يشكّل قطاع الطاقة أحد أبرز المفاتيح الحيوية لإعادة تنشيط الاقتصاد السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب التي ألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية النفطية والكهربائية، وأخرجت أجزاء كبيرة منها عن الخدمة.
وهذا القطاع، الذي كان يشكّل رافعة أساسية للاقتصاد الوطني قبل عام 2011، يجد نفسه اليوم في قلب أي نقاش جدي حول التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
فمع تراجع الإنتاج النفطي إلى مستويات متدنية، وخروج عدد كبير من الحقول عن السيطرة أو الخدمة، إضافة إلى تضرر محطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع، تواجه البلاد أزمة طاقة حادة ألقت بظلالها على مختلف القطاعات.
وقد انعكست هذه الأزمة بشكل مباشر على الصناعة التي تعاني من نقص الكهرباء وارتفاع تكاليف التشغيل، وعلى الزراعة التي تأثرت بضعف القدرة على تشغيل أنظمة الري، فضلاً عن تراجع مستوى الخدمات الأساسية التي يعتمد استمرارها على توفر الطاقة بشكل مستقر.
وفي ظل الحديث المتزايد عن خطط إعادة الإعمار وإحياء الاقتصاد، يبرز قطاع الطاقة بوصفه حجر الأساس في أي عملية تعافٍ محتملة، فإعادة تأهيل هذا القطاع لا تعني فقط تحسين واقع الكهرباء والمحروقات، بل تمثل مدخلاً ضرورياً لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتحسين البيئة الاقتصادية بشكل عام.
الطاقة مفتاح التعافي
يقول علي متولي، الاستشاري الاقتصادي بشركة “آي بي إس” للاستشارات في لندن، إن قطاع الطاقة يمكن أن يكون مفتاح التشغيل لأي تعافٍ اقتصادي سوري، ليس لأنه يضيف إنتاجاً بحد ذاته فقط، بل لأنه المدخل الوسيط الذي يرفع إنتاجية جميع القطاعات الأخرى.
ويضيف متولي في حديث لـ”963+”، أن الكهرباء والوقود يحددان نظرياً تكلفة الوحدة في الصناعة والزراعة والخدمات، ويؤثران في قدرة الشركات على العمل لساعات أطول، وفي انتظام سلاسل التوريد، وتشغيل مضخات المياه والري والتبريد والنقل، ويشير إلى أن كل ساعة كهرباء إضافية ليست مجرد خدمة بل تمثل زيادة في الإنتاج الممكن عبر الاقتصاد كله.
ويشير، إلى أن الواقع السوري يوضح ذلك بحدة، إذ يقدّر البنك الدولي أن خدمات الشبكة أصبحت غير موثوقة ومحدودة إلى ما بين ساعتين وأربع ساعات يومياً في المتوسط، بينما بالكاد يسمح نقص الوقود بتشغيل النظام عند نحو 1800 ميغاواط، مضيفاً أن توليد الكهرباء انخفض إلى 17.1 تيراواط/ساعة في عام 2024 مقارنة بعام 2020، أي بتراجع يقارب 32.9%.
ويوضح أن الطاقة في جانب النفط والغاز لا تقتصر على الكهرباء والخدمات فقط، بل تمثل أيضاً رافعة مالية وخارجية، إذ كانت سوريا قبل الحرب تنتج قرابة 380 ألف برميل يومياً، لكنه يشير إلى أن الإنتاج انهار خلال سنوات النزاع بنحو 90%، ويؤكد أن هذا الفارق يعني خسارة كبيرة في الإيرادات والعملات الصعبة، وتراجع قدرة الدولة على تمويل استيراد الوقود وقطع الغيار، ما يربط الطاقة مباشرة باستقرار الاقتصاد الكلي.
ويؤكد متولي أن التحديات أمام إعادة تأهيل القطاع ليست تقنية فقط، بل هي حزمة معقدة من الاقتصاد والسياسة والحوكمة، وأن أول هذه التحديات يتمثل في حجم الدمار والتقادم، إذ تقدر تكاليف إعادة الإعمار بعد الصراع بنحو 216 مليار دولار، فيما تقارب الأضرار المباشرة في رأس المال المادي 108 مليارات دولار، وكانت البنية التحتية الأكثر تضرراً بنحو 52 مليار دولار، ويشير إلى أن إعادة التأهيل لا تعني فقط إصلاح محطات، بل إعادة بناء منظومة نقل وتوزيع ومحولات وخطوط وقود وموانئ وإمداد.
