في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإعادة تنشيط قطاع الإنتاج ضمن المدن الصناعية، أعلنت الحكومة السورية، عبر وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، عن إقرار نظام استثماري جديد يهدف إلى جذب رؤوس الأموال وتوسيع القاعدة الصناعية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى استعادة توازنها الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الحرب والركود.
وقد أعلنت وزارة الاقتصاد رسميًا عن النظام الجديد، الذي وصفه وزير الاقتصاد، محمد نضال الشعار، بأنه يتماشى مع طبيعة التحولات الاقتصادية التي تشهدها سوريا في هذه المرحلة، ويستند إلى معايير مرنة وحديثة تراعي التغيرات الجذرية التي طرأت على مناخ الأعمال محليًا وإقليميًا نتيجة الحرب والعقوبات والحصار الاقتصادي.
وأشار الشعار إلى أن النظام يستهدف تشجيع رؤوس الأموال السورية في الخارج على العودة والاستثمار في الداخل، من خلال تقديم حوافز واضحة ورؤية شاملة تُسهّل دخولهم في مشاريع صناعية استراتيجية. وأكد أن التركيز سيكون على الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وعلى المحافظات الأكثر تضررًا، في خطوة تهدف إلى توفير بيئة اقتصادية مستقرة تحد من النزوح وتعزز العدالة التنموية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق اقتصادي بالغ التعقيد، حيث لا يزال الاقتصاد السوري يعاني من تدهور غير مسبوق، بسبب انهيار القطاعات الإنتاجية، وتراجع سعر صرف العملة المحلية، ونقص الموارد الأساسية والطاقة، إضافة إلى استمرار العقوبات الدولية التي تعيق عمليات التمويل والاستيراد، ما يجعل من أي مشروع اقتصادي جديد تحدياً حقيقياً.
وفي هذا الإطار، تثار تساؤلات مشروعة في الأوساط الاقتصادية حول مضمون هذا النظام الجديد ومدى قدرته على إحداث تغيير حقيقي في مناخ الاستثمار الصناعي في سوريا، في ظل بيئة لا تزال بحاجة إلى إصلاحات جذرية على مستوى الحوكمة والشفافية والبنية القانونية. فهل يشكل هذا النظام بالفعل نقطة انطلاق نحو تعافٍ اقتصادي تدريجي؟
اقرأ أيضاً: بدء ضخ الغاز الأذري إلى سوريا عبر تركيا – 963+
“القانون وحده لا يصنع بيئة جاذبة”
يعتبر الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور رفعت عامر في تصريحات لـ”963+”، أن “إطلاق نظام استثماري جديد يعيد صياغة البيئة القانونية في المدن الصناعية السورية هو، من الناحية النظرية، خطوة مهمة، خاصة فيما يتعلق بتحفيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص PPP) وB.O.T)، وتعزيز الشفافية الإجرائية، ودمج المعايير البيئية والدولية.
لكنه يشدد على أن “القانون وحده لا يصنع بيئة استثمارية جاذبة، بل التنفيذ والحوكمة هما الفيصل”.
وفي هذا السياق، يشير عامر إلى تقرير حديث لوكالة رويترز كشف عن دور ما وصفها بـ”لجنة ظل” تعيد تشكيل الاقتصاد السوري من خلال استحواذات سرية لشركات مرتبطة بالنظام السابق. وأوضح أن “شقيق الرئيس، حازم الشرع، ورجل أعمال أسترالي خاضع لعقوبات دولية، يديران صفقات عبر شبكات فساد قديمة”. وبحسب التقرير، فإن 80% من قيمة هذه الصفقات تمر عبر “شام كاش”، المؤسسة المالية الوحيدة التي تعمل خارج رقابة المصرف المركزي، وتُحول أموالها إلى إدلب، حيث يقع مقرها الرئيسي.
