يختلف السوريون حول شكل التدخل الدولي في بلادهم، إذ يرى البعض أنه يشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية، بينما يطالب آخرون بتدخل دولي لضمان نجاح العملية الانتقالية، وسط مخاوف من استئثار فصيل واحد بالحكم.
ورغم التطمينات التي تصدر عن الإدارة السورية الجديدة، إلا أن الشيخ الدرزي حكمت الهجري دعا مؤخراً إلى تدخل دولي لدعم الانتقال السياسي، في ظل تعقيدات المشهد السوري الذي يشهد تداخلاً بين قوى إقليمية ودولية، ما يزيد من التحديات أمام القيادة الجديدة الساعية للحصول على شرعية دولية كاملة.
اقرأ أيضاً: انعكاسات رسالة أوجلان.. هل تتغير المعادلات في سوريا والمنطقة؟
ملف الأقليات: بين الضمانات السياسية والتوترات الداخلية
منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، تصاعدت المطالبات المحلية والدولية بضرورة تقديم ضمانات للأقليات العرقية والطائفية في سوريا، ما أثار جدلاً واسعاً وزاد من حدة الخطاب الطائفي.
وبات ملف الأقليات أحد أبرز القضايا الحساسة التي تواجه الإدارة الانتقالية في سوريا، خصوصاً مع وجود مخاوف متزايدة من تكرار أخطاء الماضي. وتأتي هذه المخاوف في سياق تاريخي متعلق بـ”هيئة تحرير الشام”، التي سبق أن اتُهمت بارتكاب انتهاكات بحق الأقليات قبل أن تعلن تغيير نهجها في السنوات الأخيرة. كما أن الحكومة الحالية تمثل للمرة الأولى “الأكثرية” الدينية، بعد عقود من سيطرة أقلية ينتمي إليها حافظ الأسد، الذي استولى على الحكم عام 1970 وورثه لاحقاً لابنه بشار.
التدخل الإسرائيلي
في ظل الدعوات الأخيرة للتدخل الدولي، برزت تصريحات إسرائيلية تدعو إلى دعم الدروز في الجنوب والأكراد في الشمال الشرقي من أجل إنشاء إدارات ذاتية، وهي تصريحات قوبلت برفض واسع من السوريين الذين خرجوا في احتجاجات رافضة لمثل هذه التدخلات.
ويجمع باحثون على أن العديد من الدول تتدخل حالياً في الشأن السوري بطرق مختلفة، حيث تقوم دول الخليج بدور إيجابي عبر العمل على إزالة العقوبات ودعم الاقتصاد، بينما يُنظر إلى التدخل الإسرائيلي على أنه محاولة لإضعاف سوريا وتقسيمها إلى كيانات متنازعة.
وفي حديث لموقع “963+”، أوضح فراس فحام، الباحث في العلاقات الدولية، أن هناك نوعين من التدخل الدولي في سوريا: “التدخل الإسرائيلي، الذي يتجلى في دعم أطراف سورية على حساب أخرى، وقصف مواقع داخل سوريا، والتوغل في الجنوب السوري، وهو أمر يرفضه السوريون بشكل قاطع”.
أما التدخل الآخر فهو الإقليمي المقبول، بحسب فحام، “مثل الدور الذي تلعبه دول الخليج في المطالبة برفع العقوبات ودعم عملية الانتقال السياسي”.
وأشار فحام إلى أن التدخل الذي يسعى إلى فرض خيارات سياسية على سوريا لن يحظى بقبول شعبي، مضيفاً أن مواقف بعض الدول الإقليمية تُبنى على مصالحها الخاصة، باستثناء التدخل الخليجي الذي يهدف إلى تقديم تطمينات للمجتمع الدولي بشأن الإدارة السورية الجديدة.
اقرأ أيضاً: بين التهديد الإسرائيلي والتوتر الداخلي: هل تصبح جرمانا شرارة لتدخل إقليمي في سوريا؟
مخاوف من المستقبل
يشكل مستقبل الدولة السورية الجديدة مصدر قلق للكثير من السوريين، خاصة مع استمرار أعمال انتقامية محدودة ضد أشخاص متهمين بجرائم حرب خلال حكم النظام السابق. ورغم تأكيد الإدارة الحالية على عدم استهداف أي فئة على أساس عرقي أو ديني، إلا أن هذه الأحداث زادت من مخاوف الأقليات، ولا سيما أبناء الطائفة العلوية التي كانت العائلة الحاكمة تنتمي إليها.
وبعد سقوط النظام، تعالت أصوات تطالب بحقوق إثنيّاتها وطوائفها، مثل الحكم الذاتي أو الإدارة المحلية، بينما نادت أطراف أخرى بضرورة الحفاظ على الهوية السورية الجامعة.
وفي هذا السياق، قال الكاتب السوري حسن النيفي، المقيم في فرنسا، لـ”963+”، إن الدعوات إلى تدخل دولي للإشراف على الانتقال السياسي لا تمثل جميع السوريين، واصفاً تلك الأصوات بأنها “نشاز” لأنها إما تأتي من بقايا النظام السابق أو لا تحظى بقبول شعبي واسع.
وأشار النيفي إلى أن جميع الدول، باستثناء إسرائيل، تنظر إلى سوريا باعتبارها دولة موحدة ضرورية لاستقرار المنطقة، مضيفاً أن الإدارة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع لم تنكر حقوق الأقليات ووعدت بتشكيل حكومة وطنية تمثل جميع السوريين.
ويرى النيفي أن المطالبات بتدخل دولي قبل تشكيل الحكومة الانتقالية قد تضع أصحابها في موضع الشبهات، مشدداً على أن أي تدخل خارجي لدعم طائفة أو قومية معينة سيزيد من تعقيد الأزمة السورية، وقد يؤدي إلى تكرار السيناريو اللبناني الذي شهد حرباً أهلية طويلة الأمد.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن القيادة الجديدة من تحقيق الاستقرار والحفاظ على وحدة البلاد، أم أن التدخلات الخارجية ستفرض واقعاً جديداً على المشهد السوري؟










