في خضم تصاعد التوترات الدولية وتنامي بؤر الجغرافيا الساخنة، تعود كوريا الشمالية إلى صدارة الاهتمام الدولي عبر ممر التصعيد اللفظي مع الولايات المتحدة والرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي هذا السياق، اعتبرت كوريا الشمالية مشروع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لبناء درع صاروخية تحت اسم “القبة الذهبية” تهديداً “خطيراً للغاية” يهدف إلى تسليح الفضاء، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الرسمية. وأبدت الصين وروسيا أيضاً مخاوفهما من المشروع. إذ اعتبر الكرملين أنه يقوض أسس الاستقرار الاستراتيجي، فيما أعربت الصين عن معارضتها الشديدة له.
وكان الرئيس ترامب قد أعلن، في وقت سابق من شهر أيار/ مايو الجاري، خلال كلمة ألقاها في البيت الأبيض، أن الإدارة الأمريكية اختارت التصميم الهندسي لنظام “القبة الذهبية للدفاع الصاروخي”، الذي تبلغ تكلفته نحو 175 مليار دولار. وأوضح ترامب أن النظام سيشمل أنظمة أرضية وبحرية وفضائية، مع توقع دخوله الخدمة قبل نهاية ولايته الرئاسية الثانية.
اقرأ أيضاً: الولايات المتحدة تتهم كوريا الشمالية بمحاولة سرقة أسرار عسكرية – 963+
الردع النووي
يرى الباحث في الشأن الأميركي كمال الزغول أن ارتفاع منسوب خطاب التصعيد فيما بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة خلال الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يفصح عن قلق طارئ في العلاقات، ولا توتر عابر على هامش المعروف في العلاقات الدولية وما تقتضيه شؤون السياسة، بل يندرج مباشرة في إطار معادلة توازن القوى وصياغة نظرية ترامب ومفهومه عن الردع الاستراتيجي.
ويضيف لـ”963+”: “بيد أن من الضروري الإشارة إلى أن بيونغ يانغ تعي ذلك جيداً؛ فالنظام الكوري لا ينظر لمساحات الحركة مع واشنطن بكونها خصماً تقليدياً، بل ككتلة صلبة في مسار صراعي تتباين فيه مؤشرات القوة ومدركات رئيسها ونهجه في السياسة الدولية”.
ويشير الزغول إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في فترته الحالية، يواجه ما راكمه من محاولات خلال فترته الأولى ولقاءاته المتعددة مع الرئيس كيم جونغ، وسط جهوده المتعددة في صياغة أفق سياسي خاص به، سواء تعلق ذلك بموسكو أو بكين، وأخيراً مع كوريا الشمالية.
ويضيف: “ربما الجميع يدرك، خاصة بيونغ يانغ، أنه لا ينبغي أن ينفرط عقد التوازنات، ويعي الجميع أن ثمة لحظة علينا جميعاً إدراك أهميتها، وهي عدم التغول في مسارات التهديدات الكبرى، ولا الوقوع داخل خبيئة الصراع الاستراتيجي لبيونغ يانغ مع واشنطن.”
من منظور استراتيجي، يشدد الزغول على أن محددات الصراع بين الطرفين ستبقى متوترة، على الأرجح، في الأفق المنظور، بيد أنها ستظل محكومة بسقف الردع النووي، لا بسيناريوهات الحرب التقليدية.
ويختتم الخبير في الشأن الأميركي حديثه قائلاً: إن كوريا الشمالية تدرك بأن ترامب يركز على المفاوضات أكثر من الحرب، لذلك ترى بأنها فرصة لتشديد تصريحاتها، في ظل تراجع أميركي في دعم أوكرانيا، واتفاق اقتصادي حول الضريبة مع الصين ودعم روسيا بشكل غير مباشر.
إذ يبدو أن مسار هذا التصعيد بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة يُنذر بعودة سباق التسلح، غير أن الأمر في صورته الراهنة يتعلق ببُعده الفضائي والسباق النووي، ما يُشير إلى تحوّل خطير ولافت في طبيعة التهديدات الاستراتيجية على المستوى العالمي. كما أن موقف الصين وروسيا الداعم لكوريا الشمالية قد يعزز من ملامح تشكّل العواصم الثلاث كـمحور في مواجهة النفوذ الأميركي.
