في أعقاب مؤتمره الثاني عشر الذي عُقد بين 5 و7 أيار/مايو، أعلن حزب العمال الكردستاني (PKK)، عن نزع سلاحه وحلّه، وذلك في بيانه الصادر بتاريخ 12 أيار/مايو 2025.
جاء هذا الإعلان ردّاً على مبادرة أطلقها زعيم حزب الحركة القومية اليميني، دولت بهجلي، الحليف الرئيسي لرجب طيب أردوغان، في تشرين الأول/أكتوبر 2024. وبناءً على هذه المبادرة، قاد وفد من حزب الديموقراطية ومساواة الشعوب “ديم”، المؤيد للأكراد، سلسلة اجتماعات مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، المسجون في جزيرة إمرالي منذ عام 1999.
وعقب هذه الاجتماعات، في شباط/فبراير 2025، دعا أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني، الجماعة إلى حل نفسها، وفي 1 آذار/مارس 2025، أعلن الحزب وقف إطلاق النار.
استمرت الاجتماعات التي قادها حزب “ديم” على مدى الأسابيع والأشهر التالية، وبلغت ذروتها في الإعلان الصادر في 12 أيار، منهياً بذلك فعلياً صراعاً استمر 40 عاماً، وأودى بحياة عشرات الآلاف.
بداية عهد جديد
أعلن حزب الشعب الجمهوري، المعارضة الرئيسية في البلاد، انفتاحه على إجراء محادثات مع حزب العمال الكردستاني، لكنه حذّر أيضاً من أن هذه الخطوة سياسية بالدرجة الأولى، مشيراً إلى أن تحالف حزب العدالة والتنمية الحاكم وحزب الحركة القومية يسعيان لكسب دعم الأحزاب الكردية قبل طرح التعديلات الدستورية.
يشير تصريح الحزب، الذي تصدّر نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، إلى مناقشات حول ضرورة سعي الرئيس لإجراء تعديلات دستورية إذا ما ترشح لولاية رئاسية رابعة. ويحدد الدستور الحالي مدة الرئاسة بفترتين، مدة كل منهما خمس سنوات. وقد كانت قانونية ترشح الرئيس أردوغان في الانتخابات العامة العام الماضي موضع جدل بالفعل، ومع ذلك فقد ترشح وفاز في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية.
عندما أعلن أردوغان دعمه لمبادرة بهجلي، قال أيضاً: “نأمل أن نتمكن من توسيع قاعدة التوافق الاجتماعي على الدستور الجديد”.
لا يزال من غير الواضح ما يعنيه هذا السلام الجديد في سياق المحاكمات العديدة الجارية المتعلقة بتهم الإرهاب، ومن بينها قضية “أكاديميون من أجل السلام”، ومئات رؤساء البلديات المنتخبين الذين استُبدلوا بأمناء معينين من قِبَل الحكومة، بدعوى صلاتهم بالإرهاب كسبب رئيس.
يُعد حزب “دام” (سابقاً باسم حزب الشعوب الديموقراطي)، ثالث أكبر حزب سياسي في تركيا. بعد الانتخابات المحلية السابقة، أُقيل 58 من رؤساء البلديات المنتخبين ديموقراطياً من الحزب، واستُبدلوا بأمناء معينين من قِبَل الدولة بسبب صلاتهم المزعومة بالمسلحين الأكراد أو بحزب العمال الكردستاني. كما استُبدل رؤساء بلديات من الحزب المعارض الرئيسي في البلاد بتهم الارتباط بالعمال الكردستاني.
في حديثه إلى المشرّعين من حزب العدالة والتنمية في البرلمان يوم الأربعاء الماضي، قال الرئيس رجب طيب أردوغان إنه يعتقد أن استبدال رؤساء البلديات المنتخبين بـ”أوصياء” حكوميين سيصبح حدثاً نادراً في تركيا بمجرد أن يتخذ حزب العمال الكردستاني قراره بحل نفسه.
