تشكل التحديات الاقتصادية والاجتماعية في سوريا عقبة رئيسية أمام عملية بناء الدولة وإعادة هيكلتها في أعقاب سنوات من النزاع، فالأزمات الاقتصادية، مثل ارتفاع معدلات البطالة وتدهور قيمة العملة المحلية، تقوّض قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية، وتعزز مظاهر الفقر والتفاوت الطبقي.
وفي المقابل، تؤثر التحديات الاجتماعية، كالنزوح الداخلي، والتهجير القسري، وانهيار البنية المجتمعية، في تفكيك الروابط المدنية وتقويض الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. ويُعدّ التغلب على هذه التحديات أمرًا جوهريًا لترسيخ الاستقرار السياسي، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وخلق بيئة تمكّن الدولة من النهوض بمسؤولياتها في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور خالد التركاوي، المختص في اقتصاديات الشرق الأوسط والمقيم في فرنسا، أن الحكومة السورية تواجه تحديات اقتصادية متعددة، من أبرزها: نقص الكفاءات البشرية، وغياب مؤسسات فعّالة، إلى جانب صعوبات مالية تتعلق بتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ البرامج ومشاريع إعادة الإعمار.
ويشير إلى أن التحديات لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضًا قضايا اجتماعية، مثل النزوح الواسع، وتدمير المنازل، وما يترتب عليه من أزمات في السكن والاستقرار، فضلًا عن تفشي الفقر نتيجة فقدان شريحة واسعة من المواطنين لوظائفهم. ويرى أن بالإمكان التعامل مع بعض هذه التحديات عبر الاستفادة من الطاقات البشرية المتاحة، لا سيما في إطار معالجة البطالة.
اقرأ أيضاً: اتفاقيات بأكثر من 6 مليارات دولار.. انطلاق منتدى الاستثمار السوري السعودي – 963+
المصلحة المشتركة عامل أساسي لتجاوز العقبات
فيما يتعلق بالبنية المجتمعية، يؤكد الدكتور التركاوي، في حديثه لـ”963+”، على أهمية التعاون بين مختلف المناطق السورية، مشددًا على أن تعزيز المصلحة المشتركة يُعدّ عاملًا أساسيًا في تجاوز العقبات وتحقيق أهداف اقتصادية فعالة. ويضرب مثالًا على ذلك بضرورة الربط بين الموارد والقدرات في مختلف المناطق، مثل التواصل بين مناطق زراعة القطن ومصانع النسيج، أو بين مراكز الإنتاج ومنافذ التصدير. ويحذّر من أن غياب هذا التعاون قد يؤدي إلى استمرار تعثر تحقيق المصالح الاقتصادية المشتركة.
وتواجه الدولة السورية تحديات اقتصادية عميقة تتعلق بدمار البنية التحتية الناتج عن الحرب، ما أدى إلى انهيار الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والنقل، إضافة إلى انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي. كما ساهمت العقوبات الاقتصادية الدولية في تقويض قدرة الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية وتمويل مشاريع التنمية، في وقت يعاني فيه القطاع الخاص، المعتمد بشكل رئيسي على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، من ضعف قدرته على تحفيز النمو الاقتصادي.
وتُشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من السكان يعيشون حاليًا تحت خط الفقر، في ظل غياب سياسات فاعلة لإعادة توزيع الثروات بشكل عادل، وتوفير بيئة استثمارية محفّزة للنهوض بالاقتصاد الوطني.
من جانبها، تؤكد الدكتورة سمر حبيب علي، عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية بوزارة التعليم العالي السورية، لـ”963+”، أن هشاشة البنية المجتمعية التي خلّفتها سنوات الصراع تُعدّ من أبرز العقبات أمام بناء دولة مستقرة. وتوضح أن النزوح واللجوء، سواء الداخلي أو الخارجي، أفرزا مشكلات اجتماعية عميقة، أبرزها فقدان الهوية المجتمعية، وتفكك الروابط الاجتماعية، فضلًا عن الضغط المتزايد على المجتمعات المضيفة، ما أدى إلى نشوء توترات ملحوظة.
وعن واقع الفقر والبطالة، تقول علي إن البلاد تشهد ارتفاعًا حادًا في نسبة الفقر المُدقع، مما أدى إلى تراجع كبير في القدرة الشرائية للمواطن، وانهيار عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة، لا سيما في مجالات التعليم والخدمات الأمنية. كما تُشير إلى أن النزاعات الطائفية خلّفت انقسامات مجتمعية عميقة تُعيق جهود المصالحة الوطنية، التي تُعدّ ركيزة أساسية في عملية إعادة بناء الدولة، داعيةً إلى تعزيز التكافل بين المواطن والدولة لترسيخ مفهومي المجتمع والمواطنة.
اقرأ أيضاً: واشنطن تبحث مع مسؤولين سوريين وأتراك وعراقيين رفع العقوبات عن سوريا – 963+
الفقر يعمق الهشاشة الاجتماعية
وتتابع حديثها قائلةً إن الفقر والبطالة من أبرز أسباب ضعف الروابط الأسرية، حيث ينشغل ربّ الأسرة بتأمين الاحتياجات الأساسية، ما يُقلّص فرص التواصل الأسري، ويُضعف الشعور بالانتماء، الأمر الذي ينعكس سلبًا على العلاقات داخل الأسرة والمجتمع ككل.
وفي الشأن الاقتصادي، تُشير علي إلى أن سوريا تواجه تحديات هائلة، أبرزها الدمار الشامل للبنية التحتية وانهيار الخدمات الأساسية، ما يتطلب استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار. كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل غير مسبوق نتيجة الانكماش الاقتصادي الحاد الذي خلّفه النزاع، ما أدى إلى انخفاض القدرة الشرائية، وإفلاس عدد كبير من الشركات.
وفي ختام حديثها، تؤكد علي أن موجات اللجوء والهجرة أدّت إلى فقدان رأس مال بشري مهم، خصوصًا من فئة الشباب، وهو ما يُهدد مستقبل عملية بناء الدولة. وتوضح أن انهيار النظام المالي والنقدي، وتدهور قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، أدى إلى تضخم كبير في الأسعار وصعوبات معيشية متفاقمة. وأضافت أن العقوبات الاقتصادية ساهمت في تعزيز عزلة سوريا على المستوى التجاري والاستثماري، ما عمّق الأزمة الاقتصادية الشاملة.
وفي شباط/فبراير الفائت، تعهّد الرئيس السوري أحمد الشرع بإعادة بناء الدولة على أسس حديثة ترتكز على العدالة والمشاركة المجتمعية، خلال خمس سنوات.
وأوضح الشرع، في مقابلة مع مجلة “الإيكونوميست”، أن سوريا عانت لعقود من تدهور اقتصادي وسياسي، حيث ركّز النظام السابق على البقاء في السلطة عبر القمع والاستغلال، ما أدى إلى تدمير الاقتصاد وظهور انقسامات اجتماعية حادة.










