يشكّل ملف النازحين داخلياً أحد أكثر الملفات تعقيداً في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد في نهاية 2024، إذ ما يزال نحو 7.4 مليون سوري، بحسب تقارير أممية، يعيشون نزوحاً قسرياً داخل البلاد، بينهم أكثر من 2 مليون في المخيمات غالبيتهم من النساء والأطفال، في حين يتوزع قرابة 5 ملايين نازح حضري في المدن والبلدات بظروف معيشية صعبة.
ورغم انتهاء النزاع العسكري بشكل واسع، فإنّ العودة إلى المناطق الأصلية ما زالت بطيئة ومحدودة بفعل عوامل أمنية وإنسانية متشابكة، أبرزها غياب الضمانات الحقيقية لسلامة العائدين، واستمرار الانتهاكات والتغيير الديموغرافي، إلى جانب دمار البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية.
وبين جهود الحكومة الانتقالية لتشجيع العودة عبر العفو العام وإعادة التأهيل، وتحذيرات المنظمات والفاعلين المحليين من هشاشة البيئة الآمنة، يبقى النازحون في قلب معادلة شائكة تُختبر فيها جدّية الدولة وقدرتها على بناء استقرارٍ حقيقيٍ يعيد السوريين إلى بيوتهم.
ويتوزع النازحون الحضريون في ريف حلب بالدرجة الأولى بنسبة 20% من إجمالي عدد النازحين الحضريين، و19% في ريف دمشق، و15% في إدلب، و12% في دمشق، و9% في اللاذقية، والبقية في بقية المحافظات.
“بطيئة ومحدودة”
في هذا السياق، يصف نصر الدين إبراهيم، سكرتير الحزب الديموقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، لـ”963+” عودة النازحين السوريين إلى مناطقهم الأصلية — عفرين، وسري كانيه، وكري سبي، والغوطة، وحمص، ودير الزور، وسواها — “بطيئة ومحدودة”.
يشير إبراهيم إلى أن “العودة محفوفة بالخوف واللايقين نتيجة العوامل الأمنية الضاغطة، غياب الضمانات الحقيقية لسلامة العائدين، عمليات التغيير الديموغرافي، والقتل والسلب في عفرين وكري سبي وسري كانيه، إلى جانب الأحداث في الساحل والسويداء”، مضيفاً أن غياب الحل السياسي وعودة نشاط تنظيم “داعش” يزيدان القلق، فيما تتعامل الإدارة السورية الانتقالية بانتقائية وفق اعتبارات سياسية وديموغرافية دون خطط واضحة لإعادة الإعمار أو التعويض، مؤكداً أن عودة النازحين لا تتحقق إلا بضمانات أمنية حقيقية، وعدالة انتقالية، وتأمين الخدمات الأساسية وبرنامج وطني شامل يضمن كافة الحقوق.
بينما يعتقد الصحفي السوري براء عثمان في حديثه لـ”963+” أن عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية تبقى أولوية وطنية للحكومة السورية الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع.
ويشير عثمان إلى أنّ بعض العوامل الموضوعية واللوجستية لا تزال تؤخر وتيرة العودة، موضحاً أنّها تعكس حجم التحديات الميدانية والإدارية التي خلّفها النظام السابق.
ويلفت إلى أنّ أبرز هذه التحديات يتمثل في العامل الأمني، إذ لا شكّ أنّ الجانب الأمني يشكّل عنصراً حيوياً وحساساً.
ويؤكد عثمان أنّ الحكومة تعمل على إعادة تأهيل الكهرباء والمياه والمدارس والمراكز الصحية في المناطق الأكثر تضرراً، تمهيداً لعودة الأهالي على نطاق أوسع.
ويوضح الصحفي السوري أنّه منذ تسلّم الحكومة الانتقالية مهامها، تم اعتماد مقاربة مغايرة تماماً في التعامل مع ملف النزوح والعودة، وفق سياسة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث لا تميّز الدولة بين منطقة وأخرى، بل تنظر إلى جميع السوريين على أنهم شركاء في بناء الوطن الجديد.
ويضيف أنّ “هناك خطة وطنية متكاملة لعودة النازحين تتضمن ضمانات أمنية، ودعماً مالياً وخدمياً، إضافةً إلى إشراك المجتمع المحلي في إدارة شؤون العودة وإعادة الإعمار”.
ويلفت إلى أنّ هذه المقاربة الجديدة تعتمد على التنسيق المباشر مع الجهات الفاعلة محلياً، كالمجالس المحلية والإدارات المدنية المنتخبة حديثاً، والتي تلعب دوراً محورياً في تنظيم العودة بالتعاون مع الوزارات المعنية. ويوضح أنّ هذا النموذج اللامركزي يعزّز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويشدّد على أنّ جدّية الحكومة الجديدة تتجلى في القرارات التنفيذية التي صدرت مؤخراً، مثل العفو العام، وتسهيل استعادة الأملاك، وإطلاق برامج إعادة الإعمار السريع للمناطق الريفية.
“وعود لم تترجم”
من جانبه، يلفت بدران جيا كرد، نائب الرئاسة المشتركة للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا في تصريحات لـ”963+”، إلى أن قضية عودة السوريين إلى مناطقهم الأصلية لم تجد حتى الآن مخرجاً للحل. فهي قضية إنسانية ووطنية في آنٍ واحد.
يُوضح جيا كرد أن “غياب مقومات الحياة الأساسية وانهيار الأوضاع الاقتصادية وافتقار مناطق الحكومة الانتقالية إلى الاستقرار الأمني والسياسي يمثل الأسباب الرئيسية لعدم عودة النازحين”، مشيراً إلى أن “الوضع في عفرين وسري كانيه وتل أبيض أكثر تعقيداً بسبب الانتهاكات المستمرة من الفصائل المسلحة والمستوطنين، بما في ذلك فرض الفدية على أصحاب المنازل المستولى عليها، ورفض إعادة الأملاك، وفرض إجراءات أمنية ومالية على العائدين”.
