الأميرة سيلانسي العيسى، اسم يتردد صداه في عالم الرقص الشرقي، ليست راقصة فحسب، بل معلمة ورائدة تسعى إلى تغيير النظرة النمطية لهذا الفن العريق. حكايتها مع الرقص ليست مجرد رحلة، بل قدر لازمها منذ وعيها الأول. تقول الأميرة: “لا أذكر أنني بدأت الرقص، لأنني منذ وعيي وأنا أرقص”. هذه الكلمات تلخص علاقتها العميقة والملتحمة بهذا الفن.
لم تكن الأميرة بحاجة إلى دروس رسمية في البداية، فملهمتها الأولى كانت والدتها، التي كانت معلمة رقص. “عندما بدأت المشي، بدأت الرقص”، هكذا تصف كيف تشكلت شخصيتها الفنية في بيئة محبة للفن وداعمة له. كانت تقلّد والدتها وتستلهم منها، لتنمو موهبتها بشكل طبيعي وفطري، من دون أن تدرك أنها تتلقى دروساً في أهم مدرسة فنية: مدرسة الحياة.
من التلمذة إلى التدريب: رحلة مليئة بالتحديات
بدأت الأميرة مسيرتها في التدريب بشكل غير رسمي، حيث كانت تدرب صديقاتها والمقربات من العائلة. كان الأمر مجرد طلب من المقربين، لم تتوقع أن يتحول إلى شغف ومهنة. وفي سن التاسعة عشرة، بدأت مسيرتها الاحترافية كمدربة. لكن هذه البداية لم تكن سهلة، إذ شكّل وضع سوريا في ذلك الوقت، والنزوح، عائقاً أمام استقرارها في نادٍ رياضي واحد. هذا الوضع دفعها للتنقل بين أحد عشر نادياً رياضياً، مما أكسبها خبرة واسعة، لكنه كشف أيضًا التحديات التي يواجهها الفنانون في ظل الظروف الصعبة.
وعلى الرغم من كثرة أعداد الفتيات اللواتي دربتهن، تؤكد الأميرة أنه من المستحيل حصر العدد، ففي السنة الواحدة تمرّ على دوراتها مئات الفتيات. تقول: “كورساتي هي للفتيات فقط”، موضحةً أنها لا تدرب الرجال. وعلى الرغم من تلقيها العديد من الطلبات لتدريب الرجال، خاصة في الفترة الأخيرة، إلا أنها تفضّل الالتزام بتدريب النساء فقط بسبب الأعراف الاجتماعية. وتوضح: “في مجتمعنا هذا غير مقبول، فخصصت وقتي كله للفتيات فقط”.
الرقص كفن متكامل: ليس مجرد حركات
الرقص الشرقي، كما تراه الأميرة سيلانسي، ليس مجرد حركات عشوائية، بل هو فن متكامل له قواعده وأسسه. قبل البدء بالرقص، هناك “تمارين تحمية خاصة بالرقص الشرقي” تعمل على جميع العضلات المستخدمة في الأداء. هذا التركيز على الجانب الرياضي والصحي يبرز احترافية الأميرة ورؤيتها الشاملة للفن.
أما عن زي الرقص، فتؤكد أنه لا يوجد زي محدد، وأن الأهم أن يكون مريحًا. لكنها تلاحظ تحولًا طبيعيًا لدى المتدربات: “عندما يتقنّ الرقص، يستبدلن السراويل الرياضية بالتنانير والفساتين”، مما يعكس تطور الثقة بالنفس والانغماس الكامل في هذا الفن.
الفرق الجوهري بين الراقصة والمدربة
من النقاط التي تشدد عليها الأميرة سيلانسي العيسى التمييز الواضح بين الراقصة والمدربة. تقول: “الفرق بين الراقصة ومدربة الرقص كبير جداً”.
وتوضح أن المدربة هي معلمة مثل أي معلم، وهي التي تدرب أعدادًا كبيرة، بل وتدرب حتى الراقصة نفسها. الرقص في نظرها هو “منهاج” لا يقل أهمية عن أي مجال تعليمي آخر.
