كشف موقع “ميدل إيست آي” الأميركي أمس الأربعاء، أن إسرائيل وتركيا اتفقتا على تجنب الصدام العسكري والاشتباك في سوريا، ونقل الموقع عن مصادر وصفها بالمطلعة، أن “تل أبيب وأنقرة توصلتا لاتفاق على إنشاء خط اتصال مباشر على مدار الساعة بينهما، لحل أي تعقيدات عسكرية وشيكة في سوريا بشكل سريع، ومنع أي حوادث غير مرغوب فيها بين جيشي البلدين”.
الاتفاق الإسرائيلي – التركي، جاء بعد موجات من التصعيد الكلامي بين الجانبين بشأن الانتشار والتوسع في سوريا، في ظل مخاوف إسرائيل من أن تركيا أصبحت تشكل تهديداً أمنياً يجب أن يؤخذ في الحسبان ضمن استعدادات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية للسنوات القادمة، وفق ما كشف موقع “ناجل” الإسرائيلي في كانون الثاني/ يناير الماضي، في مقابل تنديد أنقرة المتكرر بالقصف والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، واعتبار ذلك تهديد مباشر لاستقرار المنطقة.
موقع “ميدل إيست آي”، ذكر نقلاً عن أحد المصادر، أن “تركيا عرضت نشر قواتها البرية في سوريا، بما في ذلك المركبات المدرعة والمشاة، على ألا تكون مواقعها مجهزة بمعدات قادرة على تسجيل تحركات الطائرات الإسرائيلية، وخاصة أنظمة الدفاع الجوي ومحطات الرادار، وأن إسرائيل لم تعترض على ذلك، طالما أنه لا يشكل تهديداً لعمليات الجيش الإسرائيلي”، وأن “الإسرائيليين مستعدون للانتشار التركي شمالي تدمر”.
ومن جانبها، نقلت صحيفة “إسرائيل هيوم” الإسرائيلية عن مصادرها، أن “إسرائيل وتركيا توصلتا لتفاهمات بشأن تنسيق أنشطتهما العسكرية في سوريا بهدف منع الاحتكاك بين قوات الجانبين”، وقال أحد المصادر، إن “إسرائيل لا تمانع إلى حد كبير، قيام تركيا بنشر قوات برية في سوريا، بما في ذلك الدبابات والمشاة”، مشيراً إلى أن “تل أبيب تمسكت بمطلب بقاء جنوبي سوريا منطقة منزوعة السلاح”.
وأضاف المصدر أن “السؤال الرئيسي كان القواعد في منطقة تدمر ومطاراتها، والمكان الذي ستضع فيه أنقرة أنظمة الدفاع الجوي والرادارات دون مراقبة العمليات الجوية الإسرائيلية”، موضحاً أن “النقاش يركز على ما يُسمى خط النخيل، وهو منطقة مجاورة لمدينة تدمر وسط سوريا، وتضم قاعدة تي فور الجوية، والتي استخدمها الحرس الثوري الإيراني على نطاق واسع، وكانت جزءاً من ممر لوجستي لإمدادات الأسلحة لـ “حزب الله”، وقصفتها إسرائيل مراراً”.
اتفاق مرحلي لتثبيت الاستقرار
الباحث في مركز “جسور” للدراسات رشيد حوراني، يقول في تصريحات لموقع “963+”، إن “الاتفاق بين تركيا وإسرائيل هو مرحلي وسعت إليه تركيا لضمان استمرار العمل على استقرار سوريا، ووقف التقدمات البرية وعدم الانجرار إلى فعل ورد فعل، خاصةً أن السوريين متحفزين لمواجهة إسرائيل لرغبتهم في العمل على بناء الدولة السورية”.
ويشير، إلى أن “مواجهة شبان سوريين لدورية إسرائيلية في بلدة “كويا” بريف درعا الغربي، أواخر آذار/ مارس الماضي، دليل على رغبة السوريين بوضع حد لإسرائيل من أجل التفرغ لبناء بلدهم”، معتبراً أن “إسرائيل تتخوف من نفوذ تركيا في سوريا لأنها ترى في كليهما (تركيا وسوريا الجديدة)، يحملان العقيدة السياسية والفكرية والدينية المتفقة على أن إسرائيل دولة احتلال”.
