عبد الرحمن أياس
بعد سقوط نظام آل الأسد نهاية عام 2024، تقف سوريا على أعتاب مرحلة مفصلية من تاريخها، تتطلّب أكثر من مجرد إعادة بناء ما دمّرته الحرب. فالخراب الذي خلّفته سنوات النزاع لا يقتصر على البنية التحتية، بل طاول مؤسسات الدولة، والنسيج الاجتماعي، والنظام الاقتصادي، ما يجعل إعادة الإعمار مهمة سياسية واجتماعية بقدر ما هي عمرانية.
يشير الخطاب الرسمي للحكومة الانتقالية في سوريا، بقيادة أحمد الشرع، إلى تصميم واضح على إعادة بناء الدولة السورية الموحدة، واستعادة المؤسسات، ودمج الفصائل العسكرية في جيش وطني واحد، إضافة إلى إطلاق عملية شاملة للعدالة الانتقالية. هذه المؤشرات تبعث على التفاؤل، لكنها تصطدم بتحديات معقدة، في مقدمها هشاشة الوضع الأمني، وغياب البنية التحتية في شكل شبه كامل، وتردي الأوضاع الاقتصادية التي فاقمتها العقوبات الدولية، وعلى رأسها “قانون قيصر” الأميركي.
تشير التقديرات الأولية إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تتجاوز 400 مليار دولار، وهذا رقم يعكس حجم الدمار الذي أصاب البلاد. غير أن غياب قاعدة ضريبية فاعلة، والانكماش الكبير في الناتج المحلي الإجمالي، واستمرار الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكّل نحو 70% من الاقتصاد ككل، تُعتبَر كلها عوامل تجعل من تمويل إعادة الإعمار تحدياً بالغ الصعوبة. لذلك تحتاج سوريا بشدة إلى دعم دولي واسع النطاق، لكن هذا الدعم مشروط بوجود مؤسسات حكومية تتمتع بثقة الداخل والخارج.
لذا، يُصبح عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سوريا أمراً ضرورياً، ليس لجمع التبرعات فحسب، بل لتنسيق الأولويات بين الحكومة الجديدة والمجتمع الدولي، ووضع آليات تضمن الشفافية والمحاسبة في صرف الأموال، وتفادي تكرار التجارب السلبية التي شهدتها أماكن أخرى. ومن دون هذا التنسيق، ستبقى جهود إعادة الإعمار عرضة للتسييس أو الفساد.
تُطرَح تجربة “سوليدير” اللبنانية نموذجاً لإعادة إعمار وسط حضري مدمّر، إذ تولّت الشركة إعادة بناء وسط بيروت بعد الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، وحوّلته إلى منطقة تجارية وسياحية متقدمة. إلا أن هذه التجربة، رغم نجاحها العمراني، أثارت كثيراً من الانتقادات في ما يخص تعزيز الطابع التجاري على حساب البعد الاجتماعي، كما واجهت، إلى جانب مشروع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري لإعادة إعمار لبنان، عراقيل أهمها الاضطرابات السياسية والأمنية، ولا سيما بعد اغتيال الحريري في عام 2005.
تُعَد “سوليدير” درة التاج في مشروع الحريري لإعادة إعمار لبنان، لكنه لا يقتصر عليها إذ كان يستهدف تحويل البلاد إلى مركز مالي وسياحي إقليمي من خلال إعادة بناء البنية التحتية وجذب الاستثمارات العربية والأجنبية، معوّلاً على الدعم العربي والدولي، ومعتمداً على شراكات بين القطاعين العام والخاص. وعلى رغم الإنجازات العمرانية والاقتصادية، واجه المشروع تحديات كبرى أبرزها تفاقم المديونية العامة بسبب فشل العمل على معالجة جذور الانقسام السياسي والطائفي في البلاد ومكافحة الفساد. وإذا كانت إعادة إعمار لبنان قد استفادت من موقع بيروت ورأس المال العربي – ولاسيما الخليجي – في تسعينيات القرن العشرين، لا تملك سوريا ما بعد الأسد الظروف نفسها، وتواجه تعقيدات أمنية وديموغرافية وسياسية أكثر حدة.
وهكذا يجب أن تتجاوز أي محاولة لاعتماد نموذج لبنان عموماً و”سوليدير” خصوصاً في سوريا الشكل التقليدي للشراكة بين القطاعين العام والخاص، نحو نموذج يراعي التعددية السورية، ويضمن مشاركة المجتمع المدني، والسلطات المحلية، والفئات المهمشة في اتخاذ القرارات. ذلك أن نجاح أي مشروع لإعادة الإعمار لا يُقَاس بعدد الأبنية المشيدة، بل بقدرته على ترميم الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة اللحمة إلى مجتمع عانى من التمزق والانقسام لسنوات طويلة.
إضافة إلى ذلك، تتطلب إعادة بناء سوريا إصلاحاً سياسياً جذرياً، يقوم على صياغة عقد اجتماعي جديد يكرّس حقوق الإنسان، والمساءلة، ودولة القانون. من دون ذلك، قد تتحول عملية إعادة الإعمار إلى إعادة إنتاج لتفرّد بالسلطة بوسائل جديدة. وهنا يبرز دور المجتمع المدني السوري، الذي يجب تمكينه بعد عقود من التهميش، ليكون شريكاً في الرقابة والتخطيط والتنفيذ.
ولا تكتمل إعادة الإعمار من دون استثمار في التعليم، الذي يمثل ركيزة أساسية لمصالحة المجتمع مع ذاته، وبناء جيل جديد يؤمن بالحوار، والانتماء، والعمل الجماعي، بعيداً عن العنف والإقصاء. فالمجتمع السوري لا يحتاج فقط إلى مبانٍ وبنية تحتية وخدمات أساسية وثانوية، بل كذلك إلى استعادة شعوره بالكرامة وثقته في المستقبل.
ختاماً، إعادة إعمار سوريا بعد الأسد هي مشروع لبناء جيل جديد، بل أجيال جديدة، لا مجرد خطة اقتصادية. إنها فرصة لإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس جديدة، لا تقل أهمية عن إعادة إعمار البنية التحتية. نعم، هناك تحديات كبرى، من العقوبات، إلى خطر الفوضى الأمنية، وصولاً إلى ضعف التمويل، لكن الأمل يبقى قائماً طالما توافرت إرادة سياسية صادقة، ودعم دولي مسؤول، ومجتمع مدني فاعل. وبين ركام المدن، لا تزال هناك فسحة للضوء، شرط أن تُبنَى سوريا المستقبل على أسس العدل والمشاركة، لا على صفقات العقار وخرائط المصالح.
نشرت هذه المادة في العدد السابع من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 18 نيسان /إبريل 2025.
لتحميل كامل العدد السابع من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