ويضيف أن التحدي الثاني يتعلق بالوقود وسلاسل الإمداد، موضحاً أنه حتى في حال إصلاح محطات التوليد، فإن الحاجة تبقى قائمة لتوفير الغاز أو الوقود بشكل منتظم إلى جانب قطع الغيار وخدمات الصيانة، ويشير إلى أن الحرب جعلت الإمدادات متقطعة ومكلفة، كما أن الاعتماد على الاستيراد في ظل عملة ضعيفة يخلق ضغطاً دائماً على التشغيل.
ويتابع أن التحدي الثالث يتمثل في القدرة المؤسسية والفاقد، موضحاً أن الشبكات المتضررة تعاني عادة من فاقد فني وغير فني مرتفع، مثل السرقات والتعديات والتهالك، ما يجعل الكهرباء المتاحة أقل بكثير من الكهرباء المولدة ويقوض الاستدامة المالية لأي تشغيل.
ويشير إلى أن التحدي الرابع يتعلق بالاستقرار والأمن وتشتت السيطرة على الموارد، موضحاً أن النفط والغاز في سوريا يتركزان تاريخياً في مناطق محددة، وقد تغيرت خرائط السيطرة والإدارة خلال الحرب، ما يخلق مخاطر على التشغيل والعقود وحماية الأصول.
ويضيف أن التحدي الخامس يرتبط بالإطار التنظيمي والتسعير، مؤكداً أن أي مستثمر أو ممول سيطلب وضوحاً في التعرفة وآليات التحصيل وضمانات الدفع، وإلا ستظل المشاريع تعتمد على المنح والتدخلات الطارئة بدلاً من الاستثمار طويل الأجل.
استثمارات تعزز السوق
يقول الدكتور نسيب غبريل، الباحث الاقتصادي والخبير المالي والمصرفي، إن قطاع الطاقة في سوريا كان يلعب دوراً مهماً في عجلة الاقتصاد السوري قبل اندلاع الحرب، ويضيف أن الاستثمارات الأجنبية التي ستدخل السوق السورية، سواء في خطوط نقل الطاقة أو مصافي النفط، ستسهم بطبيعة الحال في رفد الاقتصاد السوري بالعملات الأجنبية.
ويشير غبريل، إلى أن زيادة إنتاج النفط والغاز ستؤدي إلى تحسين إنتاج الكهرباء، ما سينعكس إيجابياً على معظم نواحي الاقتصاد السوري، سواء في الشركات أو المعامل أو خطوط الإنتاج، ويؤكد أن ذلك من شأنه دعم بيئة العمل وتعزيز فرصها.
ويضيف في حديث لـ”963+”، أن أبرز التحديات التي تواجه هذا القطاع تتمثل في الضرر الهائل الذي لحق به جراء الحرب، موضحاً أن سوريا تحتاج إلى دخول الشركات الأجنبية والعربية للاستثمار في قطاع الطاقة من أجل إعادة تأهيله.
ويوضح أن قطاع النفط في سوريا يمر بمرحلة انتقالية هشة، ينتقل فيها من فترة الحرب والخسائر الكبيرة التي تعرض لها إلى مرحلة التأهيل، ويؤكد أن إعادة الإنتاج تمثل خطوة أساسية ليتمكن القطاع من تلبية الكميات التي يحتاجها الاقتصاد السوري.
ويلفت إلى أن استعادة حقول النفط جاءت بعد الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في كانون الثاني/يناير الماضي تطور مهم، ويضيف أن هذا التطور الإيجابي يقابله في الوقت نفسه حجم الضرر الذي لحق بقطاع النفط نتيجة العمليات العسكرية وعمليات الاستخراج غير المنظم، ما أسهم في تراجع إنتاج النفط.
ويشير إلى أن الإنتاج الحالي في سوريا يُقدّر بنحو 110 براميل نفط يومياً، مؤكداً أنه لا يزال دون مستويات الإنتاج قبل الحرب، ويضيف أن استعادة الحقول يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاج بعد تأهيلها.
ويؤكد أن رفع الإنتاج إلى ما بين 50 و60% من مستوياته قبل الحرب يحتاج إلى نحو عامين، بينما تتطلب العودة إلى مستويات ما قبل الحرب فترة تصل إلى أربع سنوات، وأن سوريا بحاجة أيضاً إلى زيادة إنتاج الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي، مشدداً على أن ذلك يشكل عاملاً أساسياً في دعم قطاع الطاقة وتحسين استقراره.
ويشدد على أن هناك أيضاً تحدياً بيئياً وصحياً متراكماً نتيجة سنوات التكرير البدائي والتسربات، ما يرفع كلفة إعادة التشغيل الآمن حتى عند توفر المعدات، ويشير إلى أن هذه المشكلة تتكرر في القطاعات بعد النزاعات وتتطلب برامج تنظيف وتأهيل موازية لأي إعادة تشغيل.










