من الدراما السورية انطلقت بعد أن بصمت، فوصلت إلى لبنان وصنعت فيها أمجادها الأولى بمسلسلات عربية مشتركة ذاع صيتها، ثم طارت إلى الخليج العربي فنجحت، ومنها إلى الدراما المصرية التي لا تفتح أبوابها عادةً إلى لكل “طويل عمر” لتحصد هناك نجاحاً أثار اهتمام المصريين أنفسهم.
وتسعى دوماً إلى إثارة العديد من القضايا الشائكة ولفت الأنظار إلى مشاعر إنسانية، قد تعكس بعضها شيئاً من الذات، ولطالما اتسمت أعمالها بالواقعية مستندة بها إلى قصص حقيقية، من دون أن تلجأ إلى الحكايا التي ينسجها خيال الكاتب وحده، منفصلاً عن الواقع.
وبخطوات مدروسة، استطاعت أن تضع اسمها بين أسماء كتّاب الدراما في العالم العربي، ورغم اقتحامها عالم الدراما بسن صغيرة، إلا أنها أظهرت نضجاً وجدية فيما تطرحه من أفكار تلامس الشارع.
وتُعد أعمالها مرآة صادقة لواقع المجتمع العربي، بحيث تناولت القضايا التي طالما هُمشت في الدراما السائدة، فلم تكن مجرد كاتبة سيناريو، بل سيناريست منحازة للإنسان، مسلطة الضوء على معاناته وداعمة لقضاياه.
ويحمل رصيدها ما يقارب الثلاثين عملاً درامياً، منها: “صبايا، علاقات خاصة، مذكرات عشيقة خاصة، جريمة شغف، مدرسة الحب، الرحلة، ببساطة، الميراث، عرابة بيروت”.
إنها السيناريست السورية نور شيشكلي التي حلت على لـ”963+” من خلال الحوار التالي:
البداية من مسلسلك الأخير “خطيئة أخيرة” وهو اسم يرتبط بالذنوب والخطايا، فما هي رمزية هذا الاسم في عملك؟
يوجد دلالة من اسم العمل لما يحمل منه مضمون، بحيث كان يكفي شخصيات العمل ارتكاب خطيئة واحدة لتتغير حياتها على نحو لا يمكن أن تعود لسابقها، والذنوب والخطايا موجودتان في حياة كل البشر، وهما تحرّكنا وربما تحرّك أقدارنا أيضاً.
وفي هذا العمل لا وجود للحد الفاصل بين الخير والشر، بحيث لا يمكن أن نصف إنسان بأنه طيب إلا إذا كانت لديه الفرصة للأذية ولم يقم بها، حيث يتنافس البشر في قتال محموم دائم ضمن النوازع البشرية للبقاء والسيطرة والتفوق والانتصار، فهل ينجو الطيبون في هذه الحياة؟
اقرأ أيضاً: لوحات فنانة فرنسية تجسد 50 عاما من ذكريات سوريا – 963+
ترتبط الخطيئة بالتوبة والعودة عن الخطأ أيضاً، فهل يرمز ذلك إلى عودة شخصياتك إلى الطريق الصواب أم تعني الموت المحتم؟
لا تنتهي كل المصائر بموت محتم، فثمة موت أكثر قساوة وهو أن نموت ونحن لا نزال على قيد الحياة.
شخصيات العمل تقاتل للبقاء كل منها حسب منطقه الخاص. أما التوبة فتلك خديعة نخدع أنفسنا بها عندما نسمي خطيئتنا ونبررها على أنها ستكون الأخيرة.
“خطيئة أخيرة” عنوان لأكثر من رواية عربية، فهل من رابط بين المسلسل وإحدى الروايات مثلاً؟
العمل غير مقتبس ولا علاقة له بأي رواية أو أي عمل قُدّم سابقاً، ولا وجود لأي رابط بينه وبين أي رواية قد تحمل الاسم نفسه.
ما رأيك بالموسم الدرامي السوري المنصرم؟ هل لفت نظرك عمل ما؟ أم أعجبك أداء ممثل بعينه؟
بدايةً يجب أن نقف حقيقةً أمام الجهود المبذولة لكل الأعمال الدرامية التي قاتل صنّاعها لأجل تنفيذها وإيصالها إلى العرض رغم كل الظروف التي عشناها وشهدناها، سواء حققت النجاح الذي يتأمله صنّاعها أم أنها لم تلق الاستحسان المطلوب.
