شهد الاقتصاد العالمي في الآونة الأخيرة تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، وفي خضم هذه التحولات، برزت بشكل لافت سياسات الرسوم الجمركية التي تبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفرضها مؤخراً على 180 دولة حول العالم بينها الصين، التي جاء ردها سريعاً بفرضها رسوم جمركية انتقامية على السلع الأميركية. فهل ستبقى المواجهة بينهما حرباً تجارية أم ستتحول لمواجهة عسكرية بين القوتين العظميين الأكثر أهمية ونفوذاً في العالم؟
رسوم متبادلة وتبريرات ترامب
أعلنت لجنة التعريفات الجمركية بمجلس الدولة الصيني، الجمعة الماضي، في بيان أن بكين سترفع الرسوم الجمركية الانتقامية على جميع الواردات الأمريكية من 84% إلى 125%. وقالت اللجنة: ‘‘إذا أصّرت واشنطن على مواصلة لعبة الأرقام هذه بالتعريفات الجمركية، فلن تنخرط الصين، أمّا لو استمرت فستتخذ بكين تدابير مضادة بحزم وتقاتل حتى النهاية’’.
وجاء القرار الصيني بعد يومين، من تعليق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، العديد من الرسوم الجمركية التي فرضها على بعض الدول لمدة 90 يوماً، مع زيادة الرسوم المفروضة على الصين إلى 145%. وكان ترامب أكد مراراً على أن الهدف من فرض الرسوم هو تحقيق توازن تجاري لصالح واشنطن وإنعاش وحماية الصناعات الأميركية من المنافسة الخارجية’’.
تأثير الرسوم الأميركية على الصين
وحول تأثير الرسوم الأميركية على الصين، أوضح الباحث الاقتصادي، خورشيد عليكا، المقيم في ألمانيا، أن التوترات التجارية الحالية بين واشنطن وبكين قد تؤدي إلى تغييرات في سلاسل الإمداد، وتوجهات السوق، واستراتيجيات النمو الاقتصادي، وستُسبب حالة من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية، مما سيؤثر على الاقتصاد العالمي بشكل عام.
وقال عليكا في تصريحات لموقع ‘‘+963’’: أن ‘‘الصين ستلعب دوراً مركزياً في تنقية العديد من المعادن الحيوية للصناعة كالنحاس والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وقد تضع بكين عقبات أمام وصول هذه المعادن إلى واشنطن، وهذا ما فعلته في حالة مادتي الجرمانيوم والغاليوم، اللتين يستخدمهما الجيش الأمريكي في التصوير الحراري والرادار’’.
وتابع الباحث الاقتصادي، أن الرسوم الأميركية ستتسبب في زيادة تكلفة السلع الصينية في السوق الأميركية، وهذا قد يؤدي إلى تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، وبالتالي سيؤثر سلباً على النمو الاقتصادي للصين خاصةً في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على السوق الأميركية.
كما أن الرسوم الجمركية قد تدفع الصين إلى تنويع أسواقها وزيادة صادراتها إلى دول أخرى، مثل دول جنوب شرق آسيا وأوروبا، كما أن الشركات الصينية التي تعتمد على المواد الخام أو التكنولوجيا الأميركية قد تواجه تحديات إضافية، مما يؤثر على قدرتها التنافسية، وفق عليكا.
اقرأ أيضاً: “رسوم ترامب” الجمركية.. كيف ستنعكس على الاقتصاد العالمي
تأثير الرسوم الصينية على أميركا
وحول تأثير الرسوم الصينية على السلع الأميركية، عقّب عليكا: “سيؤدي ذلك إلى زيادة أسعار هذه السلع في السوق الصينية، كما أن المزارعين الأميركيين، خاصة في الولايات الوسطى، سيتأثروا بشكل كبير بسبب الرسوم الجمركية الصينية على المنتجات الزراعية، مما سيؤدي إلى تراجع الطلب على الصادرات الزراعية”.
لذا قد تحاول واشنطن تشديد الحصار التقني على الصين الذي بدأه الرئيس السابق جو بايدن، وذلك بجعل استيراد الصين للرقائق الدقيقة الضرورية لتطبيقات مثل الذكاء الاصطناعي أمراً صعباً عليها، وهي ما تزال غير قادرة على إنتاجها بنفسها، بحسب عليكا.
