تشهد سوريا اليوم مناخاً استثمارياً يتسم بفرص فريدة من نوعها، بعد سنوات طويلة من النزاع وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية والاقتصاد. فقد تحدث الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار” في الرياض عن الفرص الاستثمارية الكبيرة والكثيرة في بلاده، وأنه لا يؤيد ما وصفها بـ”سياسة المعونات”، لافتاً إلى أنّ قانون الاستثمار المُعدّل يُعدّ من “أفضل 10 قوانين بالعالم”، مشيراً إلى أن الحكومة تستهدف جذب استثمارات ضخمة قيمتها تصل إلى “تريليون دولار”. وفي هذا الإطار، وقّعت دمشق مذكرات تفاهم استثمارية بقيمة تُقدَّر بـ 14 مليار دولار مع شركات أجنبية، لتشمل قطاعات النقل والإسكان والبنية التحتية.
غير أن الاستثمار في سوريا يحمل في طياته مخاطِر كبيرة لا يمكن تجاهلها. فعلى الرغم من التصريحات المتفائلة، تشير تحليلات إلى أن الاستثمارات المعلنة لا تُغطّي سوى جزء ضئيل من حجم الحاجة الفعلية – إذ يُقدّر أنّ تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز 400 مليار دولار، بينما تمثّل الاستثمارات الحالية نحو 3٪ فقط من هذا المبلغ. كذلك، فإنّ المستثمرين الأجانب يواجهون “مخاطر خفية” مثل اشتراطات ضمان حكومي، ومعدّلات تأمين تصل إلى 15-25٪ من قيمة الاستثمار سنوياً، ما يعكس مدى الخطر المرتبط بالبيئة السورية.
وبالتالي، يبدو أنَّ الاستثمار في سوريا اليوم يشكّل مزيجاً من الحوافز الكبيرة – إذ البلاد في مرحلة إعادة بناء – والمخاطر العالية المرتبطة بضعف الاستقرار السياسي والاقتصادي، وغياب الشفافية الكافية، وبُعد المسار عن التنفيذ الفعلي. ومع دخول المستثمرين الأجانب بقوة، تُثار تساؤلات حول قدرة المشهد السوري على تأمين بيئة واضحة ومستقرة للاستثمار، وضمان حقوق المستثمرين، وتحقيق تنفيذ فعلي للمشاريع المعلنة.
اقرأ أيضاً: سوريا.. العلاقات الاقتصادية الدولية بين التحول والتعقيد
الأمن أولوية
يقول الدكتور بيار الخوري، عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا في لبنان، لــ”963+” إن قرارات المستثمرين الأجانب تتفاعل بشكل مباشر وحاسم مع خريطة الاستقرار الأمني في سوريا، موضحاً أن البلاد لم تعد تُرى كوحدة اقتصادية متكاملة، بل كسلسلة من الجيوب التي تختلف في مستوى المخاطرة.
ويشير إلى أن المستثمر حين يقيّم موقعاً ما، ينظر بدقة إلى الجهة التي تسيطر فعلياً على الأرض، وإلى مدى دوام تلك السيطرة، وإلى عمق سلاسل الإمداد المرتبطة بالموانئ والمعابر والطرق الرئيسية، فضلاً عن كثافة الحواجز الأمنية وكلفتها اليومية، إضافة إلى قدرة المنطقة على تسوية النزاعات المحلية من دون تدخل سياسي أو عسكري.
ويضيف الخوري أن رأس المال الأجنبي يتركّز بطبيعة الحال في المناطق التي تشهد انضباطاً أمنياً نسبياً، مثل دمشق والساحل وبعض مناطق الجنوب، حيث تتوجّه الأموال نحو قطاعات لا تتطلب حركة واسعة للبضائع أو التعامل مع الخارج، مثل صناعة الأغذية والأدوية والصيانة والعقارات الصغيرة.