وانطلاقاً من ذلك، يرى عامر أن “إشراف أحمد الشرع وشقيقه حازم على النظام الاستثماري الجديد يعني عمليًا أن اقتصاد الظل وصفقات النفوذ قد تحل محل الحوكمة والشفافية، مما يُقوض فرص بناء بيئة استثمارية سليمة”.
ويضيف: “إن فعالية النظام مرهونة بوجود سلطات مالية وقضائية مستقلة، وهو أمر غير متوفر حاليًا، حيث يتركز القرار الاقتصادي والإداري في يد الرئيس أحمد الشرع، بينما يُدير شقيقه حازم الملفات التنفيذية من موقع غير رسمي، وهو نمط يُذكّر بالعلاقة بين بشار الأسد ورامي مخلوف في العقدين الماضيين، ما يهدد بإعادة إنتاج منظومة النفوذ والزبائنية”.
وفي الشق الفني، يشير عامر إلى أن “التسهيلات التي يتضمنها النظام، كالإعفاءات الجمركية، وتقسيط أسعار الأراضي، وتراخيص الاستثمار المرنة، تُعد محفزات حقيقية من الناحية النظرية، لكنها تظل عديمة الجدوى ما لم ترافقها ضمانات طويلة الأمد واستقرار قانوني فعلي”.كما ينبّه إلى أن “مركزية القرار، وغياب الفصل الحقيقي بين السلطات، وانعدام الضمانات الأمنية، كلها عوامل تُضعف ثقة المستثمر المحلي والأجنبي”.
ويشير أيضاً إلى “أن سوريا سبق أن شهدت تجارب مماثلة، أبرزها في مدينة عدرا الصناعية مطلع الألفينات، لكنها فشلت بسبب تفشي الزبائنية وضعف الحوكمة، ما يوجب معالجة الأسباب البنيوية قبل إعادة التجربة بصيغة جديدة”.
وفيما يخص إدخال نظام التحكيم السريع لحل النزاعات، يرى أنها “خطوة قانونية ذكية ومستخدمة عالميًا، لكن نجاحها مرهون باستقلال اللجان ووضوح إجراءاتها وثقة المستثمرين بها، وإلا ستبقى شكلية بلا أثر فعلي”.
ورغم أن تولي الرئيس أحمد الشرع الملف الاقتصادي قد يمنح المشروع قوة تنفيذية، يرى عامر أن وجود شقيقه حازم في موقع غير رسمي يثير تساؤلات حول مركزية القرار، مشيرًا إلى أن “التجربة السورية أثبتت مرارًا أن تركيز السلطات الاقتصادية في يد الأفراد أو العائلات يُنتج شبكات نفوذ، لا اقتصاد سوق تنافسياً”.
وفي جانب التمويل، يشير عامر إلى أن “الرهانات على الربط مع نظام SWIFT تعكس رغبة بانفتاح مالي مشروط، لكن العقوبات لم تُرفع بشكل نهائي، بل جرى تجميد بعضها مؤقتًا. كما أن الأحداث الأخيرة في محافظة السويداء دفعت الولايات المتحدة إلى تمديد فترة المراجعة لعامين إضافيين، مما يُبقي بيئة التحويلات والاستثمارات في حالة من عدم اليقين”.
ويشدد الباحث الاقتصادي على أن “الواقع الاجتماعي والاقتصادي الحالي، من نسب فقر تتجاوز 90%، ونزوح داخلي وخارجي، وبنية تحتية متهالكة، وبيئة سياسية غير مستقرة، كلها تشكل عناصر طاردة للاستثمار”، مشيرًا إلى أن “النظام الجديد، ما لم يُدمج في مشروع وطني سياسي واقتصادي شامل، فسيُستغل من قبل طبقات نافذة لمصالحها الخاصة، دون أن يُحدث الأثر المرجو في القطاعات الإنتاجية”.
ويعتبر أن الخطوة، على الورق، تعكس رغبة حقيقية لدى الوزارات المعنية في إصلاح بيئة الاستثمار، لكنها تبقى مرهونة بإرادة سياسية جادة تقطع مع نهج “الاستثمار للنافذين”، وتفتح الطريق نحو دولة قانون تضمن الشفافية، والمساءلة، والاستقلالية المؤسسية.
