لا تزال العلاقات بين سوريا ولبنان عالقة عند تقاطع الذاكرة المثقلة بالدماء والسياسة، والواقع المعاصر الذي يفرض تحديات جديدة. وإذا كان الحكم السوري الجديد قد بادر منذ أشهر إلى الانفتاح على جيرانه، عبر زيارات ومحادثات شملت العراق وتركيا والأردن، وحتى لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين، فإن لبنان ظلّ مستثنى من هذا الحراك. هذا الاستثناء لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بل هو إشارة عميقة إلى أن العلاقة بين البلدين أكثر تعقيداً من أن تُعالج بزيارة رسمية أو بمصافحة على منصة دولية.
فاللقاء الأخير بين الرئيس اللبناني جوزف عون ونظيره السوري الانتقالي أحمد الشرع خلا القمة العربية، لم يُخرج العلاقات من إطارها التقليدي القائم على لجان مشتركة وبيانات توافقية وكلمات منمقة تقال للصحفيين. الملفات الجوهرية ظلت كما هي: الحدود التي لم تُرسم بدقة منذ الاستقلال، ملف الموقوفين الإسلاميين السوريين في السجون اللبنانية، قضية المخفيين قسراً في سوريا من اللبنانيين، أزمة النازحين، وأخيراً، إرث الحرب السورية الذي لم ينطفئ أثره في النفوس.
لم تكن الحدود السورية – اللبنانية يوماً مجرد خط جغرافي يفصل بين دولتين مستقلتين. منذ الانتداب الفرنسي في عشرينات القرن الماضي، بقيت هذه الحدود غير مرسمة بدقة، تُرسم بالحروب والاتفاقات الجزئية أكثر مما تُرسم بالقلم والخرائط. ومع مرور العقود، تحولت إلى ممر مفتوح للتهريب، ساحة لعمليات الميليشيات، وخط إمداد استراتيجي، خاصة لـ”حزب الله” الذي بنى عبرها شبكة نفوذ تتجاوز السيطرة الأمنية إلى الاقتصاد الموازي.
اليوم، يتجدد الحديث عن اتفاق أولي لترسيم الحدود برعاية سعودية، لكن التنفيذ يصطدم بعقبات جوهرية. فإضافة إلى تعقيدات الجغرافيا والقرى المتداخلة بين البلدين، هناك عقدة مزارع شبعا التي تخلط الأوراق: هل هي سورية تُحتل من قبل إسرائيل، أم لبنانية تحتاج إلى اعتراف سوري صريح؟ أم إن إسرائيل قد سلبتها إلى الأبد؟ هذه المسألة لا تقتصر على نزاع قانوني أو حفنة من التراب، بل ترتبط مباشرة بشرعية أي مقاومة لبنانية ضد إسرائيل.
إلى جانب الحدود، هناك ملف لا يقل حساسية: الموقوفون الإسلاميون السوريون في السجون اللبنانية. النظام السوري الجديد يرى فيهم امتداداً لصراعات إقليمية، ويعتبر أنهم ورقة ينبغي أن تُدار سياسياً لا قضائياً. أما الدولة اللبنانية، فتصرّ على أن هؤلاء ارتكبوا جرائم على أراضيها ويجب أن يخضعوا لقوانينها. هذا التباين يعكس في جوهره غياب الثقة بين النظامين، حيث يتحول كل ملف قضائي إلى ساحة اختبار للسيادة والقرار المستقل.
وفي موازاة ذلك، يظل ملف المخفيين قسراً من اللبنانيين في سوريا جرحاً مفتوحاً لم يلتئم منذ عقود. مئات العائلات اللبنانية تنتظر جواباً لم يأتِ: أين أبناؤهم الذين اعتُقلوا أو خُطفوا خلال فترة الوجود العسكري السوري في لبنان؟ كل لقاء رسمي يعيد إثارة الملف، لكن دون أي تقدم ملموس. هنا تحديداً يظهر البعد النفسي للعلاقات: فلبنان لا ينظر إلى سوريا كجار فحسب، بل كقوة مارست عليه وصاية قاسية، تركت خلفها ضحايا لم تُكتب نهايات قصصهم بعد.