يأمل حزب العمال الكردستاني أن تقوم الدولة التركية، مقابل خطوة الحل، بالاعتراف رسمياً بالحقوق السياسية والثقافية للأكراد، بما في ذلك خطوات قانونية مثل تغيير قوانين مكافحة الإرهاب، وإطلاق سراح السياسيين الأكراد من السجون، وإعادة رؤساء البلديات الأكراد الذين أُقيلوا من مناصبهم في جنوب شرق تركيا.
في المقابل، فإن لأردوغان أسبابه الداخلية الخاصة لتبني السلام مع الأكراد، وهو الذي يبحث عن سبل قانونية لتأمين ولاية ثالثة له بعد عام 2028.
لا يزال أردوغان قوياً، إلا أنه يشعر أيضاً بانخفاض كبير في شعبيته. يكتسب منافسوه العلمانيون، وعلى رأسهم رئيس بلدية إسطنبول — الذي سجنه — أرضيةً خصبة. لا يزال عليه الفوز في الانتخابات والدفع بتعديلات دستورية لتمديد حكمه، وكل ذلك يتطلب دعماً كردياً.
في البرلمان التركي، المكوّن من 600 مقعد، لا يبلغ الائتلاف الحاكم بمقاعده الـ324 الحد الأدنى المطلوب، وهو 360 صوتًا، لإجراء تعديلات دستورية أو الدعوة إلى انتخابات مبكرة. وبالتالي، فإن مقاعد حزب “ديم” البالغ عددها 57 ستساعد السلطة في تجاوز هذا الحد.
تأمل الحكومة التركية، من خلال استمرار مشاركتها في محادثات السلام، في ضمان دعم حزب “ديم” للإصلاحات الانتخابية، بينما يأمل الأخير في انتزاع تنازلات مؤيدة للأكراد. ومن المرجّح أن توافق أنقرة على بعض هذه التنازلات كتدابير لبناء الثقة، مثل منح زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، أوجلان، حريات إضافية، والإفراج عن أعضاء الحزب السلميين المسجونين، والسماح باستخدام اللغة الكردية في المدارس والمؤسسات الحكومية، وتوسيع نطاق الإعلام الكردي.
من الناحية الأمنية، سيُقلل حل حزب العمال الكردستاني من خطر الهجمات التي تستهدف تركيا. ويُظهر بيان حزب العمال الكردستاني تماسكاً داخل الجماعة لدعم دعوة أوجلان السابقة لحل الحزب، ويشير إلى التزام تام من قبل أعضائه بعملية السلام، كما سينشّط الاقتصاد التركي الذي خسر نحو تريليوني دولار خلال عقود الصراع مع الحزب، حسب التصريحات الرسمية.
ينص مشروع القانون المقرر تقديمه إلى البرلمان بحلول شهر حزيران/يونيو على أقصى تقدير، على الإفراج المشروط عن جميع المحتجزين احتياطياً على ذمة المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم قبل 31 تموز/يوليو 2023، إلى جانب خطط لإطلاق سراح المرضى أو النساء اللاتي لديهن أطفال، ووضعهن تحت الإقامة الجبرية إذا كن يقضين عقوبات تقل عن خمس سنوات.
وذكرت وسائل إعلام تركية أن هذه الخطوات قد تشمل أكثر من 60 ألف شخص، لكن السلطات تؤكد أنها حريصة على عدم تصوير الأمر على أنه “عفو عام”.
قال وزير العدل التركي، يلماز تونج: “لا ينبغي أن يموت السجناء المرضى في السجن. لا ينبغي تفسير هذه الإجراءات على أنها عفو عام. هذا غير مدرج على جدول الأعمال”.
لكن الرئيسة المشاركة لحزب “ديم”، تولاي هاتيموغولاري، أكّدت على ضرورة التحرّك لإطلاق سراح السجناء. وقالت يوم الاثنين: “هناك ما يقرب من 10 آلاف سجين سياسي في هذا البلد. وإذا كان من المقرر أن تنطلق عملية السلام، فيجب إطلاق سراحهم في أقرب وقت ممكن”.
