بينما كان الاقتصاد السوري يستعد لمرحلة التعافي، وكانت جهود ناشطين من الجالية السورية في الولايات المتحدة تبذل لإلغاء قانون “قيصر” المفروض على سوريا، جاء قرار اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي ليُشكّل تحولًا في هذا المسار، حيث أقرّت مشروع قانون لتمديد العمل بـ”قيصر” لعامين إضافيين بدلاً من إلغائه، مع اشتراط حماية الأقليات واحترام حقوقهم كأحد الشروط الأساسية لتخفيف أي عقوبات. فما خلفيات هذا القرار، وما تأثيره المحتمل على الوضعين الاقتصادي والسياسي في سوريا؟
قانون “قيصر”: الخلفية والمضامين
“قانون حماية المدنيين في سوريا”، المعروف إعلاميًا بـ”قانون قيصر”، هو قانون أميركي دخل حيّز التنفيذ عام 2020، وينص على فرض عقوبات اقتصادية ومالية على الحكومة السورية وبعض الدول الداعمة لها مثل إيران وروسيا.
ويهدف القانون إلى محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم المرتكبة في سوريا، بهدف دفع النظام إلى القبول بحل سياسي وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254.
اقرأ أيضاً: مجلس النواب الأميركي يمرر مشروع قانون تعديل “قيصر” بدلاً من إلغائه
مشروع التمديد والشروط الأميركية
في 22 تموز/يوليو الجاري، صادقت اللجنة المالية في مجلس النواب الأميركي على مشروع قانون يقضي بتمديد العمل بقانون “قيصر” لمدة عامين. ومن المقرر إحالة المشروع لاحقًا إلى التصويت النهائي في مجلس النواب والكونغرس.
وقدّم المشروع النائب الجمهوري مايك لاولر، رئيس اللجنة الفرعية المعنية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة الشؤون الخارجية، ويهدف إلى مراجعة القيود المصرفية وتعزيز جهود مكافحة غسل الأموال. كما يتضمّن بندًا يُلزم الإدارة الأميركية بتقديم تقرير للكونغرس حول التسهيلات التنظيمية والتنفيذية الممنوحة لمصرف سوريا المركزي.
وينص المشروع على تمديد فترة الإعفاء من بعض بنود القانون من 180 يومًا إلى عامين، مع إمكانية إنهاء العمل به بالكامل إذا امتثلت الحكومة السورية للشروط المحددة لمدة عامين متتاليين، أو بحلول نهاية عام 2029.
وتشمل الشروط الرئيسية: التوقف عن استخدام المجال الجوي في شن هجمات ضد المدنيين، حماية الأقليات الدينية والإثنية، مكافحة إنتاج الكبتاغون، تأمين وصول غير مقيّد للمساعدات الدولية والإنسانية، إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين، والسماح بدخول المراقبين الدوليين إلى مراكز الاحتجاز.
التأثيرات الاقتصادية والسياسية
يوضح الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس النهضة السوري، عامر الديب، المقيم في دمشق، في تصريح لـ”963+”، أن تمديد قانون “قيصر” يُعد إجراءً مؤسساتيًا روتينيًا، ولا يتطلب إعادة المسار التشريعي الكامل (تصويت مجلسي النواب والشيوخ والتوقيع الرئاسي)، باعتباره تفعيلًا لبند تمديد مُدرج سلفًا.
ورغم أن الديب يرى أن التأثيرات السلبية للعقوبات قد تكون أقل حدّة مما كانت عليه في السابق، إلا أنه يشير إلى أن التمديد سيُحدث أزمات اقتصادية ومعيشية وركودًا في الأسواق، بالإضافة إلى ارتفاع متوقّع في أسعار السلع. ويتوقع أن لا يتجاوز سعر الصرف حاجز 12 ألف ليرة سورية للدولار، مرجعًا ذلك إلى سياسة تحرير سعر الصرف وتوازن سلة العملات.
كما يرى أن القانون الجديد قد يُضعف جهود الحكومة السورية في بناء علاقات مع المجتمع المدني الأميركي، خاصة من خلال “مجلس السلام السوري الأميركي”.
ويُضيف أن الولايات المتحدة ستفرض رقابة مشددة على الاقتصاد السوري، تشمل منع التعامل عبر نظام “سويفت”، وشللاً إضافيًا للقطاع المصرفي، إلى جانب إدراج رجال أعمال على قوائم العقوبات.
