لم يكن حضور السعودية في دمشق نهاية شهر يوليو/تموز الماضي مجرد زيارة رسمية أو حفل توقيع اتفاقيات استثمارية، بل بدا منذ اللحظة الأولى محاولة لإعادة صياغة خارطة النفوذ الإقليمي، ولتثبيت مكانة الرياض كفاعل أساسي في سوريا الجديدة. المشاركة الرفيعة المستوى لوزير الاستثمار السعودي خالد الفالح والوفد المرافق له في “منتدى الاستثمار السوري السعودي 2025” لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل حملت رسالة استراتيجية واضحة: السعودية تريد أن تكون لاعباً محورياً في سوريا قبل أن يملأ أي طرف آخر، ولا سيما تركيا، الفراغ السياسي والاقتصادي.
في المشهد السوري الراهن، يبدو النفوذ الإقليمي مجزأ ومتعدد الأبعاد، حيث تمتد شبكة العلاقات بين دمشق والقوى الإقليمية من تركيا إلى قطر ومن فرنسا إلى غيرها من الدول الأوروبية، مروراً بالمحاور العربية التقليدية. ومن هذا المنطلق، ترى الرياض أن كسب دمشق أكثر فائدة من تركها للوصول إلى تفاهمات مع دول أخرى قد تشكل تهديداً لمصالحها على المدى الطويل. فالسعودية ليست مستثمراً اقتصادياً فحسب، بل ترى نفسها وريثة على “تركة النفوذ الإيراني” في العالم العربي، محاولة إعادة توزيع الأوراق الإقليمية وفق رؤيتها، بما يضمن لها نفوذاً مستقراً في قلب سوريا، ويمنحها قدرة على التأثير في مسار إعادة الإعمار والقرار السياسي.
الاستثمارات التي أعلنت خلال المنتدى السعودي السوري لم تكن اعتباطية. فقد أبرز الوزير الفالح مشاريع ضخمة في قطاعات الاتصالات، بقيمة 4 مليارات ريال سعودي، وتنمية العقارات بـ 11 مليار ريال، بما في ذلك مشروع شركة “بيت الإباء” في حمص. هذه الخطوة ليست مجرد مشاريع اقتصادية، بل تحمل أبعاداً سياسية وثقافية: فالمشاريع العقارية والتنموية الكبيرة تخلق روابط مباشرة بين الفاعلين السوريين والقطاع الخاص السعودي، وتدمج الاقتصاد السوري ضمن شبكة مصالح سعودية، مما يمنح الرياض نفوذاً استراتيجياً في مرحلة إعادة الإعمار، كما يمنح سوريا استثمارات هي بأمس الحاجة لها.
القطاعات الحيوية المستهدفة من قبل الاستثمارات السعودية شملت العقارات، والبنية التحتية، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والنقل والخدمات اللوجستية، والصناعة، والسياحة، والطاقة، والتجارة والاستثمار، والرعاية الصحية، والموارد البشرية، والخدمات المالية. من خلال هذه الاستثمارات، تعمل السعودية على بناء شبكة تأثير متكاملة، تمتد من الاقتصاد إلى التكنولوجيا والخدمات الأساسية، محاولة صياغة روابط طويلة الأمد مع دمشق، وتأمين وجود دائم في قلب المؤسسات السورية.
ما يميز هذه المرحلة هو توقيع 47 اتفاقية بقيمة 24 مليار ريال، بينها اتفاقيات بين “تداول” وسوق دمشق لدراسة الإدراج المشترك، واتفاقيات في مجال الطيران والملاحة بين الطيران المدني السوري وشركة مطارات السعودية، وكذلك في الأمن السيبراني بين وزارة الاتصالات السورية وشركة سعودية متخصصة. هذه الاتفاقيات تعكس حرص الرياض على ربط مصالحها بالمؤسسات السورية الرسمية، وتضفي طابعاً استراتيجياً على نفوذها، بعيداً عن الطابع الاستثماري البحت.