وحدة سوريا أولاً… ولكن بشروط
إعلان “العمال الكردستاني” هذا الأسبوع لن يقتصر تأثيره على تركيا فحسب، فالأكراد شعب قوامه حوالي 40 مليون نسمة، ينتشرون على مساحة تلتقي جغرافياً عبر الحدود السورية والعراقية والإيرانية والتركية. وبصفتهم أقلية عرقية في كل من هذه الدول، سعت جماعات المقاومة والأحزاب السياسية الكردية المختلفة إلى تقرير مصير الأكراد، بعضها بعنف وبعضها الآخر سلمياً. وقد ارتبط الكثير منها بحزب العمال الكردستاني، فيما اتّبعت معظم الجماعات الكردية نهج الحزب أيديولوجياً وأبدت تعاطفاً غير محدود معه.
في العمق، حزب العمال الكردستاني ليس سوى منظمة واحدة ضمن الحركة الكردية، وهناك أيضاً مكونات أخرى لهذه الحركة داخل تركيا وخارجها.
بعد أن تحولت الثورة السورية عام 2011 إلى حرب أهلية، تمكنت الجماعات الكردية من السيطرة على الأجزاء الشمالية الشرقية من البلاد، حيث يعيش العديد من الأكراد السوريين. يشكل الأكراد ما بين 8٪ و10٪ من سكان سوريا.
وتخضع هذه المناطق، المعروفة الآن باسم الإدارة الذاتية الديموقراطية لشمال وشرق سوريا، لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، التي تمتلك قوة عسكرية قوامها حوالي 100 ألف رجل وامرأة، وتغطي ثلث مساحة سوريا و70٪ من مواردها من النفط والغاز.
تعاونت “قسد” مع القوات الأمريكية في قتال “داعش” في سوريا، وتنفي بانتظام أي انتماء لها لحزب العمال الكردستاني. وقد صرّح قادة قوات سوريا الديموقراطية بأن دعوات عبد الله أوجلان، الشريك المؤسس لحزب العمال الكردستاني، لنزع سلاح الحزب لا تؤثر عليهم بشكل مباشر.
يقول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يخطط لسحب القوات الأميركية من سوريا؛ فقد منعت هذه القوات تركيا سابقاً من استهداف “قسد”، وتريد الحكومة السورية الجديدة، المدعومة من تركيا، ضمان عدم انفصال المناطق المهمة الخاضعة لسيطرة الأكراد عن سوريا.
في آذار/مارس، اتفقت “قسد” والحكومة في دمشق على وحدة البلاد. ويعتبر الخبراء أن هذا الاتفاق سهّل من نجاح عملية السلام والمصالحة بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، والعكس صحيح.
وافقت “قسد” على الاندماج في الحكومة السورية المركزية، لكنها لا تزال تطالب بالعديد من البنود التي تراها مصيرية لشعوب شمال شرق سوريا ككل، وليس للأكراد فقط.
قد تلعب الأحزاب السياسية الكردية العراقية و”قسد” دوراً في مستقبل المنطقة، لجهة تثبيت أو تشتيت التحالفات الإقليمية، خاصة في ظل التوافق الكردي-الكردي مؤخراً، على خلفية “مؤتمر وحدة الموقف الكردي” الذي عُقد في مناطق الإدارة الذاتية بمباركة من أربيل وبروكسل.
ويبقى كل ما سبق مرهوناً بمدى قدرة أنقرة على إخراج الملف الكردي من الحسابات الداخلية الضيقة والتعامل معه بما تفرضه التحوّلات الإقليمية، التي بدأت بهجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتعززت مع سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
نشرت هذه المادة في العدد الحادي عشر من صحيفة “963+” الأسبوعية والصادرة يوم الجمعة 16 أيار /مايو 2025.
لتحميل كامل العدد الحادي عشر من الصحيفة النقر هنا: الصحيفة – 963+