ويؤكد في المقابل أن القطاعات الاستراتيجية مثل الطاقة والمصارف والاتصالات تبقى خارج دائرة الاهتمام الفعلي. وبهذا، كما يقول، يمكن اعتبار رأس المال في سوريا يتحرك “كالماء”، يبحث عن المنخفضات الأكثر أماناً والأقل اصطداماً بالسلطات المتعددة.
ويشير إلى أن الاستقرار الأمني المحلي يشكّل حافزاً مؤقتاً وليس بديلاً حقيقياً عن الاستقرار السياسي. ورغم أن بعض المناطق المستقرة نسبياً استطاعت، كما يوضح، جذب شركات إقليمية أو مقاولين محليين بعقود قصيرة الأجل، إلا أن غياب الاعتراف الدولي وتقييد التحويلات المالية يجعل من أي نشاط استثماري هناك مغامرة محدودة المدى.
ويؤكد أن تحويل “جزيرة آمنة” إلى مركز اقتصادي أمر غير ممكن من دون إطار قانوني موحد وشبكة مصرفية فاعلة، لأن رأس المال الأجنبي يحتاج إلى أكثر من مجرد الهدوء، فهو يحتاج إلى قابلية تحويل الأرباح وإلى حماية قانونية معترف بها عبر الحدود. ولهذا، كما يقول، يبقى الاستقرار الأمني عاملاً مساعداً لكنه غير كافٍ لتغيير وجه الاقتصاد أو جذب شركاء عالميين.
ويضيف أن استمرار مناطق النزاع المفتوحة أو المجمّدة ينعكس بعمق على ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة السورية على حماية العقود وضمان استمرارية المشاريع. فالمستثمر الخارجي، يضيف علاوات مخاطرة إضافية لكل احتمال من احتمالات الانقطاع أو المصادرة أو تغيّر السيطرة. ولهذا تلجأ الشركات إلى تحصين عقودها ببنود التحكيم الخارجي والدفع المرحلي وحسابات الضمان خارج البلاد.
لكنه يشير إلى أن أدوات التأمين المتاحة في الأسواق الدولية لتغطية المخاطر السياسية أو الحربية تكاد تكون نادرة في الحالة السورية بسبب العقوبات، مما يجعل المستثمر يعتمد أكثر على ما يمكن تسميته “الهندسة الدفاعية للعقود” بدلاً من الضمانات التأمينية الكلاسيكية. ويؤكد أن نتيجة ذلك هي ارتفاع كلفة الدخول إلى السوق السورية بشكل يحدّ من جاذبيتها إلا للمغامرين أو لأولئك الذين تربطهم مصالح سياسية واقتصادية بالنظام القائم.
كما يشير الخوري إلى أن تفاوت الأوضاع الأمنية بين المحافظات يخلق تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً، إذ ينتج عنه ما يمكن وصفه باقتصاد “المناطق الآمنة” مقابل “اقتصاد المهمّشين”. فالمناطق المستقرة، كما يوضح، تستقطب العمالة والاستثمارات والخدمات، في حين تتعرض المناطق المتوترة إلى استنزاف مستمر لرأس المال البشري وتراجع في الأجور وارتفاع في أسعار السلع.
ويؤكد أن هذا التفاوت يعمّق الانقسام داخل المجتمع السوري ويكرّس شعوراً باللاعدالة بين المحافظات، مما يهدد أي مسعى وطني لإعادة الإعمار المتوازن. ويرى أن معالجة هذا الخلل تتطلب آليات مالية تعويضية ومشاريع ربط بين المناطق لتقليص “كلفة المسافة الأمنية” وتحقيق الحد الأدنى من تكافؤ الفرص الاقتصادية.
أما بخصوص المشاريع التنموية التي تسعى الحكومة إلى إطلاقها بالشراكة مع أطراف خارجية، فيوضح الخوري أنها تواجه خطر التحوّل إلى أدوات نفوذ أمني أو سياسي ما لم تخضع لآليات شفافة وواضحة. ويؤكد أن المطلوب هو نشر دفاتر الشروط ومعايير الترسية والإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات، إضافة إلى فصل القرارات الاقتصادية عن الأجهزة الأمنية، وإخضاع العقود لتدقيق خارجي سنوي.