من جهته، يرى الدكتور رفعت عامر، الباحث في الاقتصاد الدولي والتنمية المستدامة، أن استمرار الرسوم الجمركية ستؤثر على الأسواق المالية في كلا البلدين، وستؤدي إلى زيادة الأسعار والتضخم وبالتالي تباطؤ النمو الاقتصادي، وازدياد نسبة العاطلين عن العمل وتدني الدخل المادي. وأوضح أن ‘‘استمرار الحرب التجارية هذه لفترة طويلة سيهدد الأسواق العالمية بالانهيار أيضاً’’.
هل واشنطن وبكين قادرتين على خوض حربٍ تجارية؟
واهتزت العلاقات الاقتصادية الصينية الأميركية بشدة خلال ولاية ترامب الأولى (2017-2021) عندما شن حرباً تجارية ضد بكين. فهل يستطيع الاقتصاد الصيني تحمل سيناريو جديد مماثل؟ عامر عقّب على هذا السؤال قائلاً: ‘‘الصين تستطيع تحمُّل حرب تجارية مع أميركا لفترة طويلة وذلك لعناصر القوة المتوفرة في اقتصادها’’.
وتابع في تصريحات لـ‘‘+963’’، أن ‘‘حجم الاقتصاد الصيني بناتج محلي إجمالي تجاوز 17 تريليون دولار عام 2024، وهذا يجعله قادر على تحمل الصدمات، كما أن لديها احتياطي نقدي الأكبر في العالم تجاوز 3 تريليون دولار مما يساعدها على تقديم حزم تحفيزية للصناعات المحلية ودعم عملتها الوطنية’’.
كما أن الخبرة المكتسبة من أزمة فايروس كورونا علّمت الصين على المناورة والتكيف مع المتغيرات في الأسواق العالمية، ناهيك أن نظام الحكم الصيني مركزي وشمولي يعطيها ميزة التحرك السريع والحشد والتخطيط والتنفيذ بسرعة على عكس نظام الحكم في أميركا، وفق الباحث في الاقتصاد الدولي والتنمية المستدامة.
وأشار عامر إلى أن ‘‘الصين أصبحت تملك أيضاً حضور ونفوذ في كل القارات وساعدها في ذلك مبادرة ‘‘الحزام والطريق’’ الصيني، وبدأت مؤخراً بإجراء مفاوضات مع اليابان وكوريا الجنوبية حول تسهيلات التبادل التجاري، إضافةً إلى تحالفها الاستراتيجي مع روسيا وعلاقاتها المتميزة مع دول الخليج العربي، وهذا سيؤدي إلى زيادة تبادلها التجاري مع هذه الأسواق على حساب السوق الأميركية’’.
اقرأ أيضاً: الرسوم الجمركية الأميركية: تنعش الاقتصاد أم تقيده؟
سيناريو المواجهة العسكرية
استبعد عامر اندلاع حرب عسكرية بين الصين والولايات المتحدة، بسبب الرسوم الجمركية المتبادلة، مرجعاً السبب لكونهما ‘‘قوتين نوويتين’’. لكنه توقع أيضاً أن ‘‘احتمال المواجهة العسكرية بينهما وارد فقط بأن تكون على أراضي الآخرين من خلال دعم جماعات محلية موالية’’.
وتُشكّل واشنطن وبكين معاً حصة كبيرة من الاقتصاد العالمي، تُقدّر بـ 43% هذا العام، وفقاً لصندوق النقد الدولي. لذا وفق عليكا ليس من مصلحتهما الانخراط في مواجهة عسكرية تُبطئ نموهما، أو تدفعهما إلى الركود، وبالتالي تتسبب بانهيار الاقتصاد العالمي، وإنما ستبقى مواجهة تجارية ستستمر لغاية أن تظهر تحالفات جديدة في الخريطة التجارية بين دول العالم أو قد تلجأ كل من أمريكا والصين للتفاوض على الرسوم الجمركية.