عموماً لا أحد منّا يستطيع الرهان على مزاج الجمهور وما يعجبه، ومن الخطأ الحكم على الأعمال من وجهة نظرنا نحن، لأننا لا نشاهد كما يشاهد الجمهور، فالمادة التلفزيونية مادة ترفيه وتسلية يتلقاها الجمهور، أما بالنسبة لنا فهي صناعة لها شروطها التي ربما أحياناً لا يلتفت لها الجمهور الذي يشاهد العمل ككل.. وربما يلحق نجماً يحبه فقط.
بالنسبة لي شاهدت الكثير من الأعمال كاملةً، والباقي كان لي فرصة أن أتابع بعضاً من حلقاتها، وما لفت نظري ليس عملاً برمته ولا أداء ممثل، بل ما لفت نظري أننا لم نتوقف عن الانحدار ولا زلنا مصرين عليه.. فلم يتعب كاتب في بناء حكاية منسوجة بحرفية عالية.. والاستسهال والقوالب الجاهزة والمصادفات الدرامية والحلول السهلة لا زالت موجودة.
حلم المنافسة بات بعيداً جداً عنا، كل شيء يبدأ من الورق وينتهي به، ومن اللافت أن الجمهور بدأ يدرك الأمر، فينتقد حكاية العمل بعيداً عن أداء الأبطال، ومهما كان المخرج عظيماً لا تستطيع عضلاته الإخراجية إنقاذ ورق ضعيف.
لفت نظري على نحو خاص أننا نمتلك نجماً لديه أدوات كوميدية مخيفة وللأسف لا يتم استغلالها.. إنه تيم حسن المصّر على تقديم الدراما والأكشن رغم أنه ممثل كوميدي من الطراز الرفيع، وربما النادر.. ورغبت لو يخرج من عباءته ويُقدّم عملاً كوميدياً يستخدم به أدواته المخفية.
أشيد أيضاً بالمسلسل المصري “لام شمسية” وأحيي جرأة صنّاعه وأغار قليلاً من نجاحهم رغم أنني قدّمت الفرضية نفسها قبل أربع سنوات في مسلسل “ضحايا حلال”، لكن ربما كان الجمهور غير جاهز لتلقي ضربة قاسية كتلك التي قُدّمت في “لام شمسية”، وتم إيقاف عرض مسلسلي عندما تطرقنا لـ”البيدوفيليا” (الانجذاب الجنسي للأطفال).
عموماً أحترم من لايزال يقاتل على تقاليد المهنة ويحترمها ويقتنع أن الدراما قوة ناعمة قادرة على التغيير والتوعية.
كثيرون سخروا من بعض الأعمال الكوميدية هذا العام، فما رأيك بها وما سبب تراجع هذا النوع من الدراما في سوريا؟
السبب واضح.. فمن منا يجرؤ على كتابة الكوميديا وهي أصعب أنواع الكتابة؟ أرى أن على الكاتب الكوميدي أن يمتلك ثقافة مخيفة لينجح في تحويل الكوميديا إلى إسقاط وليس مجرد إلقاء النكات و”الإيفيهات”.
جمهورنا كان بحاجة لهذا المتنفس، كان بحاجة لجرعة كوميدية مشغولة بحرفية وكان بحاجة لابتسامة ربما.. لضحكة تنسيه وجع سنوات طويلة.
أنا لا أحكم ولا أقدّم حكماً نقدياً بل أترك الأمر لأصحاب الشأن، لكن إن كنا نتحدث عن تراجع هذا النوع من الدراما في سوريا التي كانت سبّاقة في تقديم الأعمال الكوميدية التي غزت الوطن العربي بأكمله، فعلينا أن نسأل أنفسنا، أين كتّاب الكوميديا رواد هذه الحرفة؟ أين عرابو الكوميديا السوريين؟ أين مازن طه وممدوح حمادة؟ أنا حتى اللحظة بعد 21 سنة من امتهان الكتابة أتهيب ولا أجرؤ أن أكتب عملاً كوميدياً.
يتساءل البعض عن مسلسلين تم إنجاز نصفهما في أعوام سابقة، وهما “الشعلان” و”المشهد الأخير” فما مصيرهما؟
بالنسبة للمسلسل الأول فأستطيع أن أقول إنه سقط بالتقادم، فالحياة متسارعة وكل يوم تتسابق المحطات والمنصات لتقديم مشاريع وأعمال جديدة، وأتوقع أن “الشعلان” أصبح عملاً قديماً ولو قُدّم في وقته لكان سيحمل شيئاً جديداً، أما اليوم فأصبح بعيداً عما يُقدم، فالكاتب يطور أدواته كل يوم ويتعلم شيئاً جديداً كل لحظة، وبالنسبة لي فقد انتهى المشروع.