ويشدد على ضرورة أن تخضع المشاريع لتقييم أثر اجتماعي وحقوقي يراعي معايير الأمن الإنساني لا الأمن السلطوي، حتى لا تتحول التنمية إلى غطاء لتوسيع السيطرة. ويضيف أن المشاريع التي لا تُبنى على قواعد الشفافية ستعيد إنتاج شبكة الريع نفسها التي أدّت إلى الأزمة قبل الحرب.
ويؤكد أنه لا يمكن خلق بيئة استثمارية مستدامة من دون معالجة الجذور الأمنية التي تقوّض الثقة، مشيراً إلى أن نزع السلاح وضبط الحدود وعودة المهجّرين وتسوية قضايا الملكية والإسكان تشكّل الأساس لأي استقرار اقتصادي طويل الأمد.
ويقول إن الاقتصاد لا ينمو في فراغ ولا يزدهر في ظل خوف دائم من الانفجار، موضحاً أن معالجة الأمن ليست شرطاً سابقاً للنمو فحسب، بل مكوّناً داخلياً فيه، لأن رأس المال يزدهر فقط حين يثق بأن العقد سيحترم، وأن الطريق سيبقى مفتوحاً، وأن السلطة التي يتعامل معها اليوم لن تتبدل غداً بسلاح آخر.
ويشير في ختام حديثه إلى أنه من دون هذه الثقة سيبقى التعافي السوري محصوراً في جزر محدودة تحيا على هوامش الطمأنينة المؤقتة، فيما تبقى البلاد ككل أسيرة توازن غير مستدام بين الهدوء والاحتمال الدائم للاضطراب.
اقرأ أيضاً: سوريا والمعادلة الذهبية.. لا استقرار لا استثمار لا نمو اقتصادي!
غياب الضمانات والشفافية
يؤكد الدكتور طلال مصطفى، الأكاديمي والباحث السوري المقيم في فرنسا، لــ”963+” أن قرارات المستثمرين الدوليين تُبنى أساساً على توفر ثلاثة عناصر حاسمة: مستوى الأمان الفعلي للموقع بما يوفّر حماية للمنشآت والعاملين، وقدرة الجهة الضامنة—سواء كانت حكومة أو قوة محلية أو مظلة حماية أجنبية—على احترام العقود، إضافة إلى إمكانية نقل رؤوس الأموال عبر قنوات مالية وقانونية آمنة.
ويوضح أن المشهد السوري الحالي يكشف عن تفاوت واضح بين المناطق من حيث توافر هذه الشروط، إذ تتمتع معظم المدن والبلدات الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية بقدر نسبي من الأمن يسمح بدخول بعض الاستثمارات، في حين تبقى مناطق شمال شرق سوريا ومناطق مثل السويداء الخاضعة لسيطرة جماعات محلية بعيدة عن أي إمكانية حقيقية لإنشاء مشاريع اقتصادية محلية أو دولية.
ويشير مصطفى إلى أن القطاعات الأكثر انجذاباً لحالة “الأمن النسبي” هي قطاعات الطاقة والبنى التحتية الكبرى والزراعة ذات القيمة المضافة، بينما تبقى الخدمات الصغيرة والمتوسطة والعقارات شديدة الحساسية تجاه أي تغير أمني.
ويضيف أن المستثمرين لا ينتظرون بالضرورة تسوية سياسية شاملة قبل الدخول إلى السوق، بل يتطلعون إلى شريك أمني موثوق وقدرة على إدارة المخاطر المالية والقانونية، لافتاً إلى أن هذا النمط من الاستثمار يبقى غالباً قصير أو متوسط الأمد ما لم تتحسن مؤشرات الاستقرار السياسي.
