إذا لم يرتّب لبنان أوضاعه سريعاً وينزع سلاح ‘‘حزب الله’’ فسيواجه تهديداً وجودياً وسيبقى خارج المعادلة، هذا ما صرّح به المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان، توماس براك، ولكن ماذا لو أصبحت الولايات المتحدة الأميركية أمام معادلة جديدة وهي رفض ‘‘حزب الله’’ تسليم السلاح، فهل تستطيع تخطي ذلك، وبأي ثمن؟
تصريحات ديبلوماسية وغارات إسرائيلية
المبعوث الأميركي إلى سوريا ولبنان، توماس براك، قال في تصريحات مع صحيفة ‘‘ذا ناشيونال’’ الإماراتية، أن لبنان قد يواجه تهديداً وجودياً ويعود إلى بلاد الشام مجدداً إذا لم يتحرك بسرعة لمعالجة ملف سلاح ‘‘حزب الله’’، واصفاً ذراع حزب الله العسكري بأنه ‘‘المنظمة الإرهابية التي قد تحدث المشكلات’’، وأشار إلى أن ‘‘الخوف من اندلاع حربٍ أهلية هو ما يمنع الحكومة اللبنانية من معالجة ملف سلاح حزب الله’’.
من جانبه قال الرئيس اللبناني، جوزيف عون، إن بيروت عازمة على حصر السلاح بيد الدولة، مشدداً على ضرورة معالجة الملف ‘‘بروية ومسؤولية، لأن هذا الموضوع حساس ودقيق وأساسي للحفاظ على السلم الأهلي’’. في المقابل، أكد الأمين العام ل ‘‘حزب الله’’ نعيم قاسم، أن ‘‘الحزب لن يتخلى عن سلاحه ما لم تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية وتضمن عدم استهدافها’’.
تصريحات متبادلة وديبلوماسية ضبابية تتوازى مع تصعيد إسرائيلي بري وجوي بعد إعلان تل أبيب تنفيذ عمليات برية خاصة ضمن الأراضي اللبنانية وتوسيع الرقعة الجغرافية للاستهدافات لتطال طرابلس شمال البلاد، كما شنت غارات جوية استهدفت مخازن أسلحة للحزب في منطقة الهرمل والبقاع، شرقي لبنان.
هل سيتخلى ‘‘حزب الله’’ عن سلاحه؟
الدكتور اللبناني علي بيضون، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يوضح في تصريحات لـ”963+”، أن ‘‘حزب الله’’ لن يتخلى عن السلاح، لعدة أسباب، أهمها ‘‘استمرار شعوره بالتهديد من قبل إسرائيل رغبته في الحفاظ على دوره كقوة ردع، يعتبر أن سلاحه ضروري للدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء إسرائيلي ويمثل قوة مساندة للجيش اللبناني، وضعف الدولة اللبنانية في فرض تطبيق القرارات الدولية على إسرائيل’’.
ويتابع بيضون، أن ‘‘حزب الله’’ يعلم أن تسليم سلاحه سيعرض الشيعة لإبادة جماعية، وسترسم معادلات جديدة في الداخل اللبناني من خلال بروز قوى سياسية موالية لواشنطن وتل أبيب للوصول إلى الحكم والعودة بالشيعة إلى المشهد ما قبل 1982 من الاستبعاد والتهميش وعدم المشاركة السياسية وإعادة المارونية السياسية إلى الواجهة بالتحالف مع إسرائيل وسيكون لبنان عرضة للاجتياحات وعرضة للمصالح الأميركية والإسرائيلية.
ويشير بيضون إلى أن ‘‘حزب الله’’ له مقاربة مختلفة في مسألة تسليم السلاح، فيقول: ‘‘لا يمكن تسليم السلاح بناءً على أوامر خارجية وضغط دولي وتهويل وتهديد من قبل إسرائيل وأميركا، وإنما المسألة تناقش بالحوار الوطني اللبناني الداخلي بين رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية بالتعاون مع المجلس النيابي والقوى السياسية والأقطاب الأساسية في لبنان’’.
من جانبه، يرى المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ومحلل في الأزمات الدولية الدكتور عبد المنعم حلاوة، في تصريحات لـ”963+” أن ‘‘حزب الله’’ لن يترك السلاح بسهولة حتى مع الضمانات الغربية والضغوط الإسرائيلية، نظراً لوجود سلاح آخر بيد فصائل ومليشيات وأحزاب لبنانية أخرى، فضلاً عن مخاوف الحزب من استمرار الضربات الإسرائيلية التي تستهدف بنيته العسكرية والسياسية.
ويوضح حلاوة، أنه حتى بعد انكفاء إيران داخلياً وضعف قدرتها على دعم الحزب مادياً وعسكرياً، وفقدانه للعمق الاستراتيجي في سوريا، حيث كان يمكنه التمدد والانتشار ونقل المقاتلين ومخازن الأسلحة إلى هناك، إلا أن الحزب سيبحث عن أفضل صفقة ممكنة وإطالة زمن المفاوضات للحصول على أكبر قدر من المكاسب.
