في ظل تشابك غير مسبوق بين الداخل السوري ومسارات التأثير الخارجي، يبرز اتفاق 10 آذار/ مارس بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية الانتقالية بوصفه اختباراً جديداً لحدود القرار المحلي في سوريا أكثر مما هو خطوة حاسمة نحو تسوية داخلية. فالتفاهم، وفق قراءات الباحثين والمختصين، لا يعكس إرادة سياسية سورية مستقلة بقدر ما يأتي ثمرة لتوازنات فرضتها سنوات الصراع وبيئة النفوذ الإقليمي والدولي، حيث ما تزال الولايات المتحدة وروسيا وتركيا تمسك بالخطوط الحمراء لمسارات الحل والتعطيل معاً.
وبينما يُقدَّم الاتفاق كاستجابة لحاجات أمنية وإدارية ملحّة، يذهب محللون إلى اعتباره جزءاً من “سياسة الممكن”، تهدف إلى إدارة واقع منقسم ومنع الانفجار، لا إلى معالجة جذور الأزمة أو حسم شكل الدولة ونظام الحكم.
وفي هذا السياق، تبدو التفاهمات محكومة بسقف مصالح الخارج، وبهامش مناورة ضيّق للأطراف السورية، ما يطرح تساؤلاً مركزياً حول ما إذا كان الاتفاق مقدّمة لمسار وطني أوسع، أم مجرّد ترتيبات مرحلية مؤقتة تُدار ضمن توازنات لا يملك الداخل وحده مفاتيحها.
قرار محلي أم تفاهم بضمانات خارجية؟
تثير التفاهمات الموقعة بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية الانتقالية، وفي مقدمتها اتفاق 10 آذار/ مارس، تساؤلات عميقة حول مدى استقلال القرار المحلي السوري، في ظل واقع سياسي تشكّل أساساً تحت تأثير التدخلات الإقليمية والدولية. فبينما يقدّم الطرفان هذه التفاهمات على أنها استجابة لحاجات داخلية تتعلق بالإدارة المحلية، والأمن، ومستقبل المؤسسات، يرى باحثون أن هذا المسار يصطدم بواقع أن القرار السوري لم يكن، في أي مرحلة من مراحل الصراع، نتاجاً لإرادة وطنية خالصة، بل حصيلة توازنات خارجية متشابكة.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية طارق عجيب في تصريحات لـ”963+” أن التفاهمات بين “قسد” والحكومة السورية الانتقالية، كما غيرها من التفاهمات الداخلية، تخضع لتأثير “حاسم ومقرر” من قبل التدخلات الخارجية، سواء كانت إقليمية أو دولية، معتبراً أن هذه التدخلات هي العامل الأبرز في تحديد مسار أي اتفاق داخل سوريا.
ويتقاطع هذا الطرح مع قراءة الدكتور في العلوم الديبلوماسية واستراتيجية الدفاع حسان نصر فرج، الذي يرى في تصريحات لـ”963+” أن القرار السوري الداخلي يظل محكوماً ببيئة نفوذ خارجية تجعل من هذه التفاهمات أقرب إلى إدارة واقع قائم، لا إلى حل جذري للأزمة.
ويشير عجيب إلى أن المشهد السوري الراهن “صُنع في الأساس على قاعدة التدخلات الخارجية”، ولم يكن نتاج صناعة سورية خالصة، لافتاً إلى أن المشاركة السورية غالباً ما كانت شكلية، ومحصورة في أشخاص أو أطراف، لا في صناعة فعلية للقرار أو رسم ملامح الواقع السياسي والعسكري.
ويضيف أن تعدد المؤثرات الخارجية المتصارعة يجعل من شبه المستحيل الحديث عن قرار محلي مستقل، إذ يجري في النهاية “تفصيل” القرار وفق توازنات الخارج، حتى وإن صدر بصيغته النهائية عن جهات سورية رسمية أو محلية.
غطاء عسكري ورعاية سياسية
من جهته، يقدّم فرج تفصيلاً أوضح لطبيعة هذه المؤثرات، موضحاً أن الولايات المتحدة تبقى الفاعل الأبرز في مناطق سيطرة “قسد” عبر الغطاء العسكري والرعاية السياسية، ما يجعل أي اتفاق مشروطاً بأولويات واشنطن، وعلى رأسها منع انهيار “قسد” وضمان استمرار الشراكة في محاربة تنظيم “داعش”.
وفي المقابل، تسعى روسيا إلى إعادة ربط شرق سوريا بالمركز، ولكن بشروط تحفظ نفوذها، بينما تشكّل تركيا، بحسب فرج، عامل كبح أساسي لأي تسوية تمنح “قسد” شرعية سياسية أو وضعاً مستقراً طويل الأمد.
ويجمع الباحثان على أن هذه التقاطعات هي التي ترسم الخطوط الحمراء الحاكمة لأي تفاهم. فوفق عجيب، لا تضع الأطراف السورية هذه الخطوط بقدر ما يضعها “المستفيدون الحقيقيون وصانعو التفاهمات”، أي القوى الخارجية التي تتعامل مع أي اتفاق سوري وفق مصالحها واستراتيجياتها الخاصة، وليس وفق تطلعات الداخل السوري. ويضيف أن الصراع الدولي على النفوذ وتقاسم المكاسب هو العامل الأساسي في تحديد سقوف التقدم أو الانتقال إلى مراحل أكثر تقدماً.
ويذهب فرج إلى النتيجة ذاتها، مشيراً إلى أن الخطوط الحمراء ناتجة عن تقاطعات المصالح الدولية والإقليمية؛ إذ ترفض واشنطن انهيار “قسد” أو تعزيز نفوذ خصومها، وتعارض تركيا أي اعتراف سياسي بها، فيما ترفض الحكومة السورية الانتقالية اللامركزية السياسية العميقة، وتقبل فقط بتفاهمات أمنية وإدارية مؤقتة.
وتؤدي هذه القيود، وفق فرج، إلى حصر هامش المناورة المتاح أمام الطرفين بترتيبات مرحلية في الجوانب الأمنية والخدمية، دون القدرة على الانتقال إلى حلول بنيوية طويلة الأمد.
ويرى عجيب أن أي محاولة للانتقال من حالة الجمود والاستعصاء الحالية إلى انفراجات حقيقية تبقى مرهونة بمدى انعكاس هذا التقدم على مصالح الأطراف الخارجية التي أسهمت في صياغة التفاهمات. فإذا لم يخدم هذا التقدم تلك المصالح، فإن هذه القوى ستسارع، بحسب تعبيره، إلى وضع خطوط حمراء تعرقل التنفيذ، وهو ما يفسّر التعثر المتكرر في الانتقال من الاتفاقات المعلنة إلى التطبيق العملي.
وفيما يشدد عجيب على أن استمرار هيمنة الخارج على صناعة القرار يشكّل أحد أخطر التحديات أمام مستقبل سوريا، محذراً من بقاء البلاد رهينة لمعادلات لا تمت بصلة لتطلعات شعبها، يخلص فرج إلى أن التفاهمات الحالية تعكس بوضوح “سياسة الممكن لا سياسة الحل”، وتهدف إلى إدارة التناقضات وتأجيل الصدام أكثر من حسمه.
وبين هذين الطرحين، يتبدّى أن الداخل السوري، وإن ظل فاعلاً ضمن ميزان القوى القائم، لا يمتلك حتى الآن الكلمة الفصل في تقرير مسار هذه التفاهمات أو مآلاتها النهائية.