أزمة النازحين السوريين في لبنان تمثل معضلة أخرى. لبنان، الذي يستضيف مئات الآلاف منهم، يرى في استمرار وجودهم خطراً اقتصادياً واجتماعياً يهدد تركيبته الديموغرافية الهشة. أما دمشق، فتتعامل مع عودتهم وفق حسابات أمنية وسياسية دقيقة، فهي لا تريد عودة جماعية غير منضبطة قد تخلق توترات جديدة داخل سوريا.
اللقاء البروتوكولي الأخير بين الرئيسين عون والشرع الذي حدث في 15 سبتمبر/أيلول شهد حديثاً عن “ارتياح” دمشق لبدء عودة مجموعات محدودة. لكن هذا الارتياح يبقى رمزياً أكثر منه عملياً. فالقضية أكبر من مجرد دفعات عائدة: إنها مرتبطة بتوازنات داخلية سورية، وبحسابات دولية حول إعادة الإعمار وربطها بالحل السياسي.
لا يمكن الحديث عن العلاقات السورية – اللبنانية دون التطرق إلى دور “حزب الله” في الحرب السورية. فالحزب لم يشارك فقط في دعم النظام السابق عسكرياً، بل ارتبط اسمه بمجازر ودمار تركت أثرها العميق على الوعي الشعبي في البلدين. اليوم، مع تغير الحكم في دمشق، لم تُمحَ هذه الذاكرة، بل ظلت كامنة كعائق أمام أي مصالحة حقيقية. صحيح أن النظام الجديد لم يفعل شيئاً للثأر من الحزب، لكن النفوس ليست جاهزة لعلاقة طبيعية بين الطرفين.
ففي سوريا، ثمة من يرى في تدخل الحزب احتلالاً مقنّعاً، وفي لبنان هناك من يعتبر أن هذه المشاركة دفعت البلاد إلى مواجهة عزلة دولية، ووضعت علاقاتها مع العالم العربي في مهب الريح. ومع أن الحزب لا يزال لاعباً رئيسياً على الحدود، فإن ذكراه في الحرب السورية ستظل جزءاً من أي نقاش سياسي أو أمني بين البلدين.
إن المفارقة الكبرى في العلاقات السورية – اللبنانية تكمن في هذا التناقض: الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد تجعل التنسيق بين البلدين ضرورة لا مهرب منها، لكن الإرث السياسي والثقافي والدموي يجعله أمر صعب المنال. النظام السوري الجديد قد ينجح في فتح أبواب بغداد وأنقرة وعمّان، وربما حتى تل أبيب، لكنه سيبقى يجد صعوبة في فتح أبواب بيروت. ليس لأن لبنان أكثر تعقيداً من غيره، بل لأنه المرآة التي تعكس كل ما تريد دمشق أن تنساه: الاحتلال، الحرب، المعتقلون، والحدود المتداخلة.
اللقاء الأخير بين عون والشرع، رغم ما رافقه من لغة دبلوماسية حول “التعاون” و”التنسيق”، لم ينجح في تجاوز هذه الحقيقة. نعم، شُكلت لجان، وتقرر تبادل الزيارات، لكن جوهر المشكلة ظل على حاله: غياب الرؤية الاستراتيجية المشتركة، وغياب الإرادة في مواجهة الملفات الصعبة بلا مواربة.
يبقى السؤال الأهم اليوم: هل يملك لبنان وسوريا الشجاعة السياسية لمقاربة هذه الملفات بروح جديدة؟ أم أن العلاقات ستظل تدور في حلقة مفرغة من البيانات المشتركة واللجان العقيمة؟ هل يريد الحكم السوري الجديد فعلاً علاقة طبيعية مع لبنان، أم يراه مجرد ساحة خلفية يجب أن تبقى ضمن مجاله الحيوي؟ وهل يستطيع لبنان، في ظل انقساماته الداخلية وضعف دولته، أن يفرض أجندة متكاملة في أي حوار مع دمشق؟ هذه الأسئلة ليست تقنية ولا آنية، بل هي جوهر العلاقة بين بلدين يتقاطعان في كل شيء، ويختلفان على كل شيء. وإجاباتها لن تحدد فقط مسار العلاقات الثنائية، بل ستؤثر في مستقبل التوازنات الإقليمية، وفي قدرة كل من دمشق وبيروت على تجاوز إرث الماضي لبناء حاضر مختلف.
*الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي 963+










