مع تسلم الإدارة الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع مقاليد الحكم في سوريا مطلع عام 2025، يعود الجدل الاقتصادي ليطفو على السطح، ويتجدد النقاش حول طبيعة النموذج الذي ينبغي أن تتبناه الدولة في مرحلة إعادة البناء. هل تبقى سوريا على النهج المركزي الذي اتبعته لعقود، أم تمضي نحو لامركزية اقتصادية تواكب تعقيدات الواقع الجديد؟
الفرق الجوهري بين النموذجين
تقوم المركزية الاقتصادية على تركيز القرار المالي والتنموي في يد الحكومة المركزية، مع اعتماد الدولة على مؤسساتها الوزارية لتخطيط المشاريع وتوزيع الموارد. وغالباً ما يُنظر إلى هذا النموذج على أنه مفيد في حالات الطوارئ وتوحيد الجهود الوطنية، لكنه يحمل مخاطر التهميش والبيروقراطية.
أما اللامركزية الاقتصادية، بحسب ما أورده الخبير في الاقتصاد السياسي محمد سرميني في حديثه لـ”963+”، فتعني نقل الصلاحيات إلى السلطات المحلية المنتخبة أو المعينة، مما يمنح المناطق قدرة على وضع خططها التنموية وفقاً لاحتياجاتها الخاصة.
ويرى سرميني أن “هذه الآلية تفتح المجال أمام المجتمعات المحلية للمشاركة في القرار، وتساعد على إعادة بناء الثقة مع الدولة بعد عقود من الاستبعاد”.
ويضيف سرميني: “المركزية ساهمت في تعميق الفوارق التنموية بين المناطق، لا سيما بين المدن الكبرى والريف، في حين أن اللامركزية تتيح معالجة هذه الفجوات من الأساس، عبر التمكين الإداري والمالي للسلطات المحلية”.
ويتفق مع هذا الطرح الباحث في العلاقات الاقتصادية جلنك عمر، الذي يشير إلى أن “المركزية جعلت القرارات الاقتصادية معزولة عن الواقع الاجتماعي والمعيشي في كثير من المناطق السورية، بينما توفر اللامركزية فرصاً أوسع لتخصيص الموارد وفق الأولويات المحلية، ما يعزز الكفاءة ويقلص الهدر”.
ويضيف في تصريحه لـ”963+”: “إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس فقط صلاحيات موسّعة للمناطق، بل عقد اجتماعي يعيد هيكلة العلاقة بين المركز والهامش على أسس الشفافية والتوازن”.
اقرأ أيضاً: بين المركزية واللامركزية.. ما هو الأصلح لسوريا؟ – 963+
مزايا وعيوب
بحسب دراسة أعدّها مركز “كارنيغي للشرق الأوسط”، فإن الدول الخارجة من نزاعات طويلة غالباً ما تواجه تحديات في اختيار نموذجها الاقتصادي. وتوضح الدراسة أن اللامركزية كانت عنصراً حاسماً في إنجاح عملية إعادة الإعمار في دول مثل البوسنة، حيث سمح تمكين السلطات المحلية بمرونة أكبر في الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
لكن الدراسة نفسها تحذر من تطبيق غير محسوب للامركزية، مشيرة إلى تجربة السودان، حيث أدى غياب الرقابة المركزية والضعف المؤسسي إلى تعميق الانقسامات بدل ردمها.
من جانبه، يشير سرميني إلى أن المركزية ليست بالضرورة سلبية بالكامل، موضحاً أن “في بعض الحالات، وجود سلطة اقتصادية مركزية قوية ساهم في إنقاذ الدول من الانهيار، كما في فيتنام بعد الحرب، لكن النجاح هناك ارتبط بإصلاحات سياسية واقتصادية متزامنة، وهو ما لا يتوفر بعد في سوريا”.
ويضيف جلنك عمر أن المعضلة في سوريا لا تتعلق فقط بنموذج اقتصادي، بل بقدرة الدولة على إعادة تنظيم أولوياتها ضمن واقع سياسي هش، مؤكداً أن “تطبيق اللامركزية دون إطار دستوري واضح سيؤدي إلى صدامات أكثر من حلول”.
وفي هذا السياق، يحذّر عامر الديب، المستشار الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري، من التسرع في تبني اللامركزية الاقتصادية دون استيفاء الشروط السياسية والمؤسساتية، مشدداً على حاجة سوريا إلى مركز اقتصادي قوي يضمن إدارة موحدة للموارد وتوزيعها وفق أولويات وطنية.
ويؤكد الديب في تصريحات لـ”963+” على أن غياب البنية القانونية والرقابية قد يفتح الباب أمام قوى الأمر الواقع لاختطاف القرار الاقتصادي، ما يعمّق الانقسام بدلاً من تجاوزه.
اقرأ أيضاً: سوريا تجري أول تحويل دولي مباشر عبر نظام “سويفت” – 963+
ويرى الديب أن اعتماد “تحرير اقتصادي مُدار” هو الخيار الواقعي في هذه المرحلة، لتحقيق التوازن بين دور الدولة واحتياجات السوق.
كما يشير إلى أن “اللامركزية ليست مشروعاً إدارياً فقط، بل سياسي بامتياز، وقد تكون أداة إصلاح أو تفكيك بحسب الإطار الذي تُمارس ضمنه”، داعياً إلى ربط أي تحول اقتصادي بخارطة طريق وطنية تضمن التوازن والاستقرار.
بين الطموح والتحفظ
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الاتجاه نحو اللامركزية الاقتصادية لا يعني التخلي الكلي عن المركزية، بل البحث عن صيغة هجينة تتوافق مع خصوصية الحالة السورية. وهو ما يؤكده سرميني بالقول: “المطلوب ليس تفكيك الدولة، بل إعادة توزيع السلطات والموارد بما يضمن الكفاءة والتنمية المتوازنة، ويمنع عودة التهميش الذي فجّر النزاعات أصلاً”.
كما يؤكد عمر على ضرورة إنشاء مجالس محلية منتخبة بصلاحيات فعلية، وخطط إنفاق واضحة، وتوزيع عادل للثروات، بما يشمل المناطق التي كانت محرومة مثل الشمال الشرقي والبادية.
الانقسام في الرؤى حول أفضلية النموذج المركزي أو اللامركزي في الاقتصاد السوري لا يلغي أن البلد يقف أمام لحظة تاريخية لإعادة صياغة هياكله الاقتصادية على أسس عادلة. وإذا ما تم ضبط مسار اللامركزية بإطار قانوني، وإشراف مؤسسي، فإنها قد تصبح فرصة حقيقية لبناء عقد وطني جديد، يعيد الثقة، ويوزّع التنمية بعدالة.










