شهدت العقود الأخيرة صعوداً كبيراً في تيارات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وشهدت تركيا وإيران والمغرب ومصـر وتونس وليبيا أنماطاً مختلفة من هذا الصعود، شهد بعضها انهياراً تاماً فيما لا تزال تجارب أخرى تترنح وتقاوم، فيما نجحت بعض صيغ الإسلام السياسي في التكيف مع الدولة الحديثة وأنتجت أحكاما مدنية، وتصالحت إلى حد كبير مع السياق الديمقراطي وباتت تكيف نفسها باستمرار في سياق تطور متتابع نحو الديموقراطية.
ولكن أشدها تحدياً اليوم هو الواقع الجديد في سوريا، الذي لم يأت من خلفية برلمانية وانتخابية كما هو الحال في المغرب وتونس ومصـر وتركيا بل جاء بالفعل من خلفية جهادية قاعدية، تملك مشـروعاً كاملاً مناقضاً بالمطلق للدولة الوطنية سابحاً في غمار دولة الخلافة، تحت خطاب يدعو جهاراً نهاراً إلى قتال المشـركين واليهود والنصارى والمرتدين والزنادقة حتى يدخلوا في التوحيد.
ومع أن الخلفية الجهادية تتناقض تماماً مع مبدأ الدولة الوطنية، ولكن الخطاب السياسي الذي استخدمه المنتصرون كان مدهشاً لا يمت لتلك الجذور بصلة، وشكل انقلاباً تاماً على المشروع الجهادي، وأصاب الجميع بالصدمة، وتحول المجتمع الدولي برمته إلى متابع لتصـريحات الرئاسة والخارجية السورية التي قامت بتعقيم خطابها بشكل بيوريتاني من التاريخ القاعدي ومسلماته العقائدية على خطاب مدني طبيعي لا يختلف عن أي صيغة ليبرالية.
ولكن أشد الصدمة كانت في تلك الفصائل التي بايعت على الجهاد والحاكمية، ولم تؤمن يوماً بالدولة الوطنية، وفيما كانت تنتظر إعلان الخلافة وفتح الجهاد الجديد وجدت نفسها اليوم في تفاصيل دولة جديدة يراقبها المجتمع الدولي وتتعهد بالوفاء بالاتفاقيات الدولية في حقوق الإنسان ويفاوضها بدقة تحت سلطان قوانين العقوبات، وينتظر منها الالتزام التام بالتخلي عن الفكر القاعدي والجهادي والعنفي نحو دولة قانون ومحاسبة في محيط المجتمع الدولي.
وبعيداً عن المشهد العسكري وتداعياته، فإن المستقبل التشـريعي في سوريا ماض إلى ارتطام حقيقي بين مشروعين متناقضين، ولا شك أن سؤال المرجعية محسوم تماماً في تيار السلفية الجهادية، فهناك طريقتان للتشـريع: الله أو الطاغوت، ولا يوجد طريق ثالث، أما تشـريع الله فيعلمه الذين يستنبطونه منهم، وهم جماعة الدعاة والرواة المعتبرين الملتزمين بفقه الجهاد، ولديهم سلسلة من الخيارات الحاسمة التي قررها السلف الحنبلي، وقد اكتملت تصنيفاً وتفصيلاً في كتب السياسة الشرعية التي نشرها ابن تيمية، وهو ما قامت الحركة الوهابية بتطبيقه بدقة في قيامها الأول منتصف القرن الثامن عشـر، وكانت النتيجة سلسلة من المعارك الدامية في الكويت والنجف والبصـرة والشام والمدينة التي وقعت على خلفية فتاوى الجهاد دون أي اعتبار لتغير الزمان والمكان.
