تمر سوريا في الوقت الحالي بمرحلة مفصلية بعد عقود ماضية من تحكم النظام السياسي المركزي الشديد والذي ترك بصمته العميقة على بنية الدولة ومؤسساتها. ومن هنا يبرز التحدي الأكبر في إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس جديدة تتسم بالشفافية والعدالة والمساءلة والتمثيل الحقيقي مع التركيز على سبل تحقيق استقرار مؤسسي يضمن استمرارية الدولة ويؤكد على وحدة المجتمع السوري.
وفي حوار خاص لـ “963+” مع مصطفى هاني إدريس عضو مركز رؤى للدراسات والأبحاث السياسية، أجاب فيه على العديد من الأسئلة حول ما تعاني منه مؤسسات الدولة الجديدة في سوريا والدور الذي تلعبه القوانين والأنظمة القديمة في عرقلة تطوير الإدارة العامة وغيرها من الأسئلة.
وفي ما يلي الحوار كاملاً:
ما أبرز التحديات التي تواجه إدارة مؤسسات الدولة في سوريا بعد أشهر على سقوط نظام الأسد؟
تواجه الإدارة الجديدة في سوريا تحديات ضخمة ومتشابكة تتطلب حلولاً فورية، أبرزها: التحدي الهيكلي المتمثل في تفكك المؤسسات وغياب استقلاليتها نتيجة الولاءات السابقة للنظام، والحاجة الماسة إلى إعادة هيكلة الجيش والأمن والقضاء لضمان الحيادية وحصر السلاح بيد الدولة. ولتحقيق ذلك، يجب على الفور تأسيس هيئة عليا ذات صلاحيات مطلقة لإدارة المرحلة الانتقالية تتولى تجميد المؤسسات المتورطة في الانتهاكات وبدء عملية “التطهير الإداري” فوراً، مع وضع إطار زمني واضح للإصلاح المؤسسي. يوازيه التحدي السياسي والأمني العميق الناجم عن الانقسام السياسي الداخلي بين الفصائل وتعدد مراكز النفوذ، واستمرار التدخلات الأجنبية التي تهدد السيادة ووحدة الأراضي، ما يتطلب مفاوضات وطنية ودولية مكثفة للتوافق على نظام سياسي شامل وواضح المعالم يضمن التوزيع العادل للسلطة وينهي حالة الشلل. أما التحدي الاقتصادي فهو الأشد وطأة، حيث تشهد البلاد انهياراً اقتصادياً حاداً، وشحاً في السيولة، وتدميراً هائلاً في البنية التحتية، ما يعيق عملية الإعمار ويتطلب مئات المليارات، فضلاً عن تحدي عودة الملايين من اللاجئين والنازحين وتأمين حقوقهم وملكياتهم عبر قانون عودة شامل وعادل ومدعوم دولياً، يضمن عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال الملاحقة أو التمييز. وأخيراً، يبرز التحدي الاجتماعي المتمثل في بناء الثقة المفقودة بين المواطنين والسلطة، وضرورة معالجة ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات والجرائم للتمهيد للمصالحة الوطنية الحقيقية دون إفلات من العقاب، مع إنشاء لجان تقصي حقائق مستقلة بمشاركة أسر الضحايا.
هل تعاني مؤسسات الدولة الجديدة من ضعف استقطاب الكوادر والخبرات وقلة الكفاءات، وما أسباب ذلك وماهي الحلول المناسبة؟
يواجه التعافي السوري تحدياً حرجاً يتمثل في استنزاف وندرة الكفاءات الوطنية، حيث أدت هجرة الخبرات الواسعة خلال سنوات الحرب الطويلة إلى إفراغ المؤسسات من كوادرها الفنية والإدارية، وتفاقم هذا النقص نتيجة غياب بيئة مؤسسية مستقرة وآمنة وعدم وجود رؤية إدارية وسياسية واضحة لاستقطابهم، مما يعيق جهود إعادة الإعمار وإدارة الدولة. لذا، لمعالجة هذا الخلل يجب تبني استراتيجية وطنية فورية ثلاثية المحاور: أولاً، إطلاق برامج “عودة المليون كفاءة” بضمانات دولية، مع تقديم حوافز مالية وإعفاءات ضريبية وحزم إقامة مُيسرة لخبرات المهجر، وتوفير آليات حماية قانونية ضد أي ملاحقة سابقة. ثانياً، يجب تأسيس معاهد متخصصة للتدريب الإداري بالتعاون مع الأمم المتحدة وجهات دولية موثوقة لـتأهيل الجيل الشاب على مفاهيم الحوكمة والشفافية والإدارة الحديثة. وثالثاً، ضمان استقلالية وحيادية الوظيفة العامة وربطها بالكفاءة والجدارة بعيداً عن التجاذبات السياسية أو الولاءات الفئوية، عبر إصدار قانون جديد للخدمة المدنية يحظر التعيين على أساس الانتماء السياسي، لتهيئة بيئة عمل مستقرة تحافظ على الخبرات وتجذبها على المدى الطويل.