صفقة إقليمية
يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية صلاح قيراطة، المقيم بالعاصمة الإسبانية مدريد، إن “الاتفاق بين أنقرة وتل أبيب، إن صح توصيفه بذلك، يبدو أنه يرتكز أولاً على تجنّب الاشتباك الميداني المباشر، خاصة في ظل تعقّد المشهد وتشابك خطوط التماس بين القوى الإقليمية والدولية، فتركيا تسيطر فعلياً على مناطق شمال سورية، ولها وجود عسكري واستخباراتي مباشر، بينما إسرائيل تواصل استهداف البنى التحتية المرتبطة بإيران و”حزب الله” في الجنوب والوسط السوري”.
ويرى خلال تصريحات لموقع “963+”، أن “إسرائيل لا تريد تصعيداً مع دولة عضو في حلف الناتو، فيما تفضل تركيا التركيز على الأكراد وملفات الحدود، دون الدخول في مواجهة مع إسرائيل، لكن ما هو أبعد من ذلك، ويُلمح إليه صعود أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا واستبعاد النظام السابق، هو وجود صفقة إقليمية غير معلنة، تشي بتفاهم أميركي على إعادة رسم خريطة النفوذ في سوريا، ويبدو أن الولايات المتحدة تفضّل مزيجاً من النفوذ التركي-الإسرائيلي، على حساب النفوذ الإيراني أولاً، والروسي ثانياً، خاصة بعد تآكل الدور الروسي بسبب حرب أوكرانيا، والعقوبات الغربية، والتراجع الاقتصادي”.
توزيع أدوار لا تقاسم نفوذ
ويوضح، أن “تركيا تقدم نموذجاً مرناً، كلاعب إقليمي قوي، لديه مصالح أمنية واضحة، لكنه براغماتي ويمكن احتواؤه غربياً، فيما إسرائيل تحافظ على خطوطها الحمراء الأمنية، ولها علاقات استراتيجية مع واشنطن، ومن هنا، فإن تقاسم النفوذ لا يعني تقسيم الأرض، بل توزيع أدوار تحت سقف أميركي، وعليه فإن شكلاً من النفوذ يتبلور لا يعتمد على الاحتلال المباشر أو القواعد العسكرية الضخمة بل على النفوذ الوظيفي، من استخبارات واقتصاد وإعادة إعمار، والتحكم في مخرجات السلطة الجديدة في سوريا، وربما إعادة صياغة الهوية السورية السياسية بطريقة لا تتعارض مع المصالح الإسرائيلية والتركية والأميركية معاً”.
وكانت طائرات إسرائيلية، قد شنت مطلع نيسان/ أبريل الماضي، غارات على مواقع عسكرية في العاصمة السورية دمشق ومحافظتي حماة وحمص، بما في ذلك مطار حماة العسكري، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وطالت الغارات مطار “تي فور” بريف حمص الشرقي، ومركز البحوث العلمية في منطقة برزة بدمشق.
وأفادت وكالة رويترز نقلاً عن مصادر حينها، أن “فرقاً تركية أجرت زيارات تفقدية لثلاث قواعد جوية على الأقل في سوريا، قد تنشر فيها قوات تركية كجزء من اتفاق دفاعي مشترك مزمع، قبل أن تتعرض هذه القواعد لقصف إسرائيلي.
ونقلت الوكالة عن مسؤول استخباري إقليمي ومصدرين عسكريين سوريين ومصدر سوري آخر مطلع، إنه زارت فرق عسكرية تركية قاعدتي “تي فور” و تدمر الجويتين بريف حمص الشرقي، والمطار الرئيسي في محافظة حماة وسط البلاد، وقيّمت حالة مدارج الطائرات وحظائرها وغيرها من البنى التحتية في القاعدتين، أرادت تل أبيب من خلالها إرسال رسالة قوية مفادها أنها لن تقبل بوجود تركي موسع”.
توازنات جديدة
وبدوره، يؤكد الباحث والأكاديمي عرابي عرابي، أن “الاتفاق الإسرائيلي التركي في حال حدوثه فإنه سيكون علامة على بداية توازنات جديدة في سوريا بعد تراجع النفوذ الروسي وخروج إيران من المشهد، إلا أن الفرق بين الطرفين هو أن إسرائيل تتخوف من الحكم الجديد وتتخوف من تبدل الموازين في المشهد بينما تدعم تركيا هذا الحكم وتبحث عن الأمن الحدودي والنفوذ الاقتصادي والسياسي”.