اقرأ أيضاً: الكرملين: بوتين قد يكرّم عسكريين من كوريا الشمالية قاتلوا ضد الجيش الأوكراني – 963+
مواجهة تُهدد السلم العالمي
يشير السفير السوداني في لبنان سابقاً جمال محمد إبراهيم، إلى أن الساحة الدولية الراهنة تشهد تنافسًا حادًا على امتلاك الأسلحة النووية، في ظل صراعات متعددة باتت تستخدم أسلحة تنتمي إلى الجيل الجديد من التسلح، في اشتباكات غير مباشرة تشمل الطائرات المسيّرة والطائرات دون طيار، وامتدت آثارها إلى العديد من مناطق التوتر حول العالم.
ويتابع في تصريحات لـ”963+”، “أسلحة الجيل الجديد، المدعومة بالتقنيات الرقمية والطائرات المسيّرة، أصبحت تُدار من خلال قدرات افتراضية، بل ومن خلال الذكاء الاصطناعي أيضاً، مما يجعل التحكم في تداعيات مثل هذه الحروب أمرًا بالغ الصعوبة”.
ويضيف أن التصعيد المتنامي في هذا النوع من الحروب دفع بالعالم إلى حافة المواجهة النووية، وهي مواجهة تهدد السلام العالمي، بل وقد تقود البشرية إلى مرحلة الدمار الشامل، إذا لم يتم تداركها بإرادة جماعية وواعية.
وفيما يتعلّق بالإطار القانوني والدولي، يشدد إبراهيم على أن الأساليب التي توافق عليها المجتمع الدولي، والتي تستند إلى مواثيق الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها المتخصصة، باتت في حالة من التآكل، إن لم تكن عاجزة بالفعل عن احتواء ظاهرة التنافس المحموم لامتلاك الأسلحة النووية.
ويردف قائلاً: “لقد صار حريًّا بالدول الكبرى أن تبحث عن سبل بديلة للتحاور حول صيغة جديدة لضبط هذا التنافس، خاصة وأنه لم يعد مقتصراً على لاعبين تقليديين اثنين أو ثلاثة كما كان في عهد الحرب الباردة، بل إن السلاح النووي وأسراره تسرّبت إلى دول كانت تُصنف ضمن بلدان العالم الثالث، مثل الصين والهند وباكستان وإيران وكوريا الشمالية”.
ويؤكد إبراهيم، أن هذا الواقع الجديد يستوجب إعادة تعريف الحوار النووي العالمي، ليكون سعياً نحو تسخير الطاقة النووية لأغراض سلمية لا قاتلة، وبما يُبعد البشرية عن الفناء الذاتي الذي قد ينجم عن أي انزلاق غير محسوب.
سخط دولي
يقول الخبير العسكري المصري اللواء ياسر هاشم، إن إعلان ترامب عن “المظلة الذهبية” لحماية الأجواء الأميركية، يثير مخاوف من إبطال نظرية الردع المتبادل، التي تُعدّ ركناً أساسياً في منظومة الأمن العالمي.
ويشير لـ “963+”، إلى أن “كلمة السر” في اتخاذ كوريا الشمالية هذا الموقف التصاعدي قد تكون المعاهدة الروسية الكورية الأخيرة، والتي في تقديره سترتقي بالإمكانيات والقدرات العسكرية الصاروخية لكوريا الشمالية.
ويلفت إلى أن كوريا، وإن لم تكن دولة ذات تأثير إيجابي على المستوى العالمي أو حتى الإقليمي، فإنها تقتنص دورها عبر إمداد بعض الدول وربما بعض المنظمات بالصواريخ والأسلحة. مشدداً على أن بيونغ يانغ تستغل حالة السخط الدولي وعدم الرضا عن سياسات ترامب والولايات المتحدة، لتوسيع نفوذها وإثبات جدارتها من خلال علاقاتها مع الجارتين المهمتين جداً لها الصين وروسيا.