كيف ترى إمكانية تطبيق اللامركزية الإدارية في المحافظات السورية؟ وهل سوريا تحتاج في الوقت الحالي إلى صلاحيات أوسع بهذا الإطار؟
يُمثّل الانتقال إلى نظام اللامركزية الإدارية والمالية تحدياً بنيوياً معقداً في سوريا، وهو ممكن نظرياً ولكنه مرهون بتأسيس بنية قانونية ومؤسساتية قوية أولاً تضمن عدم فكفكة الدولة. على الرغم من أن سوريا اليوم بأمس الحاجة إلى منح صلاحيات أوسع للمحافظات والمجالس المحلية لتخفيف الضغط عن المركز وتلبية الاحتياجات المحلية المتفاقمة بسرعة، فإن التحدي يكمن في ضرورة أن تكون هذه اللامركزية مدروسة ومُنضبطة وغير فوضوية. ولتحقيق التوازن المطلوب والحيطة من الانقسام، يجب صياغة قانون للإدارة المحلية ينص بوضوح على التوزيع العادل للصلاحيات والموارد والضرائب المُحصّلة محلياً، مع الاحتفاظ بصلاحيات الدولة السيادية (الدفاع، السياسة الخارجية، العملة) للمركز. ويجب أن يُؤطر هذا القانون دستورياً لضمان عدم تفتيت القرار الوطني أو تعريض وحدة البلاد للخطر، خاصة في ظل التعدد الإثني والطائفي، ويتطلب ذلك تأسيس آليات رقابة مركزية- محلية مشتركة لمكافحة الفساد في المحافظات وضمان التوزيع العادل للموارد المستمدة من الدعم الدولي.
هناك حديث عن هيمنة مكون واحد على المؤسستين العسكرية والأمنية.. هل هناك ضعف أو فشل في استقطاب المكونات السورية الأخرى؟
يشكل إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية في سوريا تحدياً وجودياً يتطلب حلولاً جذرية. تتجلى المشكلة الجوهرية حالياً في تقارير تشير إلى هيمنة مكون واحد على القيادات العليا، ما يغذي مخاوف حقيقية من إعادة إنتاج سياسات الإقصاء والتهميش التي سادت لعقود، خاصة وأن هذا الوضع ناتج عن إرث طويل من التمييز وغياب الثقة بين مكونات المجتمع. لمعالجة هذا الإخفاق في الاستقطاب الوطني، يجب إطلاق برامج دمج وطنية شفافة وممنهجة تحت إشراف دولي، تضمن تمثيلاً متوازناً لكل المكونات في القيادات العليا والصفوف، مبنية على الكفاءة والولاء للدولة.
وفي سياق الإصلاح الأعمق، تُطرح وجهة نظر شخصية ترى ضرورة النظر بجدية في مقترح تحويل دور المؤسسة العسكرية بشكل جذري إلى التركيز على الأمن الوطني والداخلي وتقليص مهامها، وذلك استناداً إلى أن الجيش كان على مدار العقود الماضية سبباً رئيسياً لعدم الاستقرار والوباء على المؤسسة المدنية عبر الانقلابات. ورغم التعقيد الذي يفرضه تحدي المواجهة مع الاحتلال الإقليمي وضرورات الأمن القومي، فإن هذا الطرح يؤكد على الحاجة الماسة إلى تجريد المؤسسة العسكرية من أي سلطة سياسية وتحويلها بشكل قاطع إلى مؤسسة وطنية محترفة خاضعة للقرار المدني الدستوري، عبر آليات مراقبة مدنية صارمة تخضع للبرلمان، لضمان عدم عودة الاستبداد العسكري مجدداً.
