معتاد، إذ تقل في بعض الحالات بين 25 و40 في المئة عن السعر الحقيقي. ويؤكد أن هذه الظاهرة قد تعكس محاولة بعض المالكين تصفية ممتلكاتهم بسرعة قبل أن تصل إليها التحقيقات.
الخبير الاقتصادي الدكتور حسان مراد يرى أن العقار لعب دوراً محورياً في اقتصاد الظل السوري خلال السنوات الماضية. ويقول في تصريح لـ”963+”: “العقار كان الوسيلة الأكثر أماناً لتخزين الثروة، خصوصاً في ظل التضخم وتقلبات سعر الصرف، ولذلك تحولت نسبة كبيرة من الأموال التي تراكمت خلال سنوات الحرب إلى أصول ثابتة مثل الأراضي والمباني”. ويضيف أن فتح ملف العقارات المشبوهة لا يتعلق فقط بمكافحة الفساد، بل قد يكون خطوة مهمة في إعادة تنظيم الاقتصاد السوري.
لكن مراد يحذر من أن هذه العملية قد تترك تأثيرات مؤقتة على السوق. فمن جهة، قد يؤدي الخوف من التحقيقات إلى زيادة المعروض إذا سارع بعض المالكين إلى بيع عقاراتهم قبل فتح الملفات القانونية. ومن جهة أخرى، قد يدفع القلق المستثمرين إلى التردد في الدخول في صفقات جديدة، ما قد يؤدي إلى ركود مؤقت في حركة البيع والشراء. ويرى أن النتيجة النهائية ستعتمد إلى حد كبير على مدى قدرة الدولة على بناء نظام رقابي واضح وشفاف يضمن العدالة ويمنع التلاعب.
على المستوى القانوني، تثير الدعوة التي أطلقها رئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أسئلة حول مسؤولية أصحاب المكاتب العقارية.
فقد أشار باسل السويدان في بيانه إلى أن الإبلاغ عن أي حالات اشتباه “يعتبر عاملاً مهماً في تفادي أي مسؤولية قانونية قد تنشأ لاحقاً”. وتشمل الحالات التي قد تستدعي الإبلاغ بيع العقارات بأسعار منخفضة بشكل غير متناسب مع القيمة السوقية، أو الاشتباه في أن المالك الحقيقي مرتبط برموز النظام السابق، أو وجود محاولات لإخفاء الملكية عبر تسجيل العقار بأسماء أشخاص آخرين.
إشراك القطاع الخاص
الخبيرة القانونية سارة الحسين ترى أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في آليات عمل اللجنة، إذ كانت تعتمد في السابق بشكل أساسي على المعلومات الواردة من الجهات الرقابية أو البلاغات الفردية.
وتقول في تصريح لـ”963+”: “إشراك القطاع العقاري الخاص يجعل عملية الرصد أكثر شمولية وسرعة، لأن المكاتب العقارية هي الحلقة الأولى التي تمر عبرها معظم عمليات البيع”. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى وجود تحديات كبيرة، من بينها نقص الخبرة الفنية لدى العاملين في المكاتب العقارية في اكتشاف عمليات غسل الأموال، إضافة إلى الحاجة إلى آليات واضحة لحماية المبلغين ومنع إساءة استخدام البلاغات.
وتوضح الحسين أن المشكلة لا تقتصر على العقارات نفسها، بل تمتد إلى تعقيد شبكات التملك التي تطورت خلال السنوات الماضية. فالشخص الواحد قد يمتلك عدداً كبيراً من العقارات المسجلة بأسماء زوجته أو أبنائه أو أقاربه أو حتى موظفين يعملون لديه.
وتقول: “فك هذه الشبكات يتطلب عملاً تحقيقياً معقداً ونظاماً معلوماتياً متكاملاً، لأن الملكيات قد تكون موزعة على عدة أسماء وعناوين مختلفة”. وتشير إلى أن دولاً مثل جورجيا وأرمينيا نجحت في رقمنة سجلاتها العقارية بالكامل وربطها بأنظمة مكافحة غسل الأموال، وهو نموذج قد يكون مفيداً لسوريا في هذه المرحلة.
من جانبه، يوضح المحامي كابي شمعون أن هناك عدة طرق استخدمت في السنوات الماضية لإخفاء الملكيات العقارية المرتبطة بأموال غير مشروعة.
ويقول في تصريح لـ”963+”: “الطريقة الأكثر شيوعاً كانت تسجيل العقارات بأسماء أقارب أو شركاء صوريين أو موظفين، بحيث يظهر شخص عادي كمالك رسمي للعقار”. كما استخدمت الوكالات العامة لإبقاء المالك الحقيقي مجهولاً، إضافة إلى البيع الصوري الذي يتم فيه نقل الملكية شكلياً إلى شخص موثوق مع بقاء السيطرة الفعلية للمالك الأصلي. ويضيف أن بعض الحالات تضمنت أيضاً بيع العقار بسعر منخفض لتسريع عملية النقل دون إثارة الانتباه.
