بروكسل
ليست سيليا فلوريس، المولودة عام 1956، شخصيةً عاديةً في الهيكل السياسي الفنزويلي، ولا هي مجرد زوجة للرئيس نيكولاس مادورو، إنما هي “ثقيلة الوزن سياسيّاً”، ومناضلة في صفوف “التشافيزية” منذ بداياتها، حتى أطلق عليها زوجها لقب “المقاتلة الأولى” (Primera Combatiente) بدلاً من “السيدة الأولى”، وهو لقب أيديولوجي يعكس دورها الناشط في الصراع السياسي والتشريعي في البلاد.
وبدأت فلوريس مسيرتها السياسية ناشطةً موالية لهوغو تشافيز، وصارت المحامية الرئيسية في فريق الدفاع عنه بعد محاولته الانقلابية الفاشلة عام 1992، ويُعزى إليها الفضل في بناء الاستراتيجية القانونية التي أدت إلى إطلاق سراحه عام 1994، ما مهّد الطريق لعودته السياسية وفوزه بالرئاسة لاحقاً.
ومع وصول “الثورة البوليفارية” إلى السلطة، تدرجت فلوريس في مناصب سيادية منحتها سيطرة شبه مطلقة على مفاصل الدولة التشريعية والقضائية.
وكانت فلوريس رئيسة الجمعية الوطنية (2006–2011)، كأول امرأة تتولى هذا المنصب، إذ خلفت زوجها الحالي مادورو فيه، في عملية تدوير للمناصب تعكس “الرئاسة المزدوجة” التي انتهجها الزوجان.
كما تولت منصب المدعية العامة للجمهورية (2012–2013)، فسيطرت على جهاز الادعاء العام في لحظة انتقال السلطة من تشافيز إلى مادورو، ما ضمن حماية النظام من أي تحقيقات في قضايا الفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان.
وتقلدت عضوية الجمعية التأسيسية الوطنية، وأدت دوراً قيادياً في تشكيل هذه الجمعية التي استُخدمت لسحب الصلاحيات من البرلمان المنتخب الذي سيطرت عليه المعارضة، ما أدى إلى تثبيت “ديكتاتورية قضائية” تحت ستار الدستور.
وتُعد قضية “أبناء الإخوة” واحدةً من أهم الدوافع التي جعلت فلوريس هدفاً مباشراً لأجهزة الأمن الأميركية، ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2015، أُلقي القبض على إيفرين كامبو فلوريس وفرانكي فلوريس دي فريتاس، وهما ابنا إخوة سيليا فلوريس اللذان ربّتهما في منزلها، وذلك خلال عملية معقدة لإدارة مكافحة المخدرات الأميركية.
وأظهرت المحاكمة التي جرت في مدينة نيويورك الأميركية تفاصيل لافتة حول كيفية استخدام العائلة الحاكمة موارد الدولة في عمليات التهريب، إذ خطط الشابان لاستخدام “صالة كبار الشخصيات” (Hangar Presidential) في مطار مايكيتيا الدولي لإرسال 800 كيلوغرام من الكوكايين إلى هندوراس، ومنها إلى الولايات المتحدة.
اقرأ أيضاً: ترامب يعلن اعتقال رئيس فنزويلا وترحيله خارج البلاد
وكشفت التسجيلات التي قدمتها النيابة الأميركية أن المتهمين كانا واثقين من أن “علاقتهما بالعائلة الرئاسية ستفتح لهما الأبواب المغلقة”.
وعلى الرغم من صدور حكم بسجنهما 18 عاماً، فإن إدارة جو بايدن أطلقت سراحهما في أكتوبر/تشرين الأول 2022 ضمن صفقة تبادل أسرى مع سبعة أميركيين كانوا معتقلين في كاراكاس.
وتشير تقارير وزارة الخزانة الأميركية عام 2025 إلى أن الرجلين عادا لممارسة أنشطة التهريب فور وصولهما إلى فنزويلا.
وكانت فلوريس “القوة الحقيقية خلف العرش” في ما يتعلق بالمنظومة القضائية الفنزويلية، ووصفتها تقارير استخبارية بأنها المستشار الأول لمادورو في مختلف الشؤون القانونية والسياسية، وأن أي قرار يصدر عن المحكمة العليا يجب أن يحظى بموافقتها المسبقة.
ولا يعني اعتقال فلوريس غياب “السيدة الأولى” في فنزويلا فحسب، بل يعني تفكيك “العقل القانوني” الذي كان يمنح النظام صبغة الشرعية المؤسساتية.
وبحسب التقارير الأميركية، فإن فلوريس تمتلك مفاتيح الوصول إلى الأصول المالية المنهوبة والمخفية في حسابات خارجية في روسيا والصين وتركيا.
كما أن غيابها عن المشهد، مقترناً باعتقال مادورو، يفتح الباب أمام انهيار شبكات غسيل الأموال، نظراً لكونها المشرفة على الحسابات العائلية والدولية، إضافة إلى تفكك الولاء القضائي، حيث سيفقد القضاة الموالون “المظلة” التي كانت تحميهم وتملي عليهم قراراتهم.
ويمثل اعتقالها تحول جيوسياسي يتمثل في إنهاء النفوذ الذي كانت تديره فلوريس ومادورو بالتحالف مع قوى مناهضة لواشنطن، إذ تقول دوائر القرار الأميركية إن كل ذلك قد يمهد الطريق لعملية انتقالية تقودها المعارضة الفنزويلية تحت إشراف دولي.