أما “المشهد الأخير” فهو حالة مختلفة تماماً، حتى اللحظة لم نر عملاً يشبهه لنعتبر أن الحكاية احترقت أو تم تقديمها، وحتى اللحظة متفائلة جداً به.. وربما اليوم هو وقته أكثر من أي يوم لأنه يحكي تفاصيل صناعة الدراما بأكملها وكأننا نقدّم مسلسلاً نقول فيه “كيف نصنع مسلسلاً؟ وكيف يبصر النور؟”، نأخذ الجمهور إلى كواليس تلك الصناعة وكواليس النجوم، خاصة مع انتشار “السوشيل ميديا” اليوم حيث أصبح الجمهور يتابع الممثلين لالتقاط بعض تفاصيل حياتهم ومواقع التصوير وآلية إنجاز مسلسل، فـ”المشهد الأخير” يأخذهم تماماً إلى هذا العالم الذي يرونه غامضاً، ولهذا المشروع عرّابه الذي تبناه وهو المنتج عماد ضحية والذي لايزال حتى اليوم يضعه في قائمة أعماله التي يقرر تنفيذها، ولا أتوقع أن العمل سيموت يوماً.. ربما هذه أمنية أو حدس.
اقرأ أيضاً: بعد أن نفى خبر وفاته.. جورج وسوف إلى ألمانيا والسويد – 963+
إلى متى ستغيبين عن الدراما السورية وما سر هذا الابتعاد أصلاً؟
لستُ غائبة، فأنا ابنة الدراما السورية، حملتها كيفما اتجهت، وفي الدراما العربية المشتركة قاتلت لأجل شخصيات سوريّة الطابع والهوى والجنسية، وفي الدراما الخليجية وفي “السوب أوبرا” السعودي، وفي كل مشروع كنتُ أحاول ترك بصمة سوريّة من خلال مشاركة أبطال حكايا سوريون، وكأنني أخذت الدراما السورية معي ولم أغادرها يوماً.
وإن كنتُ سأعود لتقديم عمل سوري خالص فالأمر ليس قراراً مني بل هو رهن وجود منتج يريد تقديم عمل سوري بالشروط التي أعمل بها، فأنا لا أقدّم أي مشروع ولا أقبل بتقديم عمل بشروط فنية لا تليق بالجمهور.
أحتاج إلى مساحة حرية، ولا أقبل بالاستكتاب ولا يمكن استكتابي، وأحتاج إلى شركة إنتاج بميزانية تقدّم عملاً يليق بأن نقول للمشاهد العربي بأكمله إننا قادرون على تقديم أعمال سوريّة تنافس وتحجز مكاناً لها في الصدارة، فأوجد لي هذا المنتج وأنا جاهزة.
ارتبط اسمك في أعمال عدة بزوجك الكاتب المخضرم مازن طه، والآن بتِ علماً في عالم الدراما العربية، فهل تفوق التلميذ على أستاذه؟
منذ لحظة دخولي الأولى إلى عوالم الكتابة المخيفة وحتى اليوم وحتى آخر لحظة في حياتي سيبقى مازن طه عرّابي وأستاذي والكاتب الذي اكتشفني وعلّمني، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن أتفوق على مخزون الثقافة المخيف الذي يمتلكه، ولا يمكنني أن أتفوق على إحساسه وتكنيكه، ولا يمكنني أن أجرؤ أن أقترب من ملعبه في كتابة الكوميديا أو الأعمال التاريخية، فأنا لا أنافس مازن طه بل كنتُ ولا زلت أتعلم منه وسأبقى.
كيف تنظرين للدراما المعربة وهل نراك قريباً في أروقة هذه الدراما؟
هذا جدل لا نهاية له، اتفقنا أم اختلفنا على الدراما المعربة ألم تحقق المطلوب منها؟ ألا تمتلك قاعدة جماهيرية ومشاهدة واسعة؟ ألم تخلق فرص عمل؟ ألم تحقق انتشار واسع لكل من شارك بها؟ إذا نجحت في مساعيها والمطلوب منها فهي تجربة تحقق ربحاً ولها جمهورها، إذاً يستحق صنّاعها أن نقول لهم إنكم نجحتم في تجربتكم، سواءً كانت تشبهني أم لا.
بالنسبة لتواجدي فيها فقد اعتدت ألا أطلق الأحكام ولا أضع القيود، ربما إن كان الشرط مناسباً وإن كان يوجد مشروع يحتاج فعلاً إلى كاتب وليس مترجماً للنص ومشروع يحتاج إلى تعديل كبير ليتناسب مع بيئتنا ربما قد أشارك في تجربة مشابهة، فما المشكلة؟ أما إن كان “قص ولصق” من النسخ التركية فلا داع أصلاً لوجود كاتب، فأي أحد موجود بالعمل قادر على إنجاز المهمة.
