تتصدر العلاقات السورية الإسرائيلية، وإمكانية التوصل لاتفاق تطبيع بين الجانبين بعد سقوط نظام بشار الأسد، المشهد في منطقة الشرق الأوسط خلال هذه الفترة، في ظل تغير بنبرة تل أبيب تجاه الحكومة السورية الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، عكستها تصريحات وزير الخارجية جدعون ساعر الأسبوع الماضي، والتي قال فيها إن تل أبيب تريد علاقات جيدة مع النظام السوري الجديد، وذلك بعد تصعيد إسرائيلي عسكري وسياسي تجاه دمشق خلال الأشهر الخمسة الماضية، تخللها توغلات وقصف غير مسبوق، ووصفه السلطة الجديدة بـ”المتطرفة والإرهابية”.
وخاضت سوريا وإسرائيل على مدى العقود الأربعة الماضية، عدة جولات من المحادثات غير المباشرة بهدف التوصل إلى تفاهمات أو سلام دائم، أعقبت سيطرة الجيش الإسرائيلي على هضبة الجولان السورية عام 1967، وحرب تشرين عام 1973، حيث بدأت باتفاقية “فض الاشتباك” عام 1974، التي تضمنت خطين رئيسيين هما “ألفا” و “برافو” يفصلان المواقع العسكرية للطرفين، يتوسطهما منطقة عازلة تخضع لإشراف الأمم المتحدة تعرف بـ”الأندوف”، وصولاً إلى مؤتمر مدريد عام 1991 برعاية أميركية أوروبية، قبل أن تتوقف هذه المحادثات في آذار/ مارس عام 2000 دون التوصل إلى نتائج، أعقب ذلك فترة من الجمود استمرت لأقل من عقد.
اقرأ أيضاً: مسؤول إسرائيلي: الإدارة الانتقالية قدمت بوادر حسن نية تجاه تل أبيب – 963+
مفاوضات علنية
وفي عام 2007، حاولت تركيا إعادة إحياء مسار المحادثات بين دمشق وتل أبيب، مستغلة علاقاتها الجيدة حينها مع الطرفين، فبدأت في شباط / فبراير من ذلك العام هذا المسار بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت إلى أنقرة، ولقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث سعت السلطات التركية لنقل رسائل ولعب الوساطة من أجل الوصول إلى تسوية.
وتميز الموقف السوري في المفاوضات السابقة بحسب تقارير، بالإصرار على شروط محددة، أبرزها أن تكون المفاوضات علنية وغير مباشرة، وأن تستند إلى التزام إسرائيلي مسبق بالانسحاب إلى حدود 4 حزيران/ يونيو عام 1967، ما يعني استعادة هضبة الجولان بالكامل، حيث كانت هذه المطالب تشكل حجر عثرة أمام تقدم المفاوضات، إذ رفضت إسرائيل مراراً الالتزام المسبق بالانسحاب الكامل من الجولان قبل بدء المفاوضات الجدية.
وتقول التقارير، إن “الموقف الإسرائيلي لم يكن موحداً تجاه المفاوضات مع سوريا بوساطة تركية، بل تأرجح بين الرفض والتلكؤ والتهرب، وقد برزت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ممثلة بوزير الدفاع إيهود باراك ورئيس هيئة أركان الجيش غابي أشكنازي ورئيس المخابرات العسكرية عاموس يدلين، كداعم رئيسي لاستئناف المفاوضات، كان هذا الدعم نابعاً من رؤية أمنية استراتيجية تعتبر إيران ومشروعها النووي وحلفائها في المنطقة الخطر الأكبر على إسرائيل.
وكشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، الأسبوع الماضي، عن عقد مسؤولين بالحكومة السورية الانتقالية ثلاثِ جولات من المحادثات مع مسؤولين إسرائيليين في العاصمة الإماراتية أبو ظبي، وعقدت في منزل شخصية بارزة في حكومة إمارة أبوظبي، وبرعاية وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان ومستشار الأمن الوطني في الإمارات طحنون بن زايد آل نهيان.
وذكرت الصحيفة الإسرائيلية، أن الوفد السوري ضم ثلاثة من المقربين من رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، فيما ضم الوفد الإسرائيلي اثنين من الأكاديميين ذوي الخلفية الأمنية، مشيرةً إلى أن المحادثات كانت استكشافية وغير ملزمة للطرفين، مع رفع كل طرف تقاريره إلى قيادته العليا، وأن المسؤولون السوريون أعربوا عن استيائهم من تحركات الجيش الإسرائيلي داخل الأراضي السورية والسيطرة على تسعة تلال جنوب غربي البلاد.