في المقابل، الراقصة هي شخص “استعراضي” يرقص في الأماكن العامة والأعراس. تؤكد الأميرة أنه لا يوجد أي وجه شبه بينهما سوى أن كلاهما يرقص. وهذا التمييز يهدف إلى تصحيح الصورة النمطية السائدة، ووضع الرقص في إطاره الأكاديمي والتعليمي الصحيح.
تطور الرقص الشرقي: بين الماضي والحاضر
تعترف الأميرة بأن الرقص الشرقي قد تغير بشكل كبير عبر الزمن. تقول: “لا توجد مقارنة بين الرقص الشرقي القديم والحالي”، مشيرةً إلى اختلاف الأسلوب بين راقصات الزمن الجميل مثل سهير زكي وفيفي عبده، والرقص الحالي الذي أصبح أكثر حداثة وأضاف الكثير من الحركات الجديدة.
وعلى الرغم من أنها بدأت بالرقص على أسلوب والدتها الذي يعود إلى ثمانية عشر عاماً، إلا أنها طورت نفسها باستمرار لتواكب المستجدات “الرقص يتم تحديثه باستمرار”.
توضح الأميرة أن الرقص الكلاسيكي له أسلوبه الخاص، بينما أُضيفت إلى الرقص الحديث أنواع مختلفة بفضل دخول عناصر غربية وروسية. وعلى الرغم من تنوع الأساليب، إلا أنها تحبها جميعاً بالمستوى نفسه.
وتضيف: “كمدربة، يجب أن أتقن كل الأنواع لأن أذواق المتدربات مختلفة ويجب أن أرضي جميع الآراء”.
نظرة جديدة للرقص: فن لا يقتصر على الإغراء
بدأت الأميرة سيلانسي بنشر فيديوهاتها على وسائل التواصل الاجتماعي منذ نحو عام، وقد واجهت الكثير من الانتقادات بسبب النظرة النمطية السائدة في المجتمع. تقول: “الكثير من الناس لا يتقبلون هذا الشيء حالياً”، موضحة أن الناس يتوقعون أن الرقص الشرقي هو مجرد “بدلة رقص مع حركات إغراء”.
لمواجهة هذه الصورة الخاطئة، تسعى الأميرة إلى تقديم الرقص كفن ومدرسة لا يقتصران على الإغراء.
وتقول بوضوح: “لا أرتدي ملابس مغرية عند نشر الفيديوهات ولا أرقص بطريقة مثيرة”.
وتؤكد أن الرقص مهارة وفن يحتاجان إلى تدريب، شأنهما شأن أي مهارة أخرى. وتتوقع أن تتغير هذه النظرة السلبية مع ازدياد عدد الأشخاص الذين يمتلكون الجرأة لنشر فيديوهات رقص، مما سيجعل الناس يرون أن الرقص “شيء عادي”.
الفوائد الصحية والاجتماعية للرقص
تعدد الأميرة فوائد الرقص الصحية التي “لا تعد ولا تحصى”. فهو يساعد على إفراز هرمونات يحتاجها الجسم، ويخفف من التوتر. وتؤكد أنه مناسب لكبار السن أيضاً، بل يصفه بعض الأطباء بالعلاج لأنه “يعمل على كل عضلة في الجسم”.
على الصعيد المهني، تحدثت الأميرة عن مدربي الرقص الرجال، معبرةً عن احترامها وتقديرها لهم. تقول: “أحبهم جداً”، مذكرةً بأن أوائل الراقصات المصريات مثل تحية كاريوكا كان لهن مدربون رجال. وتشدد على ضرورة تقبلهم، خاصةً عندما يمارسون التدريب بأسلوب احترافي صحيح.
تحديات الحاضر ومستقبل الرقص
تلاحظ الأميرة أن الوضع الاقتصادي وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي أثّرا بشكل واضح على أعداد المتدربات. تقول: “في مثل هذا التوقيت من السنة الماضية، كان لدي درس كل ساعة من الصباح إلى المساء يومياً”، بينما هذا العام الأعداد قليلة جداً.
لكنها تؤكد أنها لم تواجه أي مضايقات في النوادي الرياضية، وترى أن الأمر قد يكون مرتبطًا بالخوف الذي تنشره وسائل التواصل الاجتماعي.










