تعكس العلاقات السورية ـ اللبنانية تحوّلاً استراتيجياً في مقاربة البلدين لملفات الأمن والسيادة والاقتصاد، في ظل متغيرات إقليمية ودولية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فبعد عقود من التداخل والارتهان للظروف السياسية، تبدو دمشق وبيروت اليوم أمام اختبار بناء علاقة متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والتعاون المؤسسي، بعيداً عن إرث الوصاية والتجاذبات.
وتبرز العدالة الانتقالية، وترسيم الحدود، وعودة اللاجئين، والتعاون الاقتصادي كعناوين رئيسية في هذا المسار، فيما تعكس التحركات الرسمية والقانونية المتبادلة إرادة متنامية لدى الطرفين لتسوية الملفات العالقة ضمن إطار من الاحترام المتبادل والسيادة المتوازنة.
وبينما يشكل الاستقرار في سوريا ولبنان شرطاً متبادلاً لاستقرار الإقليم ككل، فإن الانفتاح السياسي الجاري في دمشق وبيروت يفتحان الباب أمام صيغة جديدة من الشراكة، قد تؤسس لمرحلة من التنسيق بين البلدين.
وفي هذا السياق، كشفت شبكة “سكاي نيوز” نقلاً عن مصادر سورية أن الحكومة السورية الانتقالية أبلغت الجانب اللبناني بضرورة التعاون في ملف تسليم عدد من ضباط وعناصر النظام السابق المتهمين بارتكاب جرائم حرب خلال السنوات الماضية.
ويأتي هذا التطور في إطار ترتيبات قانونية وأمنية ضمن العدالة الانتقالية التي تعمل عليها الحكومة السورية الجديدة برئاسة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، في خطوةٍ وُصفت بأنها تمهيد لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، تقوم على التعاون القضائي واحترام السيادة المتبادلة.
ورغم عدم صدور موقف رسمي لبناني بعد، تشير مصادر سياسية في بيروت إلى أن الملف يخضع لبحث قانوني وأمني معقد داخل المؤسسات اللبنانية، خصوصاً أن بعض المطلوبين يقيمون في لبنان بصورة قانونية ويحملون وثائق إقامة رسمية، ما يجعل عملية التسليم رهناً بمراجعات دقيقة تراعي المعاهدات الدولية والعلاقات التاريخية بين البلدين.
اقرأ أيضاً: نبيه بري ينفي تهريب أسلحة عبر سوريا إلى لبنان – 963+
تحولات سياسية وإقليمية
يرى الباحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية طارق عجيب، في تصريحات لـ”963+” أن التحولات الإقليمية وسقوط النظام السابق في سوريا أوجدا “مناخاً سياسياً جديداً قد يتيح انطلاق العلاقات السورية ـ اللبنانية نحو مسار طبيعي وسليم يقوم على الاحترام المتبادل والندية”.
ويوضح أن العلاقة بين البلدين “لم تكن في إطارها الطبيعي خلال العقود الماضية، إذ خضعت لظروف دولية وإقليمية معقدة فرضت عليها طابعاً غير متوازن”، مشيراً إلى أن المرحلة الراهنة “قد تمثل فرصة لإعادة صياغة هذه العلاقة على أسس أكثر استقراراً”.
ويضيف عجيب أن الدور الدولي، “ولا سيما التحرك الأميركي والغربي والعربي، يشجع اليوم على إعادة هيكلة العلاقات بما يضمن احترام سيادة كل دولة ويعزز التعاون في إطار المصالح المشتركة”، لافتاً إلى أن ملفات المفقودين والعدالة الانتقالية وتنظيم العلاقات الاقتصادية لا تزال تحتاج إلى حلول متوازنة.
كما شدّد على حساسية ملف ترسيم الحدود، معتبراً أن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأنه “سيشكل خطوة أساسية لترسيخ العلاقات ومنع أي توترات مستقبلية”.
إشكاليات قانونية وتسليم مطلوبين
من جانبه، يؤكد المحلل والكاتب طارق أبو زينب في تصريحات لـ”963+” أن لبنان يتعامل قانونياً مع طلبات التسليم “بوصفها صادرة عن حكومة معترف بها”، موضحاً أن هذه الطلبات “تُحال إلى النيابة العامة التمييزية التي تتولى دراسة الأساس القانوني للتسليم ومدى مطابقته للقوانين اللبنانية والاتفاقات الدولية”.
