دمشق
قال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، إن سوريا تمر اليوم بمرحلة شديدة التعقيد نتيجة تراكمات تاريخية ثقيلة، تفاقمت بشكل خاص خلال السنوات الأربع عشرة الماضية، مشيراً إلى أن البلاد تعرضت لحرب واسعة النطاق خلّفت أزمات عميقة على مختلف المستويات.
وجاء حديث الشرع خلال لقاء سابق مع وجهاء وممثلين عن المجتمع المحلي في محافظتي اللاذقية وطرطوس بقصر الشعب بالعاصمة السورية دمشق ونشرت مقتطفات منها وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) اليوم الثلاثاء.
وأوضح الشرع أن حجم المشكلات القائمة يفوق بكثير ما تم تجاوزه حتى الآن، لافتاً إلى أن نصف الشعب السوري بات خارج البلاد، فيما يعيش جزء كبير من الداخل في ظروف إنسانية صعبة، سواء في المخيمات أو في مناطق مدمرة تعرضت قراها وبناها التحتية للخراب، إضافة إلى التراجع الكبير في المستوى الاقتصادي، وانهيار مستوى الإنتاج، وتضرر القطاع الخدمي بشكل واسع.
وأكد الرئيس الانتقالي أن سوريا تعيش حقبة تراكمية ورثها السوريون جميعا، مشدداً على أهمية التعامل مع هذه التحديات بروح مسؤولة، والانطلاق نحو معالجة القضايا الكبرى والكلية في سوريا.
وأشار الشرع إلى أن سوريا تقف اليوم على مفترق تاريخي بالغ الأهمية، معتبراً أن الحدث الذي شهدته البلاد خلال السنة الماضية لم يكن حدثاً طبيعياً، إذ لم يقتصر تأثيره على الداخل السوري أو الإقليم فحسب، بل امتد إلى أطراف العالم.
ولفت إلى أن ما أنجزته سوريا خلال العام الماضي على صعيد معالجة العقد والمشكلات الإرثية القديمة كان كبيراً ومعقداً، وشمل ملفات أساسية وعلى رأسها ملف العقوبات.
وأوضح، أن الحديث عن رفع العقوبات عن سوريا يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه ينطوي على تفاصيل عميقة، مؤكداً أنه لا توجد دولة في العالم قادرة على العيش في عزلة عن محيطها الإقليمي والدولي، وأن سياسة العزلة التي كانت قائمة أدت إلى محاصرة سوريا لنفسها.
ورأى أن البلاد دخلت اليوم مرحلة إعادة بناء الدولة من جديد، بالاستفادة من الإرث الإيجابي السابق، مع الإقرار بأن الماضي لم يكن كله خاطئاً، وأن البناء الجديد له خصائصه وفلسفته الخاصة، وفي مقدمتها مشاركة الشعب في عملية البناء.
وشدد الرئيس الانتقالي على أن مشاركة الشعب تتطلب استقراراً، والاستقرار بدوره يفرض تجاوز المشكلات التاريخية التي لم يكن للسوريين ذنب مباشر في كثير منها، مؤكداً وجود مصالح مشتركة كبيرة تجمع السوريين، وأن الأولوية اليوم هي استثمار اللحظة والفرصة التاريخية للانتقال من حقبة إلى أخرى، نحو الاستقرار والتطور.
وبيّن الشرع أن هذه الفرصة متاحة اليوم، وتقع مسؤولية استثمارها على جميع السوريين، ولا سيما الفاعلين في الساحة العامة، باعتبارهم النموذج الأمثل لتجاوز الخطاب الطائفي والمرحلة الطائفية، والتخلص من هواجس الخوف المتبادل.
اقرأ أيضاً: من موسكو إلى واشنطن؟ تحوّل استراتيجي أم مناورة سياسية بعد زيارة الشرع
وأردف أن السياسة السورية الحالية تقوم على مهمتين أساسيتين، هما تحقيق الاستقرار الداخلي، ولا سيما الأمني، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، مؤكداً أن الدولة تبذل كامل طاقتها للعمل في هذين المسارين.
وأكد، أن الحكومة لا تحمل عقلية الثأر أو النقمة، ولا تتبنى موقفاً عدائياً مبدئياً تجاه أي طائفة أو مكون، مشيراً إلى أن محافظتي اللاذقية وطرطوس تشكلان بيئة مناسبة جداً للاستثمار، وقد جرى تسويقها على نطاق واسع ضمن رؤية تقوم على الربط الإقليمي.
وفي هذا السياق، أشار إلى تسريع ملف استثمارات الموانئ، واختيار شركات ذات حضور عالمي، بهدف تحويل سوريا مستقبلاً إلى محطة أساسية للربط التجاري بين الشرق والغرب.
وقال الشرع إنه ناقش هذه الرؤية مع دول أوروبية وآسيوية، إضافة إلى الولايات المتحدة ودول إقليمية، مؤكداً أن هناك تشجيعاً دولياً واسعاً لهذه الفكرة، وأن بوابة هذا المشروع الاستراتيجي تتمركز في الساحل السوري، الذي يحظى باهتمام كبير وإقبال متزايد، ولا يشكل هامشاً جغرافياً أو سياسياً في الخريطة السورية.
وأضاف أن الحكومة عملت خلال السنة الماضية على تعديل العديد من القوانين والإجراءات المتعلقة بتسويق الحالة السورية، معرباً عن اعتقاده بأن عام 2026 سيكون بداية لظهور الإنجازات على أرض الواقع.
وأشار إلى أن من أكبر المستفيدين من هذه التحولات ستكون مدن حلب والساحل ودمشق، موضحاً أن ذلك سينعكس على إحياء القطاع الزراعي، بعد فتح أسواق دولية وعالمية جديدة، ما سيسمح بدخول شركات للاستثمار في الزراعة الحديثة.
وتابع الشرع أن هذه التطورات ستشمل أيضاً القطاع الصناعي وجودة الإنتاج المحلي، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على ملف البطالة، مشيراً إلى أن الاعتماد على القطاع الخاص والاستثمارات سيكون أولوية في المرحلة المقبلة.
واعتبر أن هناك فرصة ضخمة في الساحل السوري، مع توقعات بعملية إنعاش واسعة تشمل القطاعات السياحية والخدمية والصناعية والزراعية، مؤكداً أن جميع هذه القطاعات مؤهلة للنهوض.
وشدد الرئيس السوري الانتقالي على ضرورة فتح صفحة جديدة بين السوريين، والتعرف إلى بعضهم بشكل أفضل، واعتماد القانون كمرجعية أساسية للفصل في الخلافات ومعالجة المشكلات.
ولفت إلى أن مسار العدالة الانتقالية مستمر، وإن لم يلبِّ طموحات بعض الأطراف، مؤكداً أن العدالة الانتقالية مسار وثقافة تحتاج إلى سنوات لاستكمالها، وتخضع لقوانين محلية ودولية.
وأكد، الشرع أن المرجعية في سوريا ستبقى القانون، باعتبار أن سوريا دولة مواطنة ودولة قانون، وليست دولة طوائف، داعياً إلى تجاوز التفكير الطائفي ومعالجة المشكلات ضمن إطار قانوني يضمن حقوق الجميع.










