نيويورك
حذّر رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، باولو سيرجيو بينيرو، اليوم الخميس، من أن موجة العنف المتجددة في البلاد تهدد التفاؤل الذي أعقب سقوط النظام، مشيراً إلى أنّ استمرار الانتهاكات دون محاسبة قد يُعيد سوريا إلى دوامة الصراع مجدداً.
وقال بينيرو، إنّ الخطوات الأولى نحو العدالة مشجعة، لكنها “لن تكون كافية إذا استمرت الانتهاكات الممنهجة، التي تهدد بتقويض جهود السلام والاستقرار”، داعياً الحكومة السورية الانتقالية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى معالجة الأسباب الجذرية للعنف وليس فقط أعراضه.
وأضاف أنّ اللجنة تلقّت تقارير مقلقة عن عمليات إعدام ميدانية وتعذيب وتهجير قسري استهدفت مدنيين من الطائفة العلوية، مشيراً إلى أنّ الأحداث التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة في آذار/ مارس الماضي أسفرت عن مقتل نحو 1400 مدني، موضحاً أن بعض تلك الانتهاكات ارتُكب على يد قوات حكومية.
ولفت بينيرو إلى أنّ غياب المحاسبة وانتشار خطاب الكراهية في المناطق السورية المختلفة يزيدان من خطر اندلاع تصعيد أكبر، مؤكداً أن اللجنة تأمل بأن تنجح الهيئة الانتقالية للعدالة والهيئة الوطنية للمفقودين في ترسيخ مبادئ العدالة والمساءلة.
كما أشاد بالسماح للجنة التحقيق بالدخول إلى محافظات مثل اللاذقية والسويداء وطرطوس، واصفاً ذلك بأنه “خطوة إيجابية نحو تعزيز الشفافية والتعاون مع المجتمع الدولي”.
وأعرب رئيس اللجنة عن قلقه العميق من المخاطر المتزايدة التي تواجه النساء والفتيات في سوريا، مشيراً إلى أنّهن يتعرضن لـ”العنف الجنسي والاختطاف والزواج القسري”، داعياً إلى اتخاذ إجراءات سريعة وملموسة لـ”محاسبة الجناة وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع”.
وشدّد بينيرو على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة وفعّالة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والعمل على إعادة بناء الثقة بين الحكومة والمجتمعات المتضررة من خلال مكافحة خطاب الكراهية والتحريض، الذي قال إنه يغذي العنف في مناطق الساحل ومحافظة السويداء جنوبي سوريا.
وأكد أنّ استمرار الإفلات من العقاب بعد المجازر المتكررة يرفع من احتمالات انفجار الوضع مجدداً، “ما لم تُعتمد إصلاحات عاجلة وآليات وقائية حقيقية”، مضيفاً أنّ “التحديات التي تواجه سوريا اليوم جسيمة وتتطلب دعماً دولياً منسقاً واستثماراً حقيقياً في بناء السلام وترسيخ العدالة”.
وأشار إلى أنّ اللجنة الدولية ستواصل جهودها لرصد الانتهاكات وتوثيقها، والعمل مع الشركاء الدوليين لتحقيق العدالة الانتقالية التي تضمن سلاماً مستداماً للسوريين جميعاً.
وكانت قد قالت صحيفة “نيويورك تايمز“، في وقت سابق اليوم الخميس، إن موجات النزوح التي أعقبت سقوط النظام في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، كشفت هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا.
اقرأ أيضاً: العدالة الانتقالية والسلم الأهلي في سوريا: بين الحق والأمن
وأضافت الصحيفة الأميركية، أن سوريا شهدت خلال الأشهر الماضية موجات نزوح جديدة واسعة النطاق، لتؤكد أن البلاد لا تزال بعيدة عن تحقيق الاستقرار المنشود رغم انتهاء الحرب التي استمرت قرابة أربعة عشر عاماً.
وأوضحت، أن مشاهد النزوح الجماعي عادت لتخيّم على بعض المدن والبلدات السورية، في ظل تصاعد النزاعات المحلية والانقسامات المجتمعية التي طغت على المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد.
وذكرت “نيويورك تايمز” أن تقارير الأمم المتحدة، تشير إلى تهجير أكثر من 400 ألف سوري منذ سقوط النظام، نتيجة خليط معقد من العنف الطائفي وأعمال الانتقام والنزاعات على الملكية، إضافة إلى السيطرة الإسرائيلية على بعض المناطق في جنوب البلاد.
وأشارت إلى أن بيانات الأمم المتحدة تفيد بأن موجات النزوح تصاعدت بشكل ملحوظ بين كانون الأول/ ديسمبر 2024 وتموز/ يوليو الماضي، حيث تجاوز عدد النازحين الجدد 430 ألف شخص.
وتأتي هذه الموجات الجديدة بعد أن خلفت الحرب الطويلة تشريد أكثر من نصف سكان سوريا، إذ لجأ ملايين المواطنين إلى الخارج فيما نزح آخرون داخلياً بحثاً عن مناطق أكثر أمناً واستقراراً، وفق ما ذكرته “نيويورك تايمز”.
واعتبرت أن المرحلة الانتقالية الحالية في سوريا تتسم بقدر كبير من الاضطراب والهشاشة، حيث لم يسلم أي من مكونات المجتمع السوري المتنوع دينياً وإثنياً من تداعيات العنف المتجدد، الذي اندلع في مناطق متفرقة من البلاد.
وأكدت، أن محافظة السويداء جنوبي سوريا كانت من بين أكثر المناطق تضرراً في موجة النزوح الأخيرة، ففي صيف هذا العام، اندلعت اشتباكات دامية بين أبناء الطائفة الدرزية التي تشكل الغالبية في المحافظة، وبين جماعات بدوية مجاورة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتهجير مئات العائلات.
ولفتت الصحيفة إلى أن العنف الذي شهدته محافظة السويداء دفع عوائل من البدو إلى النزوح نحو محافظة درعا جنوبي سوريا ومناطق أخرى، وسط شح كبير بالمساعدات الإنسانية.
ونوهت إلى أن التقارير الميدانية تفيد بأن عمليات الانتقام والنزاعات القديمة على الأراضي والممتلكات ساهمت بشكل كبير في تأجيج التوتر والعنف بين المكونات المحلية، ما جعل عملية الاستقرار أكثر تعقيداً.
وشددت “نيويورك تايمز”، على أن المرحلة الانتقالية في سوريا تواجه تحديات جسيمة، من أبرزها غياب مؤسسات وطنية موحدة قادرة على إدارة شؤون البلاد، وتعدد القوى المحلية ذات النفوذ المتباين، إضافة إلى التدخلات الخارجية المستمرة في الجنوب والشمال على حد سواء.