ولكن هل سيتكرر المشهد نفسه في الدولة السورية الوليدة؟
يبدو الجواب صعباً وعسيراً، حيث تشير التحولات الدراماتيكية في الموقف إلى احتمالات ارتطام خطير بين القمة والقاعدة، ومن المؤلم الاعتراف بأن الامتحانين المتتاليين في الساحل والسويداء أكدا بصورة محزنة أن فتاوى التكفير لا زالت حاضرة بقوة في الذهنية العامة للمحاربين، وهو ما أكدته لجنة التحقيق الحكومية نفسها حين أشارت إلى ارتكاب 298 شخصاً منسوباً للدولة ممارسات طائفية إجرامية وأن الدولة بصدد محاكمتهم جميعاً على ما اقترفوه! ومن المؤكد أن اللجنة الثانية التي كلفت بالتحقيق في أحداث السويداء ستقول الشـيء نفسه وأكثر.
ولكن هل ما نشرحه هو قدر لازب وحتمية تاريخية صارمة لا تقبل التغيير؟
التحدي صعب ولكن بإمكاننا الرهان على حركة التاريخ فقد شهدت التحولات التاريخية ظروفاً كهذه، وأصبح من سنن التاريخ ان الثورات تبحث عن أشد ما في تراها من الغضب والتمرد، حتى إذا تحولت إلى الحياة المدنية فإنها تفرض مراجعات عميقة وتصطدم أول ما تصطدم بصقورها المحاربين، وتكرس بدلاً من ذلك مجتمعاً مدنياً مقبولاً يلتزم خطاب المواطنة والتكامل.
إن قدر سوريا أن تكون دولة مدنية، وأنها غير قابلة للتوحش، وقد شهدت في تاريخها تنوعاً لافتاً وعلى الرغم من تعاقب حكومات إسلامية قوية فإن سوريا ظلت متحف أديان ولا زالت كل تنوعات المذاهب والديانات التاريخية في المنطقة موجودة على الرغم من فتاوى الإبادة والتكفير التي تطل برأسها في كل منعطف عنيف، ثم تغيب في سياق استقرار الدولة ونجاحها.
ولدينا عدة روائز تفرض على الخطاب الرسمي السوري هذه المراجعات العميقة والتحول إلى الدولة المدنية، فهناك أولاً إرادة سياسية بتحقيق النجاح، وهو غير ممكن على الإطلاق بالعقل التكفيري المظلم، وهناك ثانياً ضغط دولي حقيقي ومتابعة لملف حقوق الإنسان على مستويات دولية بالغة التأثير.
ولكن الأهم من ذلك كله هو التيار الإنساني داخل الفقه الإسلامي الذي يناضل باستمرار للدفاع عن روح الشريعة وتسامحها وإنسانيتها، وهو تيار عريض قادر على التأثير والتغيير، ولكن ظروف انتصار الثائرين الذي تم عن طريق العمل العسكري والعقيدة الجهادية تجعل الإنسانيين في موقف ضعف، حيث لا يزال خطاب الثأر أكثر شعبية وقدرة على حشد الجماهير والتأثير فيها، ولكنها مسألة وقت حين يعود الخطاب الإنساني إلى تأثيره وفاعليته في المجتمع.
التوجه الإنساني له أدلته وبراهينه القوية من داخل الفقه الإسلامي، وقد انجز مشروعه الأصولي قديماً على يد أبي حنيفة الذي ابتكر الاستحسان أصلاً شرعياً مقدماً على كل أصل، وكان يعرّفه بكلمة واحدة: هو ترك القياس والأخذ بما هو أوفق للناس، ولم يتوقف الفقهاء عند الاستحسان بل ابتكروا الاستصلاح والاستصحاب والعرف والذرائع وكلها مصادر مؤسسة لفقه واقعي مدني، يملك فيه الفقيه بحزم وثقة تخصيص النص وتقييده وتأويله، وهو ما يطبقه الإصلاح التشـريعي في الدول الإسلامية الرائدة التي تجاوزت في أدائها التشـريعي عقل الكهنة واشتراطاتهم، ودخلت بكفاءة واقتدار إلى الدولة الحديثة.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










