في صباح باكر من أحد أيام ريف دمشق، تصعد روان إلى شرفة شقتها في مساكن قدسيا، محاولة يائسة للعثور على إشارة إنترنت صالحة للعمل. الهاتف في يدها، والملفات المراد تحميلها متراكمة على شاشة الكمبيوتر، وكل ثانية تمرّ تتحول إلى اختبار للصبر.
تقول روان لـ”963+“: “أواجه صعوبة كبيرة في تحميل وإرسال الفيديوهات المطلوبة يومياً، وأدفع كلفة مرتفعة مقابل باقات سيريتل وmtn الشبكة مقبولة مقارنة بالـDSL، لكنها غير مستقرة وتتقطع كثيراً، ولا تقدم سرعتها الفعلية في التحميل أو التنزيل”.
وتواجه روان مشكلة شائعة بين السوريين: مع معظم أبراج الشبكة المعطلة أو التي تعرضت للسرقة، تضطر أحياناً للخروج إلى الشارع أو ساحة البلدة فقط لإرسال الملفات.
وهذه المعاناة اليومية ليست مقتصرة على روان وحدها. في بلدة صحنايا، يروي تيم، شاب ثلاثيني، عن صعوبات الاتصال بالإنترنت قائلاً: “الإشارة ضعيفة جداً، الإنترنت يشتغل فقط بالليل، والرسائل تصل بعد ساعات. اضطررنا لشراء جهاز تقوية شبكة، لكنه مكلف جداً ويحتاج كهرباء دائمة. قرب النافذة تأتي الشبكة، لكن داخل المنزل لا تتوفر. المشكلة أن باقات سيريتل وmtn محددة بزمن معين، وغالباً ينتهي الوقت قبل أن أستهلك الباقة كاملة، رغم أنها ليست رخيصة”.
اقرأ أيضاً: وزارة الاتصالات السورية تبرم اتفاقاً لإنزال أول كابل بحري – 963+
قدم البنية التحتية
ويرى الفنيون أن السبب الرئيسي يعود إلى قدم البنية التحتية واعتماد معظم المناطق على كابلات نحاسية مضى عليها أكثر من عقدين.
يقول مازن، تقني اتصالات من ريف دمشق: “في بعض المناطق لا توجد أبراج تغطية أساساً، وفي مناطق أخرى الأبراج موجودة لكن طاقتها محدودة. ومع انقطاع الكهرباء الطويل، تتوقف الأبراج لأن بطارياتها لا تصمد”.
ويضيف: “تطوير الشبكة يحتاج توريدات جديدة وإصلاحات مستمرة، وكل ذلك يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين”.
وبعيداً عن الجهد التقني، ثمة عبء اقتصادي ملحوظ على المواطن السوري. شبكات 3G و4G التي توفرها شركات مثل “سيريتل” و”MTN” تقدم سرعة أعلى من DSL، لكنها مكلفة للغاية، إذ تصل تكلفة باقة 60 غيغابايت إلى أكثر من 80 ألف ليرة سورية، ما يجعل الإنترنت رفاهية للبعض أكثر منها حاجة أساسية.
ولتعويض ضعف الإنترنت الأرضي، لجأ بعض السكان إلى شبكات لاسلكية محلية تديرها شركات صغيرة داخل الأحياء، تصل تكلفة الاشتراك الشهري فيها إلى حوالي 90 ألف ليرة، فيما يصل الاشتراك الأولي لتثبيت أجهزة الالتقاط والراوتر إلى نحو مليون ليرة.
يوضح منير، عامل صيانة في إحدى شركات خدمات الإنترنت، لـ”963+“: “الأسعار مرتفعة بسبب صعوبة استيراد المعدات وغلاء قطع الغيار، كما أن الشبكة تتعطل باستمرار بسبب انقطاع الكهرباء، وكل إصلاح يحتاج وقتاً وجهداً كبيرين”.
مع تزايد الإقبال على الإنترنت الفضائي، برزت هذه الخدمة كخيار بديل، فهي توفر سرعات عالية قد تصل إلى 200 ميغابت في الثانية، لكنها تبقى باهظة التكلفة، إضافة إلى القيود القانونية، إذ يسمح باستخدامها فقط للجهات الرسمية والمنظمات الدولية، بينما يحذر القانون من استخدام أي تجهيزات غير مرخصة.
على الرغم من كل هذه الصعوبات، تسعى وزارة الاتصالات السورية إلى تحسين البنية التحتية الرقمية من خلال مشاريع متعددة.
ويعد مشروع “برق نت” أحد أبرز هذه المبادرات، إذ يهدف إلى توصيل الألياف الضوئية إلى المنازل والمكاتب خلال عامين لتغطية 85% من المشتركين بنظام “النفاذ المفتوح”، ما يتيح دخول عدة مزودين على الشبكة ويعزز المنافسة ويخفض الأسعار.
وفي حزيران/ يونيو الفائت، كانت قد أعلنت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات في الحكومة السورية الانتقالية اليوم الأحد، عن إطلاق مشروع “برق نت” لتوصل الإنترنت “فائق السرعة” إلى جميع أنحاء البلاد.
وقالت الوزارة في بيان حينها، إنها “أطلقت طلب معلومات لمشروع برق نت، لتوصيل شبكة الألياف الضوئية مباشرة إلى المنازل والمكاتب ( FTTP) في كافة مناطق سوريا”.
