“أصعب ما مررتُ به لم يكن الحرب ولا الفقد، بل أن أستيقظ كل صباح وكأنني أولد من جديد لأجل أولادي”. بهذه الكلمات تستهلّ مها شنور حديثها لـ”963+”، لتفتح نافذة واسعة على عالم النساء السوريات اللواتي يقفن خلف التفاصيل الصغيرة التي تمرّ بلا التفات، بينما يصنعن منها قوة استثنائية لا تُرى بالعين المجردة.
في بلد تتشابك فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية مع تفاصيل الحياة اليومية، بقيت المرأة السورية حجر الأساس؛ اليد التي لا تتوقّف عن العطاء، والصوت الصامت الذي يحمل البيوت على كتفيه دون شكوى.
بدأت منية أسعد مشروعها من زاوية صغيرة في المنزل، من فكرة بدت بسيطة جداً. تقول لـ”963+”: “كنت أرى أن اللمسات الصغيرة تغيّر الجو بالكامل. قطعة ديكور، إنارة هادئة، رائحة لطيفة، هذا ما يعطيني السلام”.
أول شمعة صنعتها لم تكن فاخرة، ولا تحمل أي أدوات محترفة؛ شمع بسيط، أقلام تلوين، وكأس زجاجي من المطبخ. لكنها تتذكر ذلك اليوم جيداً: “كانت بسيطة، لكنها أول إنجاز خرج من يديّ. شعرت أنني قادرة على خلق شيء جميل”.
وتحول شغف الشموع إلى مساحة علاج نفسي، وسط الضغوط اليومية المتواصلة. ومع توسع مشروعها، ظهرت تحديات: صعوبة تأمين المواد، اختلاف الأذواق، ضيق المساحة، وإدارة الوقت. لكن منية بقيت متمسكة بما تعتبره رسالتها الصغيرة: “هذه الشمعة قد تُدخل الراحة إلى أحد البيوت وهذا يكفيني”.
أن تكوني الأم والأب والصديقة
تُجسّد مها شنور نموذج المرأة التي صنعت قوتها من الألم. بعد وفاة زوجها، واجهت مسؤوليات مضاعفة وثلاثة أطفال يحتاجونها بالكامل. تقول لـ”963+”: “لم أسمح للحزن أن يكسِرني أمامهم. كنت لهم الأم والأب والرفيقة”.
واختارت التعليم المفتوح لتتابع دراستها من المنزل دون أن تغيب عن أطفالها. وخصّصت يوم الخميس للاهتمام بهم بالكامل: طبخ، لعب، وإعادة بناء الشعور بالأمان.
وتتابع: “حين رأيتهم يتخرجون ويحققون مراتب متقدمة، أدركت أن كل تعب السنوات كان يستحق التضحية”.
في حين أن آلاء الضبة عاشت أكثر من عشر سنوات في المنفى مع طفلين. تصف الهجرة بأنها “الامتحان الذي يكشف الإنسان لنفسه قبل الآخرين”. تقول لـ”963+”: “الخوف من المجهول كان الأصعب. لكن القوة التي اكتشفتها داخلي كانت أكبر”.
تغيّرت خطط حياتها، تأخرت عن الدراسة، وحملت مسؤوليات ثقيلة، لكنها لم تتوقف: “كنتُ أرفع نفسي بالكلام. أشجعها. أقول لها: يمكنك البدء مجدداً”.
القوة من منظور نفسي
ترى الطبيبة النفسية غالية البغدادي أن مفهوم “المرأة القوية” تغيّر كثيراً رغم بقاء الصورة النمطية. توضح لـ”963+”: “البعض يظن أن المرأة القوية هي صاحبة الطبع الحاد، وهذا غير صحيح. القوة هي الصمود والمثابرة ومواجهة الحياة بوعي”.
وتشير إلى أن الأزمات السورية أظهرت جانباً مضيئاً في قوة المرأة: “المشاريع الصغيرة، من الصابون إلى الشموع والخياطة، وصولاً لدخول مجالات الطب والقانون والتجارة، كلّها دلائل على قدرة المرأة على بناء مستقبلها رغم كل الضغوط”.
وتحذّر من خطورة غياب الدعم الأسري، مؤكدة: “كلمة فخر واحدة قد ترفع فتاة سنوات، وكلمة تحقير واحدة قد تهدم كل ما بنته”.
بدورها تروي سماهر إسماعيل، صاحبة روضة أطفال، تجربتها المهنية والإنسانية في العمل مع الأطفال. تقول لـ”963+”: “الفكرة لم تكن مشروعاً مالياً؛ كانت حاجة تربوية. أردتُ مكاناً يقدّم بيئة تعليمية مبكرة تُنمّي الطفل وتدعمه”.
وتؤكد سماهر أن التوفيق بين إدارة مشروع تربوي وإدارة بيت ليس سهلاً، لكنها ترى أن الحل يكمن في التخطيط والمرونة وإدارة الوقت.
وتضيف: “تربية الأطفال عبادة تحتاج محبة وصبراً. حين تكونين جزءاً من حياة طفل وتغرسين في روحه قيمة نبيلة… فهذا أثمن من أي مكسب مادي”.
وتتابع: “الهوايات ليست ترفاً، بل تساعد المرأة على التوازن بين العمل والحياة. أما الخيبة، فهي جزء من الطريق، إرضاء الجميع مستحيل، لذا علينا خلق بيئة إيجابية لأنفسنا”.
وترى أن النجاح الحقيقي “يُقاس بتطور الأطفال، رضى الأهالي، والتوازن بين المال والقيم”.
وفي زوايا قصص منية ومها وآلاء وسماهر، تتشكل صورة المرأة السورية: صامدة رغم الألم، مبدعة رغم القلة، وباحثة عن العلم رغم القيود. أمّ، معلّمة، عاملة، وصانعة جيل جديد، تؤمن بأن التفاصيل الصغيرة قادرة على تغيير الحياة، وأن القوة الحقيقية غالباً ما تكون مخبّأة خلف الأشياء التي لا يراها أحد.










