تُعدّ حلب إحدى أعرق مدن الشرق، حيث تبرز الشهباء كواجهة ثقافية وحضارية متجدّدة عبر العصور. فهي ليست فقط مدينة سورية عريقة، بل أيقونة للتراث الإنساني بامتياز، بما تمتلكه من تاريخ معماري وموسيقي وأدبي وحرفي يجعلها متفرّدة بين مدن العالم.
ومنذ العصور القديمة شكّلت حلب محطة على طرق التجارة، فكانت نقطة التقاء الحضارات ومعبراً للأفكار والفنون. وقد انعكس هذا التنوع التاريخي على هوية المدينة الثقافية، التي جمعت بين الشرق والغرب، وبين الروح العربية والإرث العالمي.
اقرأ أيضاً: أنغام عالمية وحوار موسيقي ثنائي في صالة دار الأوبرا بدمشق – 963+
الموسيقى والموشحات.. صوت المدينة
اشتهرت حلب بكونها مهد الموشحات والقدود الحلبية، التي تغنّى بها كبار الفنانين وحملت اسم المدينة إلى المحافل الدولية. وما زالت المجالس الطربية في بيوتها وأسواقها شاهدة على هذا الإرث الموسيقي العريق، الذي منح حلب لقب “عاصمة الطرب”.وفي هذا السياق، احتفلت وزارة الثقافة التابعة للسلطة الانتقالية في 14 أيلول/سبتمبر الجاري بفعالية “ليالي حلب الثقافية”، كأول حفل تنظمه مديرية الثقافة بحلب، حيث أحيت فرقة “بيت الفنون التراثية” حفلاً موسيقياً قدمت خلاله عدداً من الموشحات والقدود الحلبية.
ويقول الموسيقار عبد الحليم حريري، قائد الفرقة، لـ”963+”: “قدمنا مختلف أشكال الغناء والرقص الشعبي بشكل موجز، لأن حلب تُعد بوتقة الفنون؛ فهي تصهر كل ما يمرّ بها من فنون وتخرج بفن جديد. والدليل أن الموشح عندما وصل إلى حلب كان ضعيفاً، وعندما خرج منها صار قوياً وملحناً وجميلاً”.ويضيف الحريري: “الموسيقى غذاء الروح، فالإنسان بحاجة إلى أن يغذّي روحه عبر الثقافة بشكل عام، والموسيقى بشكل خاص، لأنها عابرة للحدود والطوائف”.
اقرأ أيضاً: من التراث الحلبي.. أمسية موسيقية تراثية في دار رجب باشا – 963+
ذاكرة ثقافية مستمرة
تُعد القلعة والأسواق القديمة والخانات جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المدينة. فهي ليست مجرد أبنية حجرية، بل مسارح مفتوحة للثقافة والتجارة والحياة الاجتماعية. وقد أدرجت منظمة اليونسكو المدينة القديمة في حلب ضمن قائمة التراث العالمي، اعترافاً بقيمتها الاستثنائية.ولم تكن حلب مجرد مدينة موسيقى وأسواق، بل أنجبت كتّاباً وشعراء ومفكرين ساهموا في إثراء الأدب العربي. كما كانت مطابعها وصحفها من أوائل منصات النشر التي نشرت الوعي الثقافي والسياسي في المشرق العربي.
ورغم الحرب التي مرت بها سوريا خلال السنوات الأخيرة، ما تزال حلب تحافظ على نبضها الثقافي. فالمبادرات المحلية لإحياء الموسيقى، وإعادة ترميم الأسواق، وتنظيم الفعاليات الأدبية والفنية، تؤكد أن هذه المدينة قادرة على النهوض من جديد، محافظةً على مكانتها كعاصمة للثقافة والروح.
وفي تصريح خاص لـ”963+”، يقول الفنان أحمد بدور: “الفن ينتقل من جيل إلى آخر، وحلب أمّ الفنون. لذلك نحاول من خلال تقديم الموشحات أن يتعلم الجيل الجديد هذا اللون الموسيقي ويحافظ عليه ويقدّمه، كي تبقى مسيرة حلب الفنية والثقافية مستمرة”.
وحتى اليوم، تبقى مدينة حلب شاهدة على التاريخ بكل تفاصيله، وما تزال تحتفظ بثقافات متعددة تعاقبت عليها، لتظل واحدة من أقدم مدن العالم وأكثرها حيوية.