ويؤكد أن الوعود الحكومية بعودة الأهالي لم تُترجم إلى خطوات عملية في ظل الفلتان الأمني والانتهاكات الممنهجة التي تستهدف هوية ووجود الشعب الكردي ضمن سياسة تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي، ما يجعل العودة الآمنة والكريمة شبه مستحيلة.
كما يلفت إلى أن الحكومة الانتقالية تفتقر إلى سياسات واضحة لإخراج الفصائل المسلحة وتتهرب من مسؤولياتها في إعادة عائلات المسلحين والنازحين إلى مناطقهم الأصلية، بل تعمل على توظيفهم في المؤسسات الإدارية والأمنية ضمن سياسة تُقصي السكان الأصليين عن إدارة مناطقهم.
ويشير إلى تنصل الحكومة من التنسيق مع الإدارة الذاتية بشأن تنظيم العودة وإدارة المناطق، مما يُعد من أبرز العوائق أمام الحل، موضحاً أن ملف أهالي دير الزور المقيمين في عفرين وخارجها يتطلب تطبيق العدالة الانتقالية بحق المتورطين، والسماح لغير المتورطين بالعودة كحالة مدنية طبيعية، إذ لا توجد عوائق تحول دون ذلك.
ويقول جيا كرد إن “الحكومة الانتقالية تفتقر إلى سياسات عاجلة وشاملة لعودة النازحين، حيث تنشغل بكسب الشرعية الدولية بدل إنهاء معاناتهم”، مؤكداً أن “غياب التسهيلات والضمانات الأمنية والإنسانية يجعل معاناتهم مستمرة”.
ويُعرَّف النازحون داخلياً، وفقاً لموقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، بأنهم: “الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار أو مغادرة منازلهم أو أماكن إقامتهم المعتادة نتيجةً — أو تفادياً — لآثار النزاع المسلح، أو حالات العنف المعمّم، أو انتهاكات حقوق الإنسان، أو الكوارث الطبيعية، أو الكوارث الناجمة عن الإنسان، ولم يعبروا حدود دولة معترف بها دولياً”.
فئات النازحين
إلى ذلك، يبيّن الباحث السوري مزيد الكريدي لـ”963+” أن مسألة عودة النازحين ترتبط بعوامل الدفع والجذب بين مناطق النزوح والمناطق الأصلية، مشدّداً على أنه لا يمكن النظر إلى النازحين بوصفهم كتلة واحدة متجانسة.
يشدّد الباحث السوري مزيد الكريدي على ضرورة تفكيك سردية النزوح وفهمها ضمن سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي معقّد، حيث تتقاطع العوامل الفردية والجماعية والظروف الموضوعية والذاتية لتشكّل مسار النزوح واستمراره.
ويُميّز الكريدي بين فئات النازحين: من غادروا لمواقف سياسية، ومن أجبرتهم الحرب والدمار على الرحيل، ومن نزحوا خوفاً من انعدام الأمن والعنف، مشيراً إلى أن تطلعاتهم تختلف بحسب العمر والجنس والفئة الاجتماعية، وتعكس توازناً بين ارتباطهم بمناطقهم الأصلية والحياة الجديدة في مناطق النزوح.
ويبيّن الكريدي أن طول أمد النزوح الذي تجاوز عقداً من الزمن يجعل العودة قراراً معقداً يمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية متشابكة.
كما يشير إلى الفوارق بين النازحين الحضريين، الذين يسعون للتكيّف مع بيئاتهم الجديدة، والمقيمين في المخيمات، الذين يعيشون أوضاعًا أكثر هشاشة، ما يجعل رغبتهم في العودة أشدّ رغم الدمار ونقص الخدمات وفرص العمل في مناطقهم الأصلية.
وعلى صعيد العوامل المانعة للعودة، يؤكد الكريدي أن العامل الأمني ما يزال من أبرز العوامل المؤثرة، نتيجة الفراغ الأمني وانتشار السلاح وغياب سلطة القانون، غير أنّه ليس العامل الوحيد. واستنتج أن دمار البنية التحتية، وفقدان الممتلكات، وغياب الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والمياه والكهرباء، تشكّل مع الأزمة الاقتصادية وندرة مصادر الدخل منظومة من الموانع البنيوية التي تحول دون العودة.
كما يشير إلى وجود عوائق نفسية واجتماعية تتمثل في ضعف الثقة، والخوف من عدم الاستقرار، وتراجع شبكات الحماية المجتمعية، ما يجعل إعادة الاندماج الاجتماعي أكثر تعقيداً.
يشدّد الكريدي على أن الحكومة السورية الانتقالية تبدو جادّة في ملف عودة النازحين واللاجئين، مؤكداً أن المسؤولين منحوا القضية أولوية خاصة وتعهدوا بتوفير بيئة آمنة، فيما تشير إحصاءات المفوضية إلى أن نحو 1.8 مليون نازح داخلي عادوا خلال العام الأول بعد سقوط النظام السابق.
لكنه يشير إلى أن هذه الرغبة لم تتحول إلى استراتيجية وطنية أو خطة شاملة بسبب هشاشة الاستقرار وضعف القدرة الاقتصادية وضغط الاستحقاقات الوطنية، مؤكداً أن عودة النازحين مرتبطة بالاعتبارات السياسية والأمنية، وبسط سيطرة الدولة على كامل الأراضي، وتفعيل مؤسساتها المحلية، واستعادة الخدمات والبنية التحتية لضمان عودة آمنة ومستدامة.