معوقات التسوية
يقول الكاتب والمحلل السياسي جودت الجيران المقيم في ألمانيا، إن المفاوضات السابقة بين سوريا وإسرائيل تعثرت لعدة أسباب، أبرزها موقف النظام السابق وإصراره على الانسحاب الكامل من هضبة الجولان السوري حتى حدود 4 حزيران عام 1967، ورفض أي تسوية لا تشمل ذلك، ولا نعلم إن كان ذلك الموقف المتشدد هو نتيجة توجه وطني أو نوع من البروباغندا لإسكات الداخل السوري، مقابل رفض إسرائيل القاطع الانسحاب من الجولان، وتعزيز الاستيطان فيه واعتباره منطقة استراتيجية.
ويضيف الجيران في تصريحات لـ”963+”، أن “من أبرز الأسباب الأخرى لتعثر المفاوضات السابقة بما في ذلك مؤتمر مدريد عام 1991، ومفاوضات واشنطن عامي 1996 و 2000، هو غياب الثقة المتبادلة والتأثيرات الإقليمية مثل النفوذ الإيراني في سوريا، إلى جانب أن الولايات المتحدة لم تمارس ضغطاً كافياً على إسرائيل، إلى جانب تخلي تركيا عن الوساطة بالمفاوضات بعد توتر علاقاتها مع إسرائيل”.
اقرأ أيضاً: اتفاق بين إسرائيل وتركيا في سوريا.. تجنب التصادم أم تقاسم النفوذ؟ – 963+
ويرى مستشار الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية محمد عبد الواحد، المقيم في القاهرة، أن “من معوقات التسوية بين سوريا وإسرائيل هي فقدان الثقة المتبادلة، حيث أن تل أبيب تدّعي أن الجولان هو أرض إسرائيلية، وعزز هذا التوجه الاعتراف الأميركي بالسيادة الإسرائيلية عليها خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، وإعلانها أيضاً ان اتفاقية عام 1974 لاغية، وعليه فإن أي مفاوضات حالية ستركز على التهدئة دون إثارة قضية الجولان”.
ويقول لـ”963+”، أن “المعوقات على الجانب السوري تتمثل في التوترات الطائفية وقضية دمج الفصائل في الجيش السوري، ووجود جماعات متطرفة، وغياب الاستقرار السياسي وانهيار الاقتصاد، إلى جانب وجود تدخلات إقليمية مثل تركيا التي زاد نفوذها منذ وصول الإدارة السورية الانتقالية إلى السلطة”.
وكان رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، قد أكد خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارته إلى فرنسا في 7 أيار/ مايو الجاري، وجود محادثات غير مباشرة مع إسرائيل برعاية دولة عربية من أجل التهدئة ووقف هجماتها على الأراضي السورية، معتبراً أن “تلك الهجمات تهدد الاستقرار الإقليمي”.
ويشير الجيران، إلى أن “خيارات الإدارة السورية الجديدة بشأن المفاوضات مع إسرائيل لا تزال محدودة، لأنها هي نفسها تواجه خيارات محدودة، وقد تضطر إلى الانفتاح على إسرائيل بشكل كبير وغير مسبوق لتحسين علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة وكسب التأييد الدولي، لكن هذا الجموح السوري يواجه ببرود وحماس شبه معدوم من قبل إسرائيل، التي تريد أن تجعل مجرد قبولها للسلام في الوضع الحالي هو إنجاز وتضحية منها، إلى جانب الضغوط الداخلية السورية من أطياف متعددة ترى في التطبيع خيانة لدماء الضحايا وانقلاباً على مواقف وطنية تاريخية وثوابت سورية قبل أن تكون فلسطينية”.
ويعتبر أن “تركيا وبعض الدول العربية يمكنها لعب دور في الوساطة بين سوريا وإسرائيل رغم التوترات السابقة، وقد تستخدم أنقرة نفوذها لدى الحكومة السورية الانتقالية لدفعها نحو التطبيع، حيث يحاول الجميع الاستفادة من هذه الفرصة كل لأهدافه الخاصة، لكن غياب الثقة بين دمشق وتل أبيب، وتخوف الأخيرة من توجهات بعض قيادات الحكومة السورية يعقد أي وساطة حقيقية”.
يشار، إلى أن المفاوضات السورية الإسرائيلية، اكتسبت زخماً ودفعاً إضافياً في عام 1995 خلال عقد جولات في ولاية ميرلاند الأميركية برعاية واشنطن، وتركزت المحادثات على أربعة عناصر أساسية هي الانسحاب الإسرائيلي من الجولان والسلام والترتيبات الأمنية ومراحل التنفيذ، وقال وزير الأمن الإسرائيلي موشي شاحال حينها، إن إسرائيل على استعداد للانسحاب من هضبة الجولان في حال الاقتناع بنية سوريا السليمة، إلا أن فوز اليمين الإسرائيلي بزعامة بنيامين نتنياهو برئاسة الحكومة في عام 1996، وإعلانه أن “أي سلام يجب أن يرتكز على السيادة الإسرائيلية على الجولان”، أدى لانهيار المفاوضات.