ويشير أبو زينب إلى أن قانون أصول تسليم المجرمين لعام 1929 والاتفاقات الثنائية مع سوريا يشكلان الإطار الناظم لهذه العمليات، مضيفاً أن التنفيذ “يبقى مشروطاً بضمانات المحاكمة العادلة، وحظر التسليم في القضايا السياسية أو إذا كان هناك خطر على حياة أو حرية المطلوب”.ويشدّد على أن لبنان “يسعى لتحقيق توازن دقيق بين التزاماته القانونية والإنسانية تجاه اللاجئين والموقوفين السوريين، وبين الضغوط السياسية والأمنية”، مؤكداً أن أي تسليم يجب أن يتم “من دون إجراءات جماعية أو تعسفية”.
وفي ما يخص ملف ترسيم الحدود، يوضح أبو زينب أن لبنان يواجه “إشكالات قانونية معقدة بسبب غياب الترسيم الكامل ووجود قرى متداخلة مثل الطفيل، إضافة إلى ملف مزارع شبعا الذي يتطلب تثبيتاً رسمياً من سوريا بلبنانية المنطقة”.
ويعتبر أن الحل الأمثل “هو اتفاق ثنائي نهائي يُودَع لدى الأمم المتحدة أو اللجوء إلى التحكيم الدولي”.
اقرأ أيضاً: وزيرة لبنانية: عودة أكثر من 320 ألف لاجئ سوري إلى بلادهم – 963+
الحدود واللاجئون والتكامل الاقتصادي
يُعد ملف الحدود أحد أبرز القضايا العالقة بين البلدين، إذ تعود جذوره إلى فترة الانتداب الفرنسي عام 1920. وقد وقع وزيرا الدفاع في آذار/ مارس 2025 اتفاقاً أمنياً برعاية سعودية لتشكيل لجان مشتركة تُعنى بمتابعة هذا الملف، تبعه اتفاق وزاري جديد خلال زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إلى دمشق في أبريل الماضي.
كما تسلّم لبنان خرائط حدودية من بريطانيا لدعم عملية الترسيم، في ظل إشراف دولي فرنسي وأمريكي وأوروبي على هذا الملف الذي يمثل أحد أعمدة الاستقرار الإقليمي.
أما ملف اللاجئين السوريين في لبنان فيبقى الأكثر حساسية، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود ما بين 1.8 و2.08 مليون لاجئ سوري، بينهم نحو 880 ألفاً مسجلين رسمياً.
وقد أطلقت الحكومتان السورية واللبنانية خطة للعودة الطوعية أسفرت حتى تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن عودة أكثر من 320 ألف لاجئ، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية اللبنانية، مع توقعات بتضاعف العدد نهاية العام.
اقرأ أيضاً: مصادر سورية: دمشق تطالب لبنان بتسليم عسكريين فروا بعد سقوط النظام – 963+
آفاق اقتصادية جديدة
وفي السياق ذاته، يقول الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد الزين لـ”963+” إن “عمليات إعادة إعمار سوريا ستبدأ في القريب العاجل، ومن المتوقع أن يكون للبنان دور مهم فيها من خلال مرفأ بيروت الذي ستتم عبره معظم عمليات التوريد والبضائع”.
ويضيف أن الفترة المتوقعة لانطلاق هذه العملية “تمتد بين ستة أشهر إلى سنة”، معبّراً عن تفاؤله بتحسن العلاقات اللبنانية ـ السورية، مؤكداً أن “البلدين يمتلكان رغبة مشتركة في بناء علاقات مميزة ومصالح استراتيجية متبادلة”.
ويشير الزين إلى أن ما يُثار حول بعض الشخصيات السورية السابقة “ليس ورقة ضغط بل جزء من تصفية الملفات”، متوقعاً تقدماً ملحوظاً في ملف ترسيم الحدود خلال الأشهر المقبلة.
ويختم بالقول إن العلاقات بين البلدين “لن تقتصر على التعاون الرسمي والديبلوماسي فحسب، بل ستتطور لتصبح علاقات أخوية تستند إلى التكامل الاقتصادي والمصالح المشتركة”.