ويضيف حلاوة، ‘‘رغم أن الحزب يعلم أن جغرافية لبنان المحدودة والمراقبة جيداً من إسرائيل والولايات المتحدة، لن تسمح له بالاختباء أو إخفاء ما يملك من أسلحة، إلا أنه مازال يراهن على بعض البنية التحتية التي أنشأها على مدار سنوات في البقاع والضاحية الجنوبية، للحفاظ على بعض القدرات العسكرية التي تمكنه من إحداث التوازن في الساحة السياسية اللبنانية والبقاء كرقم صعب في لبنان وليس الاستسلام بشكل كامل’’.
اقرأ أيضاً: كيف تتقاطع مصالح أمريكا وإسرائيل والإمارات في سوريا ولبنان؟
الموقف الأميركي
وحول الموقف الأميركي في حال إصرار ‘‘حزب الله’’ عدم تسليم السلاح، يجيب حلاوة، أن الولايات المتحدة الأميركية لن تتخطى مسألة عدم تسليم السلاح، وستضغط كثيراً على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الحزب مع تقديم الإغراءات السياسية والاقتصادية للبنان بمزايا اقتصادية واستثمارات أجنبية وعربية تنقذ الاقتصاد المنهار.
ويستبعد المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، تدخل واشنطن عسكرياً وبشكل مباشر في لبنان، ولكنه يرجّح اعتمادها إما على إسرائيل في الضغط العسكري على الحزب، أو فصائل مسلحة موجودة في سوريا تضم المقاتلين الأجانب، ويستشهد حلاوة في تحليله بتقارير تشير إلى حشد مجموعات مسلحة من سوريا على حدود لبنان، تضم إيغور ومقاتلين من وسط أسيا، دربتهم تركيا في سوريا.
لذا يشير حلاوة إلى أن ثمن تمسك الحزب بسلاحه سيكون باهظاً، خاصةً وأنه خسر قدراته الإقليمية بتوقف الدعم الإيراني، وسيخسر أيضاً وضعه الداخلي، ويزيد أنه في ظل المتغيرات الجديدة في الشرق الأوسط، أصبحت هيمنته في خطر والأولى له أن يحافظ على البقاء سياسياً بعد أن فقد قوته العسكرية.
فيما يرى بيضون، بأن واشنطن ستلجأ إلى الضغوط السياسية والاقتصادية مثل ‘‘منع اعادة الإعمار، تشغيل أدواتها داخل لبنان من أجل تحريك الفتن والحروب الأهلية والانقلاب على المقاومة، الضغط على الحكومة اللبنانية أن تذهب باتجاه إصدار قرارات صارمة على الحزب، وقد بدأت الولايات المتحدة في هذا الصدد من خلال ورقة توماس براك التي جاء بها إلى لبنان والتي يفرض على الدولة اللبنانية أن تحدد وقت زمني لسحب سلاح الحزب’’.
وكانت مصادر قريبة من رئيس مجلس النواب نبيه بري، أفادت لصحيفة “الشرق الأوسط” إن بيروت تسلمت الرد الأميركي على الورقة اللبنانية التي تم تسليمها لبراك لدى زيارته العاصمة اللبنانية الأسبوع الماضي، مضيفة أن لبنان سيعمل على دراستها، وحسب المعلومات فإن خلاصة الرد يكمن في وجوب التزام لبنان بمهلة زمنية محددة لحصر سلاح الحزب بيد الدولة على ألا تتعدى المهلة نهاية العام الحالي.
اقرأ أيضاً: المبعوث الأميركي يصل بيروت ويتسلّم ورقة الرد اللبناني
أما من الناحية العسكرية، فيتفق بيضون مع حلاوة أن توكل واشنطن المهمة لإسرائيل لتقوم بعملية الضغط العسكري من خلال الاستهدافات اليومية والاغتيالات لكوادر الحزب وقصف البنى التحتية لحزب الله وخرق سيادة لبنان، وهذا سيدفع باتجاه الضغط على الحكومة من أجل أن تأخذ هذا الموضوع على عاتقها في مسألة سحب السلاح.
‘‘حصر السلاح بيد الدولة’’
ولا يرى بيضون أن ‘‘حزب الله’’ مستعد فعلياً لتسليم سلاحه الآن لكنه منفتح على إعادة تعريف دوره، فيضيف قائلاً: ‘‘هناك انفتاح على إمكانية برمجة سلاح الحزب وإيجاد بدائل عنه عبر تقوية الدولة اللبنانية بمؤسساتها الأمنية والعسكرية، وبالتالي تنتفي حالة وجود سلاح حزب الله، أو الذهاب في صياغة استراتيجية دفاعية تشترك فيه المعادلة الذهبية الجيش والشعب والحزب، بحيث تستثمر قوة الحزب وسلاحه في هذه المعادلة لتأمين التوازن الردعي مع إسرائيل’’.
ورغم تأكيدات عون على أن “قرار حصرية السلاح بيد الدولة اتخذ”، يرى الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن الجيش اللبناني مازال في مرحلة البناء والتكوين والتنظيم، ولا يملك القدرة الكافية على التحرك عسكرياً ضد الحزب أو نزع سلاحه بالقوة.
ويختم حلاوة حديثه بأنه وحدها الضغوط العسكرية الإسرائيلية بالإضافة للضغوط والإغراءات الأميركية السياسية والعسكرية ودخول دول أوروبية مثل فرنسا على الخط، قد تساعد في حل الأزمة وإجبار ‘‘حزب الله’’ على نزع سلاحه، أو الاندماج في مؤسسات الدولة.