من جانبه، يشير الخبير الاقتصادي شادي أحمد، في تصريحات لـ”963+”، إلى أن القرار الأميركي سيتسبب بتجميد الاستثمارات الخارجية قيد التفاوض، وتعطيل خطوط التمويل الدولية، في ظل استمرار رفض المصارف العالمية التعامل مع النظام المالي السوري، وارتفاع تكاليف الشحن والنقل، ما يعيق التجارة وجهود إعادة الإعمار، ويزيد من الضغط على الليرة السورية ومعاناة السكان.
اقرأ أيضاً: قالها سياسياً… فهل يحقّ له إلغاء العقوبات قانونياً؟
الاستثمارات الخليجية والتحديات القانونية
في ما يتعلق بالشركات الخليجية التي أعلنت نيتها الاستثمار بمليارات الدولارات في مشاريع سورية، يوضح أحمد أن تمديد القانون يُقيّد قدرة هذه الشركات على تنفيذ خططها، نظرًا لصعوبة تحويل الأموال أو نقل المعدات دون خرق العقوبات، إلى جانب إحجام شركات التأمين والخدمات اللوجستية عن التعامل مع السوق السورية.
كما يشير إلى أن التهديد بالعقوبات الثانوية يمنع المصارف الخليجية من تمويل المشاريع، ما يجعل هذه الوعود غير قابلة للتنفيذ حاليًا، ما لم تُعقد تفاهمات رسمية بين واشنطن وبعض الدول العربية لتأمين استثناءات قانونية منظمة.
وفي السياق ذاته، يرى الديب أن ما أُشيع إعلاميًا عن رفع العقوبات كان غير دقيق، مؤكدًا أن ما حدث هو إصدار تراخيص إنسانية محدودة، دون رفع فعلي للعقوبات، سواء من الجانب الأميركي أو الأوروبي. وأضاف أن الأنباء عن استثمارات خليجية أو أميركية، خاصة في قطاع النفط، لم تتجاوز التصريحات الإعلامية حتى الآن.
المسؤوليات المختلفة
يحمّل الديب الحكومة السورية جزءًا من مسؤولية استمرار العقوبات، موضحًا أنها “لم تستثمر الدعم الدولي بشكل فعّال، ولم تعمل على تعزيز الشراكة الوطنية، بل مارست التهميش وأدت إلى شرخ اجتماعي وفقدان الثقة الداخلية والدولية”.
في المقابل، يرى أحمد أن “المسؤولية موزعة بين عدة أطراف، من بينها الكونغرس الأميركي الذي يواصل دعم العقوبات استنادًا إلى ضغوط حقوقية، واللوبيات الناشطة في واشنطن، خاصة المرتبطة بإسرائيل وبعض المجموعات السورية، إلى جانب المعارضة السورية الخارجية التي ربطت رفع العقوبات بتغيير النظام بشكل كامل، والحكومة السورية الحالية التي لم تنجح بعد في بناء الثقة الدولية أو إطلاق إصلاحات جوهرية”.
اقرأ أيضاً: خلف الحبتور في دمشق: الاقتصاد في خدمة الجغرافيا السياسية
خيارات المواجهة ومسارات محتملة
حول إمكانية رفع العقوبات في حال تجاوبت الحكومة السورية، يرى الديب أن ذلك يتطلب تقدمًا فعليًا في المسار السياسي، من خلال حوار شامل مع جميع المكونات، وتشكيل حكومة تعددية، وبناء جيش وطني، وعقد مؤتمر وطني حقيقي.
أما أحمد، فيشير إلى وجود نقاش داخلي في سوريا حول سبل التعامل مع العقوبات، مقترحًا عدة خيارات، منها فتح مسار تفاوضي مباشر مع واشنطن لتقديم خارطة طريق سياسية لرفع العقوبات تدريجيًا، اللجوء إلى المحافل الدولية، وتفعيل الشراكات مع دول الشرق مثل الصين، إلى جانب تعزيز الاقتصاد المحلي والمبادرات الذاتية.
ويختتم أحمد حديثه بالتأكيد على أن قانون “قيصر” في صيغته الحالية “ما يزال أقوى من أدوات المواجهة المتاحة للحكومة السورية، ما لم يُعاد بناء مقاربة سياسية وطنية جديدة توازن بين السيادة واحترام الحقوق، وتقدم نموذجًا لحكومة مسؤولة وشفافة تضع المواطن السوري في مقدّمة أولوياتها”.