ويبيّن أن الاستقرار الأمني المحلي يمكن أن يكون عامل جذب أولي، لكنه غير قادر على تشكيل بديل حقيقي عن الاستقرار السياسي والمالي والاعتمادي، خصوصاً في ظل العقوبات وقيود التحويل المالي التي تمنع وصول التمويل الدولي وتحدّ من قدرة المستثمرين الكبار على العمل ضمن منظومات قانونية طويلة الأمد.
ويوضح أن أي إعفاءات أو تسهيلات محدودة لا ترفع بالكامل مخاطر الخروج المالي، وأن أي نافذة انفتاح تبقى هشة ما لم تترافق مع تغييرات سياسية وقانونية واضحة.
ويضيف أن المناطق الآمنة لكنها معزولة سياسياً واقتصادياً قد تجتذب شركاء إقليميين أو شركات تبحث عن فرص قصيرة المدى، لكنها غير قادرة على جذب رؤوس الأموال الدولية أو التمويل البنكي العالمي لغياب الضمانات القانونية وحلول مسألة العقوبات.
كما يؤكد أن استمرار بؤر النزاع أو تجميدها يرفع بشكل كبير تكلفة التأمين ويقلل من الثقة بالعقود طويلة الأمد، الأمر الذي يدفع المستثمرين العالميين للبحث عن بيئات أقل خطورة. ويوضح أنه رغم وجود أدوات دولية للتأمين ضد المخاطر السياسية والحربية، إلا أن تطبيقها في الحالة السورية يبقى معطلاً بسبب القيود القانونية والسياسية الناتجة عن العقوبات.
ويشير مصطفى إلى أن التفاوت الأمني داخل سوريا يخلق بدوره تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً، حيث تُضخ الموارد والاستثمارات في المناطق الأكثر أماناً، بينما تشهد المناطق المهمشة هجرة للعمالة ورأس المال وتراجعاً في الخدمات وارتفاعاً في الأسعار، مما يهدد النسيج الاجتماعي ويضعف من شرعية أي عملية لإعادة الإعمار ما لم تُدار الموارد بطريقة تراعي العدالة وتجنب توسيع فجوات التفاوت.
كما يوضح أن حماية المشاريع من تحولها إلى أدوات نفوذ أمني تتطلب آليات شفافة في التمويل والتنفيذ، ودراسات أثر تشمل البعد الأمني، وإشراك المجتمعات المحلية في الرقابة، إضافة إلى مشاركة مؤسسات دولية تفرض شروطاً واضحة للحكومة والشركاء المحليين.
لكن مصطفى ينبّه إلى أن هذه الأدوات تصطدم بعقبتين أساسيتين: رفض بعض الجهات المسيطرة تطبيق معايير الشفافية، وغياب ضمانات قانونية دولية قابلة للتنفيذ، ما يجعل نجاح هذه المقاربات مرهوناً بمدى الالتزام السياسي والمؤسساتي.
ويخلص مصطفى إلى أن تحقيق استقرار اقتصادي طويل الأمد يبقى مستحيلاً من دون معالجة الجذور الأمنية والسياسية، لأن البنى التحتية الكبرى والممرات اللوجستية والعقود طويلة الأجل تتطلب بيئة قانونية موحدة وحماية مستدامة لا يوفرها أمن محلي هش. ويؤكد أن عودة المهجّرين واستقرار الحدود ونزع السلاح وبناء سلطة قانونية واحدة هي شروط أساسية لتشكيل طلب داخلي مستقر وسوق عمل موثوق.
وفي المقابل يرى إمكانية تنفيذ برامج اقتصادية محدودة في المناطق الآمنة ضمن استراتيجية تدريجية تدمج بين مشاريع صغيرة ومتوسطة وإجراءات بناء الثقة وإعادة دمج النازحين، مؤكداً أن الطريق الأكثر فاعلية يكمن في نهج متكامل يجمع بين تعافٍ اقتصادي موضعي وإصلاحات أمنية وسياسية تفتح الطريق نحو حل شامل.