يُعرف أنك لا تكتبين مشاهدك إلا ليلاً، فما السبب وكيف تصفين علاقتك بالليل؟
أنا بالعموم كائن ليلي منذ أيام الدراسة، وأشعر أن لا جدوى مني في النهار ولستُ صالحة لذلك الوقت، لكن مع الكتابة زاد الأمر كثيراً وربما كان مرتبطاً بطريقتي في الكتابة، فأنا لا أكتب المشاهد على اللابتوب فقط ولا أحبّذ التعامل مع آلة جامدة بل أعيشها.. أبكي مع شخصياتي.. أصرخ.. أفرح.. أرقص معها بلحظة.. أموت إن قتلتها، لذلك ألجأ الى الليل تفادياً لعدم إثارة الرعب في قلوب من يعيش معي، وأحاول جاهدة أن أؤجل إعلامهم أنني امرأة مجنونة بالكامل.
أحتاج إلى مساحة الحرية تلك مع شخصياتي، فمشكلة الكاتب إن مكان عمله هو المنزل على مرأى من محيطه وأفراد عائلته، وأنا أحتاج إلى التركيز ولا يمكن لأحد مقاطعتي لأنني لا أكتب بل أعيش المشهد.
ألا تؤثر هذه العادة على علاقتك بأسرتك ومحيطك بشكل عام؟
أفراد عائلتي داعمو حياتي الأساسيين، إنهم معي قلباً وقالباً، ولأجل دعمي غيّروا كامل حياتهم ومخططاتهم ومشاريعهم، ولولاهم لم أكن في المكان الذي وصلت إليه.
أما بالنسبة لمحيطي فأنا شخص انعزالي وأصدقائي لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة وربما أقل، ربما هم إصبع او اثنين وقد اعتادوا طبيعتي وتأقلموا معها، أنا أغيب كثيراً عن الحضور.. أختفي من دون أن أنذر باختفائي وأظهر فجأة، أميل إلى العزلة ونادراً ما أغادر منزلي أو كنبتي أو طاولتي.. الأماكن التي أضع بها أقلامي وأوراقي كلها مقدسة لا أغادرها، والصخب والجلبة والسهر أمور انتهت بالنسبة لي منذ زمن طويل، لم أعد على قيد الحياة، أنا فقط على قيد الكتابة وتلك وسيلتي الوحيدة لأشعر أنني لازلت أتنفس، فما عشته في السنوات السابقة كان صعباً للغاية وغيرني كثيراً، أعترف بالأمر ولديّ الوعي الكامل لأقول إنني امرأة تصارع الاكتئاب الشديد وتحاول أن تنجو من معركتها معه.
تعيشين مع شخصياتك حتى انتهائك من الكتابة هل يؤثر ذلك في سير حياتك وعلاقتك مع الاخرين؟
كنتُ سابقاً أعيش هذا الارتباط العاطفي والتعلق بشخصياتي وأستصعب مغادرتها بعد الانتهاء من العمل، أما الآن فأهرب منها سريعاً وأحاول التخلص منها لأنني أعيش معها عذابات حقيقية.. أشعر فيها أنها سجاني ولستُ سجيناً يحب سجانه.
السنوات الست الأخيرة غيرتني كثيراً وبت أشعر أنني مقاومة للرصاص وللإحساس.. لا أنزف دماً، أنا لهذه الدرجة تغيرت، تخيل كم كانت الحياة قاسية معي ومع ذلك كل يوم أخبرها أنني لا زلت أستطيع تحمل المزيد.
صدرّتِ اعمالك لمصر والخليج ولبنان فكيف تصفين الفارق بينها وبين صناعة الدراما في سوريا؟
لكل عمل مفرداته في كل شيء، ولكل مكان طقوسه وتقاليد مهنته، لكننا في النهاية نشترك في قاسم مشترك أساسي بأننا نريد أن نصنع فناً.
في مصر كانت التجربة جميلة في مسلسل “الرحلة”، احتضنوني بحب، وفي لبنان كان لديّ عائلتي الثانية ولم أشعر يوماً بالغربة بينهم.. إنهم يشبهوننا كثيراً ويحبوننا كثيراً، وفي الخليج وتحديداً في السعودية فتح لي الجمهور السعودي أبواب منازله بحب، واليوم أتوق لكتابة الأعمال السعودية لشدة ما أشعر أنني أعرف عن هذا المجتمع وعن هذه البلد.
أما سوريا فكانت أمّاً قاسية قليلاً عليّ، لم تصفق لي يوماً لكنها تبقى بلدي ولها أنتمي.










