في أحد شوارع دير الزور المدمرة، يجلس خالد 15 عاماً وحيداً، عاقداً يديه حول ركبتيه، شارد الذهن. يتذكر تفاصيل ذلك اليوم الذي غير حياته إلى الأبد. يقول خالد لموقع “963+”: “كنت ألعب بعيداً عن منزلي مع أصدقائي، وفجأة سمعت صوتاً قوياً. شعرت بالخوف وركضت إلى المنزل، لكنني وجدت كل شيء مدمراً. لم أستطع العثور على أمي وأبي وإخوتي، ولم أكن أفهم ما يجري. أخذتني عمتي إلى منزلها، وكنت أشعر بالوحدة والحزن. لم أكن أفهم لماذا حدث ذلك. كل شيء تغير؛ لا أستطيع اللعب كما كنت من قبل. أشعر بالحنين إليهم، وأحيانًا أستيقظ في الليل وأبكي”.
تُعد قصة خالد واحدة من آلاف القصص التي تمثل الوجه القاسي للحرب السورية. فالأطفال، الذين من المفترض أن يعيشوا طفولة آمنة، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة واقع مليء بالخوف والضياع.
فقدان لا يُعوَّض
فاطمة الشجاع (35 عاماً)، وهي أم من ريف حلب، تحمل في قلبها ألماً لا يندمل. تتحدث بمرارة عن ابنها عز الدين (12 عاماً) الذي فقدته في خضم الاشتباكات.
تقول الشجاع لـ”963+”: “كان يوجد في منطقتنا نزاع مسلح بين القوات الحكومية السابقة ومسلحين رافضين لهذا النظام. بعد كل القصف والاشتباكات، كنا في طريقنا بحثاً عن مكان أكثر أماناً، وكنت أحمل ابنتي الصغيرة بيدي. فجأة سقطت قذيفة وركضت بعيداً، لكن ابني الأكبر عز الدين كان قد سقط جريحاً ولم أستطع الوصول إليه. تم إسعافه من قبل شبان لا أعرفهم ولا أعلم إلى أي مستشفى أو منطقة أخذوه. إلى هذا اليوم، لا أعرف مصيره؛ هل هو حي أم ميت؟ لا أستطيع وصف الألم الذي أشعر به. كلما رأيت الأطفال الآخرين، أتذكره أكثر وأفكر: أين هو الآن؟”
ورغم الدعم النفسي الذي قدمته بعض المنظمات لها، إلا أن الحزن لم يغادرها. تقول بأسى: “كل الدعم النفسي الذي قدمته المنظمات لنا لم يغير الحزن والخوف داخلي. أنا بحاجة إلى ابني عز الدين فقط”.
جهود الإغاثة.. تحديات كبيرة أمام المنظمات
على الرغم من المآسي، هناك من يسعى جاهداً لمساعدة هؤلاء الأطفال. مهند السلطان، ناشط من حلب يعمل مع منظمات غير حكومية تهدف إلى مساعدة الأطفال اليتامى ومجهولي الهوية، يتحدث لـ”963+” عن الجهود المبذولة لدعمهم. “الوضع هنا صعب جداً. هناك آلاف الأطفال الذين فقدوا أهاليهم وهم يعيشون في ظروف قاسية. الكثير منهم يعاني من مشاكل نفسية، بالإضافة إلى نقص الغذاء والرعاية الصحية. نعم، نحن كناشطين نعمل مع المنظمات على تسجيلهم وتقديم الدعم لهم، لكن هناك تحديات قانونية واجتماعية كبيرة”.
ويضيف: “نقدم الدعم النفسي والتعليم والرعاية الصحية، بالإضافة إلى توفير ملاذ آمن. لكننا نحتاج إلى دعم مالي وتقني لتوسيع برامجنا والوصول إلى المزيد من الأطفال. يواجه الأطفال الذين فقدوا أهاليهم أو أصدقائهم تحديات كبيرة في حياتهم اليومية؛ يعاني الكثير منهم من مشاكل نفسية مثل الاكتئاب والقلق ويحتاجون لدعم نفسي مكثف”.
دور المياتم في احتضان الأطفال
في دير الزور، تدير سارة المجحم ميتماً للأطفال الذين فقدوا عائلاتهم. وتوضح أهمية العمل الذي يقومون به فتقول لـ”963+”: “الأطفال هنا يعانون من فقدان عائلاتهم، لكننا نحاول توفير بيئة دافئة لهم. نقدم التعليم والدعم النفسي، بالإضافة إلى الأنشطة الرياضية والترفيهية”. وتشير إلى أن الميتم يضم أكثر من 21 طفلاً من محافظات مختلفة، معظمهم فقدوا أهاليهم خلال فترة سيطرة تنظيم داعش.
وتؤكد سارة أن معاناة الأطفال في سوريا تمثل جرحاً عميقاً في قلب المجتمع السوري، قائلة: “يجب أن نتكاتف جميعاً لمساعدتهم وتقديم الدعم اللازم لهم سواء كان ذلك من خلال المساعدات الإنسانية أو الدعم النفسي والاجتماعي. هؤلاء الأطفال هم الأمل في إعادة بناء سوريا المستقبل، ويجب علينا أن نضمن لهم حياة حرة كريمة وآمنة”.
وفي ظل هذا الواقع الأليم، يبقى الأمل معقوداً على جهود المجتمع الدولي والمحلي لتقديم الدعم للأطفال الذين يعيشون تحت وطأة النزاع، ليتمكنوا من تجاوز المحن واستعادة طفولتهم المفقودة. فهؤلاء الأطفال ليسوا مجرد ضحايا للحرب، بل هم أيضاً المستقبل الذي يجب أن يُعاد بناؤه بعناية وحب ورعاية.