قبل أيام سلط تقرير لوكالة “رويترز” الضوء على استغلال للمناصب وعمليات فساد لمسؤولين في الحكومة السورية الجديدة، ما رأيك بذلك؟
يشكل الفساد المستشري واستغلال المناصب تحدياً وجودياً يُهدد أي جهود إصلاحية في سوريا. تشير التقارير، بما فيها ما أشار إليه تقرير رويترز الأخير، إلى استمرار هذه الظاهرة، حيث يقوم مسؤولون جدد باستغلال سلطاتهم ومواقعهم، مما يعيد إنتاج منظومة الفساد السابقة بأشكال جديدة. العواقب المحتملة لهذا الاستمرار خطيرة للغاية؛ فهي تقوض بشكل ممنهج الثقة الشعبية وتُضعف الأداء المؤسسي وتُعيق جهود التعافي والإعمار عبر تحويل الموارد. لمواجهة هذا الخطر، لا بد من تبني حلول حاسمة تتضمن إنشاء هيئة رقابة مستقلة ذات صلاحيات واسعة للتحقيق والمحاسبة والوصول إلى السجلات المالية والشخصية للمسؤولين الجدد. كما يجب العمل على تفعيل وتطبيق قوانين مكافحة الفساد بصرامة ودون أي شكل من أشكال الانتقائية، ونشر تقارير دورية وشفافة حول مصادر الأموال العامة وأوجه إنفاقها (موازنة شفافة ومفتوحة للجمهور)، وحماية المبلغين عن الفساد بقوانين رادعة، لضمان بناء دولة القانون والمساءلة.
كيف يمكن تقييم كفاءة الجهاز الإداري في مؤسسات الدولة بعد عقود من حكم النظام المخلوع؟
يُعد تقييم الجهاز الإداري السوري بعد سقوط النظام تحدياً مفصلياً، حيث تُظهر التقارير أن هذا الجهاز يعاني من ترهل بيروقراطي عميق وجمود كبير. هذا الترهل ناتج بشكل أساسي عن ثقافة الخوف المترسخة التي سادت لعقود، مما أدى إلى ضعف في المبادرة والابتكار بين الموظفين المدنيين وتركيزهم على الروتين بدلاً من خدمة المواطن. التقييم العام يشير بوضوح إلى أن الإصلاحات الجزئية غير كافية؛ بل يتطلب الجهاز الإداري إعادة هيكلة شاملة تهدف إلى تحويله من أداة للسيطرة إلى أداة لخدمة التنمية. ولتحقيق هذه القفزة، يجب أن تشمل الهيكلة برامج مكثفة للتدريب على مفاهيم الإدارة الحديثة والتركيز على تغيير الثقافة التنظيمية، وآليات شفافة لـتحفيز الموظفين الجادين وربط الأجر بالإنتاجية، وتحديث الأنظمة الإدارية والقانونية ورقمنة الخدمات لضمان الكفاءة والشفافية بعيداً عن الثقافة القمعية السابقة، مع تقييم الأداء الدوري للموظفين بناءً على مؤشرات خدمة المواطنين.
ما الدور الذي تلعبه القوانين والأنظمة القديمة في عرقلة تطوير الإدارة العامة في سوريا، ما هي الخطوات العملية المطلوبة لإصلاح القطاع العام؟
يُشكل الإطار التشريعي والقانوني القديم تحدياً هيكلياً هائلاً يُعيق أي محاولة للتحديث والتطوير في سوريا. المشكلة تكمن في أن معظم القوانين، خاصة تلك المتعلقة بالإدارة العامة والعمل والاستثمار، تعود إلى حقبة الستينات والسبعينات، وهي تشريعات بالية وغير مواكبة للعصر. هذه القوانين مصممة بالأساس لـتعزيز المركزية المُفرطة والهيمنة البيروقراطية، وتقييد المبادرة الفردية والاستثمار الحر، مما يتناقض جذرياً مع متطلبات مرحلة التعافي والانتقال. ولذلك، فإن الخطوات العملية للإصلاح تتطلب فوراً مراجعة شاملة للتشريعات الإدارية وإنشاء لجان خبراء دستوريين وقانونيين مستقلة لتشريع قوانين اقتصادية حديثة جاذبة للاستثمار وداعمة للملكية الخاصة. كما يجب إقرار قانون جديد للوظيفة العامة يرتكز على الكفاءة والشفافية.