اقرأ أيضاً: اتفاقيات بأكثر من 6 مليارات دولار.. انطلاق منتدى الاستثمار السوري السعودي – 963+
نظام المدن الصناعية… بين الجاذبية القانونية وتحديات التنفيذ
من زاوية تحليل سياسي، يرى الكاتب والباحث السياسي مصطفى النعيمي أن “فعالية النظام الاستثماري الجديد في المدن الصناعية لا يمكن تقييمها بمعزل عن البيئة القانونية والإدارية التي تحكمه”، مشيرًا إلى أن “الوضوح والشفافية، واستقرار القوانين، ووجود آليات واضحة لفض النزاعات، تُعد عناصر حاسمة لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي”.
وفي معرض مقارنته مع الأنظمة السابقة، يشير النعيمي في تصريحات لـ”963+” إلى أن “التميّز يكمن في الحوافز الشاملة التي يقدمها النظام، مثل الإعفاءات الضريبية، وتسهيلات الوصول إلى البنية التحتية، وتبني نهج قطاعي يستهدف الصناعات ذات القيمة المضافة المرتبطة بإعادة الإعمار، إلى جانب إنشاء نافذة موحدة للمستثمرين تهدف إلى إنهاء البيروقراطية الطاردة”.
أما بشأن قدرة النظام على تحفيز عودة المستثمرين، فيؤكد أن “نجاح ذلك مرهون بقدرة الدولة على توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية، وتعويض المخاطر، وإعادة تأهيل القوى العاملة بعد أكثر من عقد من التدمير الممنهج للمجتمع السوري”
ويرى النعيمي أن “التسهيلات المطروحة، رغم أهميتها، يجب أن تكون قابلة للمقارنة إقليميًا من حيث الجاذبية والتنافسية، مؤكدًا ضرورة أن تكون طويلة الأجل ومُطبّقة بفعالية”.
وفي ما يتعلق بتحديات التنفيذ في ظل العقوبات، دعا إلى “اعتماد حلول غير تقليدية مثل المقايضة، والاستثمار العيني، والمشاريع ذات التمويل الذاتي، إلى جانب الضغط الديبلوماسي للحصول على استثناءات في القطاعات الحيوية”.
كما يشدد على أهمية “بناء شراكات دولية قائمة على التمويل المختلط ونقل التكنولوجيا والخبرة الفنية، باعتبار ذلك أحد أعمدة النجاح في تحويل المدن الصناعية إلى بيئة إنتاج تنافسية”.
ورغم التحديات، يشير النعيمي إلى أن “نجاح النظام في دعم إعادة الإعمار الصناعي يمر عبر إزالة جملة من العقبات، في مقدمتها ضمان الاستقرار الأمني، وتوفير بنية تحتية لوجستية فعالة، وتنفيذ إصلاحات قانونية حقيقية تعزز الشفافية وتحارب الفساد، إلى جانب إصلاح القطاع المالي، وتمكين القوى العاملة من خلال برامج تدريب متخصصة تستجيب للاحتياجات المرحلية والمستقبلية”.
يشار إلى أن المدن الصناعية في سوريا، وعلى رأسها حسياء وعدرا والشيخ نجار، شهدت في السنوات الأخيرة تراجعًا كبيرًا في معدلات الاستثمار، نتيجة التحديات الأمنية والاقتصادية، وهو ما دفع الحكومة إلى إعادة النظر في بنيتها القانونية والتنظيمية لتحسين جاذبيتها الاستثمارية.
وتشير تقارير رسمية إلى أن نسبة الإشغال في بعض المدن الصناعية انخفضت إلى أقل من 35%، ما دفع الجهات المختصة إلى إطلاق حزم دعم متنوعة، كان آخرها النظام الجديد الذي تم الإعلان عنه.