من منظور استراتيجي، ما تفعله السعودية اليوم ليس مجرد ضخ استثمارات، بل مشروع لإعادة هندسة النفوذ: استعادة دورها في المنطقة، إضعاف أي محاولات تركية لتوسيع نفوذها، وضمان أن تصبح دمشق شريكاً معها، بما يحفظ مصالحها الحيوية على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، تشكل هذه المشاريع جسراً لتثبيت صورة السعودية كفاعل معتدل ومستقر، يربط بين التنمية الاقتصادية والشرعية السياسية، ويمنحها فرصة لإعادة كتابة القواعد التي تحدد مستقبل سوريا، بعيداً عن النفوذ الإيراني الذي سيطر على القرار السوري لعقود.
السعودية تدرك أن النفوذ لا يُبنى بالاستثمارات وحدها، بل يحتاج إلى أدوات متعددة، منها ما يتعلق بالاقتصاد، ومنها ما يتعلق بالشرعية السياسية. حضورها المكثف في دمشق، والتوقيع على اتفاقيات كبيرة، يرسل رسالة ضمنية بأن الرياض مستعدة لتولي دور الرعاية الاقتصادية والسياسية لسوريا، وأن أي محاولة تركية للعب دور محوري ستكون مواجهة لمصالحها. وفي هذا السياق، يبدو أن السعودية تسعى لتحويل المشاريع الاقتصادية إلى أدوات نفوذ، تربط التنمية بالشرعية السياسية، وتضع نفسها في مركز القرار السوري الجديد.
لكن الأبعاد الإقليمية لا تقتصر على النفوذ التركي وحده. إعادة ترتيب العلاقة مع إيران، أو بالأدق، محاولة سد الفجوة التي خلفها نفوذها في دمشق، تشكل جزءاً أساسياً من الحسابات السعودية. فالسعودية تعتبر نفسها وريثة على “تركة النفوذ الإيراني”، وتسعى لخلق قنوات بديلة للتأثير في سوريا، عبر مشاريع اقتصادية، استثمارات ضخمة، وشراكات استراتيجية مع مؤسسات الدولة السورية الرسمية. هذه المقاربة تسمح للرياض بالتحكم في كثير من ملامح المستقبل السوري، بما فيها الاقتصاد، البنية التحتية، والخدمات الحيوية، وكذلك القرار السياسي وإن بشكل غير المباشر.
السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هو: هل ستتمكن السعودية من تحويل هذه الاستثمارات والاتفاقيات إلى نفوذ سياسي مستدام، أم أن دمشق، بتعقيداتها الداخلية والصراعات الإقليمية المحيطة، ستفرض على الرياض حدوداً لم تتوقعها؟ وما يبدو واضحاً حتى الآن هو أن السعودية قررت أن تكون حاضرة بقوة، ليس مجرد مستثمر، بل كفاعل سياسي استراتيجي، قبل أن تترك الفراغ لأي طرف آخر، محاولة بذلك أن تشارك بصنع سوريا جديدة حليفة لها، أو أقله تدور في فلكها كما تدور بفلك القوى الإقليمية الأخرى.
في النهاية، ما تفعله السعودية اليوم في سوريا ليس فقط مسألة اقتصاد واستثمار، بل مشروع شامل لإعادة صياغة النفوذ، استثماراً ورؤية سياسية، وتحويل المشاريع إلى أدوات استراتيجية، تجعل من دمشق مركز ثقل في شبكتها الإقليمية، وتمنحها قدرة على فرض قواعد اللعبة قبل أن يتحرك أي منافس آخر. وهكذا تبدو سوريا أمام مرحلة جديدة من إعادة التوازن الإقليمي، حيث الاستثمار ليس مجرد أرقام على الورق، بل هو ورقة قوة تعكس الطموحات الإقليمية في قلب المشهد السوري.
أما الحكم السوري، فلا كلمة فصل له في هذا المجال، بل يأخذ ما يُعرض عليه من استثمارات ومساعدة، ريثما يثبّت الحكم الجديد حضوره وشرعيته ونفوذه. وحتى الوصول إلى تلك المرحلة، تبدو سوريا كسوق مفتوح لكل من يريد الاستثمار في الاقتصاد والسياسة أو حتى القرار الوطني السوري.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










