في عام 2017، دخلت رحاب طيبة، عالم التحكيم من باب مختلف. لم تكن مغامرتها عادية، بل مساراً محفوفاً بالتحديات والإصرار. أربع سنوات فقط كانت كافية لتبلغ مرتبة “الحكم من الدرجة الأولى” عام 2021، وتمضي بعدها في رحلة أثبتت فيها أن الإرادة الصلبة قادرة على فتح أبواب مغلقة في ميادين يسيطر عليها الرجال.
رحاب التي سطع اسمها في بطولات سورية محلية ودولية، تولّت إدارة مباريات بارزة مثل نهائيات دوري كرة الصالات لسنتين متتاليتين، ونهائيات كأس الجمهورية للسيدات في أربع مناسبات مختلفة. ولم تقف عند حدود المباريات النسائية، بل أدارت أيضاً لقاءات مصيرية في تصفيات الشباب، إلى جانب مباريات لها طابع رمزي وتاريخي، من أبرزها ديربي حلب الشهير بين “أهلي” و”حرية”، المعروف بأولمبي ديربي حلب.
عن هذه التجربة تقول رحاب في حديثها لـ”963+”: “التحكيم ليس مجرد صافرة وقرارات. هو مسؤولية، واختبار دائم للعدالة في ميدانٍ يضج بالتوتر والانفعالات. وما يميز هذه المهنة هو أنها لا تعترف إلا بالكفاءة”.
اقرأ أيضاً: الفرق الرياضية السورية تخوض ثلاث مباريات في دوري كرة السلة – 963+
تحت الأضواء: واقعٌ لا يخلو من التحديات
رغم ما أنجزته، لم تكن طريق الحكمة طيبة مفروشة بالورود. تتحدث بصراحة غير معتادة عن العقبات التي واجهتها ولا تزال تواجه زملاءها في سلك التحكيم. تشير أولاً إلى الأجور التحكيمية المتدنية، واصفة إياها بأنها “لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الجهد البدني والنفسي الذي يُبذل خلال المباريات”، معتبرة أن هذه المشكلة من أبرز أسباب العزوف عن مهنة التحكيم.
وتضيف بنبرة ناقدة: “الأكثر إيلاماً من الأجور هو تفشي ثقافة المحسوبيات قبل سنوات. كانت الفرص تُمنح لمن تربطه علاقات شخصية أو انتماءات، لا على أساس الكفاءة. كثير من الحكام الأكفاء تم تهميشهم بسبب هذا الواقع، لكننا اليوم أكثر تفاؤلاً بأن كل مجتهد سيُكافأ”.
نظام الاختبارات: عندما تصبح الشكليات عائقاً
الحديث عن واقع التحكيم لا يكتمل دون تسليط الضوء على نظام اختبارات الحكام، الذي ترى طيبة أنه مرّ بفترات لم يكن فيها سوى إجراء شكلي بعيد عن المهنية.
تقول في هذا الصدد: “الاختبارات، خاصة الكتابية منها، كانت تُدار أحياناً بطريقة تفتح الباب أمام الإقصاء غير العادل. سمعنا مراراً عن محاولات لإسقاط حكام كفوئين باستخدام اختبارات غير موضوعية. لكن ما يبعث على الأمل هو أننا نشهد توجهاً نحو اعتماد معايير أكثر عدلاً وشفافية”.
الحكام الدوليون: المطالبة بالتقييم لا التشريف
تشير طيبة إلى ضرورة إعادة النظر في آلية منح الشارات الدولية، مشيرة إلى أن بعض الحكام يحتفظون بها لسنوات دون تقييم حقيقي لأدائهم.
وتوضح: “لا يمكن أن يستمر التصنيف الدولي لمجرد حصول أحدهم على الشارة قبل سنوات. هناك كفاءات جديدة، وبعضها متميّز فعلاً، لكنها لا تجد طريقها إلى الساحة الدولية لأن التقييم السنوي غائب. ما نتمناه أن تصبح الشارة الدولية مستحقة ومتجددة بناءً على الأداء الفعلي، لا مجرد لقب شرفي”.
اقرأ أيضاً: نادي الجيش السوري.. بين ذاكرة البطولات وحاضر التحديات – 963+
المرأة في التحكيم: خطوات ثابتة وطموحات كبيرة
في وقت لا تزال فيه مشاركة المرأة في التحكيم محصورة ومحدودة، تسعى طيبة لتمهيد طريق أكبر للعنصر النسوي، وتُطالب بزيادة عدد الإناث في الدورات التأهيلية والبطولات الكبرى.
وتقول بثقة: “لدينا نساء يتمتعن بالكفاءة والرغبة، لكن الدعم المؤسسي ما زال غير كافٍ. نحتاج إلى بيئة مشجعة، دورات تخصصية، وأهم من ذلك: منحهن فرصاً حقيقية في المباريات الكبرى لإثبات قدراتهن”.
التدريب والبنية التحتية: معوقات تُكبل التطور
من أهم القضايا التي طرحتها طيبة هي ضعف البنية التدريبية للحكام، نتيجة نقص المحاضرين الأكاديميين المتخصصين في مجال التحكيم، وهو ما أدى إلى محدودية تطور الحكام نظرياً وعملياً. كما تسلط الضوء على نقص جاهزية الملاعب العشبية في مدينة حمص، مشيرة إلى أن هذا النقص ينعكس سلباً على أداء الحكام واللاعبين على حد سواء.
تقول طيبة: “بعض المباريات تُجرى على ملاعب تفتقر لأبسط مقومات الجودة، مما يعرّض الحكام لصعوبات في اتخاذ القرارات السليمة. البنية التحتية بحاجة لاهتمام عاجل، وهذا يبدأ من تجهيز الملاعب وتحديث التجهيزات”.
التحرير وبداية عهدٍ جديد للرياضة
في ختام حديثها، توجه رحاب طيبة رسالة أمل للشعب السوري، معتبرة أن التحرير السياسي سيمهد الطريق لإصلاحات في المجال الرياضي أيضاً. وتقول: “نؤمن أن العدل الذي تحقق في البلاد سينسحب على كافة القطاعات، بما فيها الرياضة. الطريق ما زال طويلاً، لكن التفاؤل حاضر، لأننا نرى إرادة حقيقية لإعادة الروح للرياضة السورية، وتحقيق العدالة داخل الملاعب وخارجها”.
نشرت هذه المادة في العدد الحادي عشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 16 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد الحادي عشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