وأضاف البيان، أن “المشروع يأتي ضمن خطة لتطوير البنية التحتية الرقمية وتقديم خدمة إنترنت فائقة السرعة ومستقرة وآمنة”.
وذكرت الوزارة، أن “برق نت سيتصل مباشرة بالشبكة الوطنية سيلك لينك (SilkLink)، حيث سيبدأ تنفيذ المشروع خلال الأسابيع المقبلة مع السعي لإنجاز عدة مناطق قبل نهاية العام الجاري، ضمن خطة لربط 85% من المنازل والمؤسسات بالبلاد خلال عامين”.
وتضمن البيان، مطالبة “مستثمري البنية التحتية بتمديد الألياف في جميع المدن والبلدات والقرى السورية والتغطية عبر تقنية (FWA) اللاسلكية في حال تعذر إيصال الألياف إلى الأماكن النائية”.
كما يعمل مشروع “سيلك لينك” على ربط سوريا رقمياً بالعالم عبر شبكة ألياف دولية جديدة، ومن المتوقع تنفيذ المرحلة الأولى خلال 6 إلى 8 أشهر.
اقرأ أيضاً: وزارة الاتصالات السورية تعلن بدء عمل منصة “زوم” في البلاد – 963+
“أوغاريت 2”
وفي إطار التعاون الدولي، أعلن المشروع المشترك “أوغاريت 2” مع الولايات المتحدة وقبرص لتحديث الكابل البحري بين طرطوس وقبرص، ما سيضاعف سعة الإنترنت الواردة خلال شهرين فقط.
خلال مؤتمر “AI-SYRIA 2025″، أعلن وزير الاتصالات عبد السلام هيكل إطلاق الجيل الخامس من الاتصالات بشكل تجريبي في دمشق، مؤكداً أن الوزارة تعمل على تطوير الشبكات بخطوات متدرجة لتوسيع نطاق الخدمة تدريجياً إلى باقي المحافظات.
وقال جمال الدين خطيب، رئيس لجنة تسيير أعمال الشركة السورية للاتصالات لـ”963+“: “الشبكة قديمة ومتهالكة، وتتعرّض لسرقات واعتداءات متكررة. ترميمها يحتاج إلى توريدات جديدة وزمن طويل، لكن العمل جارٍ فعلاً، غير أن حجم الطلب أكبر بكثير من التحسين الذي تم تحقيقه حتى الآن”.
وأضاف: “معظم الأعطال ناتجة عن ضعف البنية التحتية، ولهذا وضعت الوزارة خطة شاملة لبنية جديدة تعتمد على الألياف الضوئية ومشاريع توسعة متدرجة”.
وأكد خطيب أيضاً على الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تطوير البنية التحتية، مشيراً إلى أن مشروع “سيلك لينك” يجري التحضير له بالتعاون مع هذه الجهات، ومن المتوقع تنفيذ المرحلة الأولى خلال 6 إلى 8 أشهر.
وأوضح أن مشروع “برق نت” يشمل تجربة تقنيتي “FTTH” و”FWA”، ويتم تطبيقها حالياً في إحدى مناطق دمشق، ضمن خطوات لتوسيع الشبكة تدريجياً. وعن الجيل الخامس، قال: “خلال الأشهر الستة القادمة إن شاء الله، وهناك عمل مستمر لتوسيع التجربة التجريبية إلى باقي المحافظات”.
وعن تقييد المواقع، أشار خطيب: “لا توجد أي مواقع محجوبة سوى المواقع الإباحية والإسرائيلية، أما باقي الخدمات فمتاحة بشكل كامل ضمن سياسات الحماية الوطنية”.
اقرأ أيضاً: وزير الاتصالات: ننسق يومياً مع واشنطن لإزالة سوريا من قائمة الدول المقيدة – 963+
ورغم كل هذه الجهود، يظل المواطن السوري، كما روان وتيم، أمام تحديات يومية مع الإنترنت: بطء الشبكة، انقطاع الخدمة، تكاليف مرتفعة، وغياب الكهرباء المنتظم. وفي الأحياء والريف، كثيرون يضطرون لصنع حلول بدائية لتقوية الإشارة، مثل تمديد الأسلاك أو استخدام أجهزة إضافية باهظة الثمن. المشهد يعكس الفجوة الكبيرة بين الحاجة الملحة للاتصال الرقمي والحقيقة الواقعية لشبكات الإنترنت في البلاد، في وقت أصبح فيه الإنترنت ضرورة أساسية للحياة اليومية، لا مجرد رفاهية كما كان يُتصور في السابق.
ومثلما تواجه روان وتيم صعوبات الاتصال، يعكس هذا الواقع مشكلة أكبر تتعلق بكيفية إدماج التكنولوجيا الحديثة في حياة السوريين، خصوصاً بعد عقود من الإهمال في البنية التحتية، والحروب التي أضعفت الشبكات القديمة، وتزايد الاعتماد على الإنترنت في مجالات العمل والتعليم والخدمات الحكومية.
فبين وعود المشاريع المستقبلية، وبين الاحتياجات اليومية العاجلة، يبقى المواطن السوري في حالة ترقب مستمر، محاولاً تحقيق توازن بين الواقع المادي للخدمة وبين الحاجة الملحة إلى التواصل الرقمي.