ويوضح خلال تصريحات لموقع “963+”، أنه “بكل تأكيد فإن الحكومة السورية الانتقالية سوف تستفيد من الاتفاق بين تركيا وإسرائيل في حال حدوثه، بتحييد الجبهات المفتوحة والحصول على دعم لإعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار”.
تقاسم نفوذ ناعم
وبحسب قيراطة، فإن “ما يحدث بين إسرائيل وتركيا في سورية ليس مجرد تجنّب للاشتباك، بل بداية لمرحلة تقاسم نفوذ ناعم ومدروس، قد يكون بديلاً عن المرحلة السابقة التي تسيّدتها طهران وموسكو، وذلك بموافقة ومباركة أميركية ضمن إطار تسوية أوسع للملف السوري، لافتاً إلى أن “تركيا، رغم تناقضاتها مع إسرائيل، ترى في الوجود الإيراني تهديداً لتوازن النفوذ في الشمال السوري، وعليه فإن أي تفاهم ضمني أو صريح بين أنقرة وتل أبيب قد ينعكس عبر غضّ الطرف عن ضربات إسرائيلية محددة داخل سوريا، خصوصاً قرب مناطق التماس في إدلب واللاذقية…
ويعتبر، أن “إسرائيل يمكن أن تحصل من الاتفاق مع تركيا، على تخفيف الحصار السياسي الإقليمي عليها، أي إحداث اختراق في العلاقة مع تركيا، وهي عضو في الناتو وصاحبة نفوذ في الشمال السوري، يُعد مكسباً استراتيجياً، إضافةً إلى أنه من المرجح أنها حصلت على “تفاهم ضمني” يسمح لها بمواصلة عملياتها ضد الأهداف الإيرانية في سوريا دون تدخل تركي”.
وفي المقابل، “تحصل تركيا على دعم سياسي غربي أو أميركي غير مباشر، حيث أنها من خلال تحسين العلاقة مع إسرائيل، ترسل رسالة بأنها تعود تدريجياً للمعسكر الغربي، ما ينعكس على ملفات مثل صفقة طائرات “إف16″، أو تخفيف الضغوط الاقتصادية، إلى جانب أن هذه العلاقة تفتح أبواباً أوسع مع روسيا والولايات المتحدة، إضافةً للمكاسب الاقتصادية مثل التعاون في مجال الطاقة وتصدير الغاز من إسرائيل إلى أوروبا عبر تركيا”، وفقاً لأستاذ العلوم السياسية.
ويشدد، على أنه “إذا كان المقصود بالاتفاق تقاربًا إقليميًا أو دوليًا (مثلاً تفاهم أمريكي- روسي، أو إعادة ترتيب أدوار القوى الفاعلة في الجنوب السوري)، فإن ذلك سينعكس مباشرة على السويداء، حيث أن تفضيل إسرائيل لحكومة مركزية مستقرة في دمشق يمكن أن يصطدم بواقع ضعف هذه الحكومة في الجنوب، مما يدفعها لتقبل وضع “اللامركزية الفعلية” في السويداء لاسيما أنه من المؤكد أنه لن ينتج عنه تهديد أمني لها”.
أما فيما يتعلق بشمال شرق البلاد وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، يرى قيراطة، أن “إسرائيل لم تعلن دعمًا رسميًا لقسد، لكنها تعتبر أن أي كيان غير تابع لدمشق وضعيف الصلة بإيران هو مكسب غير مباشر لها، لذا فإذا حصل تقارب بين الولايات المتحدة وتركيا، أو بين قسد ودمشق برعاية روسية، فإن إسرائيل قد تجد أن بقاء الإدارة الذاتية تحت صيغة تفاهم مع دمشق أفضل من سيطرة تركية أو فوضى، لكنه يشير، إلى أنه “في حال كان الاتفاق يقضي بتثبيت سلطة دمشق بدعم دولي، فقد تضطر قسد لقبول تسويات داخلية، ما قد يقلل من تنوع مراكز القوة الذي كانت إسرائيل تستفيد منه”.