لكن إثبات الملكية الحقيقية في مثل هذه الحالات ليس أمراً بسيطاً. فالكثير من عمليات نقل الملكية تمت قبل سنوات طويلة، وقد تكون قانونية من الناحية الشكلية حتى لو كانت مرتبطة بأموال غير مشروعة. لذلك يرى شمعون أن التحقيقات تحتاج إلى تتبع مالي دقيق يربط بين مصادر الأموال المستخدمة في شراء العقار وبين حركة التحويلات المالية في تلك الفترة.
في الميدان، يعيش الوسطاء العقاريون حالة من التردد بين التعاون مع السلطات والخوف من الوقوع في مشكلات قانونية أو فقدان الزبائن. ففي مكتب عقاري صغير في حي المزة بدمشق، يقول أبو كمال، الذي يعمل في هذا المجال منذ أكثر من عشرين عاماً، إن السوق شهدت في الأشهر الأخيرة ظواهر غير مألوفة.
ويضيف: “بعد سقوط النظام، جاءني خلال أسابيع قليلة ثلاثة عروض لبيع عقارات في مناطق راقية بأسعار أقل من نصف قيمتها الحقيقية، وكان البائعون في عجلة شديدة ويريدون الدفع نقداً وإنهاء الصفقة بسرعة”. ويرى أن مثل هذه الحالات قد تكون مرتبطة بمحاولات تصفية الأصول بسرعة.
في المقابل، يروي أبو محمود، صاحب مكتب عقاري في حي الميدان، تجربة مختلفة. إذ يقول إنه تلقى عرضاً لبيع شقتين وأرض عبر وكالات بأسماء أشخاص لا يعرفهم. وعندما سأل عن سبب البيع السريع، قيل له إن المالك يستعد للسفر. ويضيف: “شعرت أن هناك شيئاً غير طبيعي، فاتصلت باللجنة وقدمت لهم المعلومات”. وبعد أيام تلقى اتصالاً يشكره على التعاون، دون أن يتم إبلاغه بتفاصيل إضافية حول سير التحقيق.
لكن الصورة تبدو أكثر تعقيداً في مدن مثل حلب، حيث تداخلت قضايا الفساد مع آثار الحرب. فالكثير من العقارات دمرت أو تعرضت للغصب خلال سنوات الصراع، ثم أعيد تسجيلها بأسماء مختلفة. ويقول أبو نضال، وهو صاحب مكتب عقاري في المدينة: “أحياناً لا نعرف إن كان البائع يبيع ملكه الشرعي أم ملكاً استولى عليه خلال الحرب”. ويرى أن معالجة هذه المشكلة تتطلب أولاً بناء قاعدة بيانات عقارية نظيفة ومحدثة يمكن الاعتماد عليها.
على مستوى المواطنين، تثير الحملة أيضاً مخاوف وأسئلة. فبعض السوريين اضطروا خلال الحرب إلى بيع منازلهم بأسعار منخفضة جداً بسبب التهجير أو الحاجة إلى المال. ويقول أبو محمود، وهو مواطن من حمص: “بعت بيتي عام 2017 بثلث ثمنه لأنني كنت أهرب مع أولادي، فهل يعني هذا أنني قد أواجه مشاكل الآن؟”.
في المقابل، تعتقد رشا الجنيد، وهي موظفة حكومية، أن السوق دخلت مرحلة من التردد. وتقول: “الكثير من المشترين يخافون الدخول في صفقات قد تخضع للتحقيق لاحقاً، وهذا جعل السوق شبه مجمدة”.
ورغم هذه المخاوف، يرى البعض أن الحملة قد تحمل جانباً إيجابياً إذا أدت إلى زيادة المعروض من العقارات في السوق وخفض الأسعار. لكن النتيجة النهائية ستعتمد على كيفية إدارة هذه العملية، وعلى قدرة الدولة على تحقيق توازن بين ملاحقة الفساد وحماية المواطنين الذين يتعاملون بحسن نية.
في النهاية، يعتقد المحامي رياض السالم أن نجاح هذه الحملة يتطلب أكثر من مجرد دعوة للتبليغ. ويقول في تصريح لـ”963+”: “نحتاج إلى رقمنة السجل العقاري بالكامل، وربط بيانات الملكية بالبيانات المصرفية والضريبية، إضافة إلى إصدار تشريعات واضحة لمصادرة الأموال غير المشروعة”.
ويرى أن تدريب العاملين في القطاع العقاري وتوفير قنوات اتصال آمنة مع الجهات الرقابية سيكونان عنصرين حاسمين في نجاح هذه الجهود.
ويختم السالم بالقول إن العقار في سوريا لم يكن مجرد ملكية فردية، بل تحول خلال سنوات الحرب إلى خزنة ضخمة تراكمت فيها أموال النفوذ والفساد. ومع فتح هذا الملف اليوم، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع الدولة تفكيك شبكات الملكيات المخفية التي تراكمت خلال سنوات طويلة، أم أن “عقارات الظل” ستظل جزءاً من الاقتصاد غير المرئي؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط مصير مليارات الدولارات، بل أيضاً مستقبل السوق العقارية السورية في السنوات القادمة.










