نهر الفرات، الذي كان لقرون طويلة شريان حياة لشرق سوريا، تحوّل اليوم إلى مصدر رعب في دير الزور. تدور عجلة الحياة حول ضفاف النهر العظيم، بينما يروي السكان قصص الكوليرا التي حوّلت مياهه إلى سُمّ بطيء.
أمّ تبكي طفلها، وطبيبٌ يحارب بلا أسلحة، ومسؤول يصرخ في وادٍ من الإهمال. يقول أبو علي، من سكان بلدة هرابش في ريف دير الزور لـ”963+”: “المياه أصبحت نقمة. قبل شهر، شرب ابني من بئر المنزل، وبعد ساعات أصيب بإسهال حاد، فنقلناه إلى المشفى وهو فاقد الوعي. الطبيب أكد إصابته بالكوليرا”.
ويضيف: “اليوم نعتمد على شراء الماء المعبأ من المحلات التجارية، لكن غالبية الجيران وأهالي الحي لا يملكون المال. معظمهم يغلي مياه الآبار، وآخرون يجلبونها من النهر لعدم وجود فلاتر في المنزل، نتيجة انقطاع الكهرباء”.
ويشير إلى أن “كثيرون ماتوا بسبب الجفاف، والكوليرا تفتك بنا، والفقر يمنعنا من النجاة. لا توجد توعية للأهالي بأن المياه ملوثة، ولو علمنا لما شرب أحد منها. بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى المستشفيات المزدحمة بالمرضى، سواء من داء الكوليرا أو من أمراض أخرى. أسعار الأدوية في العيادات الخاصة والصيدليات مرتفعة جداً”.
تحديات كثيرة
وتقول أم صعب من ريف دير الزور الشرقي لـ”963+”: “لم نعد نعرف أي تحديات نواجه. الهواء ملوث، والماء ملوث، وكل ذلك بسبب عوامل بشرية. أخاف أن أفتح النافذة بسبب روائح المجاري المكشوفة. لا يكاد يمر شهر إلا ويقع أحد الأطفال مريضاً، إما بسبب تناول طعام ملوث، أو نتيجة مياه الصرف الصحي، أو عدم غسل الخضار. لا تتفاجأ إن قلت إن الكوليرا لا تغادر المنزل”.
وتضيف: “الأمر صعب للغاية. نفقد أبناءنا بسبب نقص الوعي الذي يجعل الكوليرا تنتقل بسرعة، وغالبًا ما يكون السبب هو المياه التي نشربها، فهي غير آمنة. أريد أن أقول للجميع إن عليهم أن يكونوا حذرين ويتأكدوا من مصادر المياه التي يستخدمونها. يجب أن نتعاون لحماية بعضنا البعض”.
ويقول الناشط الإغاثي محمد العواد، العامل في منظمة “إنصاف” بدير الزور لـ”963+”: “الكارثة مصنَّعة. 80% من محطات المياه في دير الزور معطلة بسبب القصف، وشبكات الصرف الصحي ممزقة منذ سنوات. الأهالي يشربون من الفرات الملوث بمياه المجاري والمخلفات الصناعية. التحدي الأكبر هو نقص الكلور وأدوية الجفاف”.
ويضيف: “منذ قرابة الشهرين حتى اليوم، وثقنا ما يقارب 800 حالة إصابة مؤكدة، والأرقام الحقيقية أعلى بكثير. المنظمات الدولية تتحرك ببطء قاتل”.
أما الدكتور محمد الأسود، من مشفى هجين العام في دير الزور، فيقول لـ”963+”: “نواجه الكارثة بأدوات بدائية. الأسرّة ممتدة إلى الممرات، وهناك نقص حاد في محاليل الجفاف والمضادات الحيوية. معظم الحالات تصل في مرحلة متقدمة بسبب بُعد القرى. لدينا جهاز غسيل كلوي واحد، وغالباً ما تكون الكهرباء مقطوعة. للأسف، أكثر من 30% من الوفيات هم أطفال”.
ويدعو إلى دعم المستشفيات بمستلزمات طبية حديثة قبل أن يتحول الوباء إلى إبادة، مضيفاً: “حقيقة الوضع مقلقة للغاية. نستقبل العديد من حالات الإصابة بالكوليرا يومياً، والمستشفيات تعاني من نقص حاد في الأدوية والمعدات الطبية. وتشمل التحديات الأخرى نقص الموارد وارتفاع عدد المرضى وصعوبة الوصول إلى المناطق الريفية حيث تتركز معظم الحالات”.
ويشدد على ضرورة زيادة الوعي حول المرض وتوفير العلاج اللازم، مؤكدًا الحاجة إلى دعم أكبر من المجتمع الدولي لتحسين الخدمات الصحية.
انعدام التمويل
ويقول تركي السالم، وهو مسؤول في وحدات المياه بدير الزور لـ”963+”: “المشكلة ليست تقنية فقط؛ فالمحطات الرئيسية قُصفت خلال الحرب، وإعادة تأهيلها تحتاج إلى سنوات. التحدي الحقيقي هو انعدام التمويل؛ فلا توجد ميزانية لشراء الكلور أو قطع الغيار، وحتى الصهاريج التي نوزع بها المياه متهالكة”.
ويضيف: “الأخطر أن بعض الآبار الارتوازية تُحفر بطريقة عشوائية وتلوث الطبقات الجوفية. الحل الوحيد هو دعم دولي عاجل وإدخال وحدات تحلية متنقلة. للأسف، أصبحت المياه سبباً رئيسياً في فشل مكافحة الكوليرا، فالكثير من السكان يعتمدون على مصادر غير آمنة، مما يزيد من خطر الإصابة”.
ويؤكد على أنهم كوحدات مياه “يحاولون إصلاح شبكات التوزيع وتوفير مصادر مياه نظيفة للمجتمعات المتضررة، لكن الأمر يتطلب موارد كبيرة”.
أما عبد الله السلطان، المسؤول في قسم الصحة بدير الزور، فيقول لـ”963+”: “نبذل جهوداً كبيرة لمكافحة المرض، بما في ذلك حملات التطعيم والتوعية بمخاطر الكوليرا. للأسف، تصلنا يوميًا مناشدات من المشافي بازدياد عدد الإصابات وسط شبه عجز عن احتواء هذه الجائحة. نواجه تحديات عديدة مثل نقص التمويل والكوادر الطبية، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى المناطق النائية”.
ويضيف: “نعمل على تطوير استراتيجيات طويلة الأمد لتحسين البنية التحتية الصحية وتوفير خدمات طبية أفضل، كما نوزع أقراص الكلور مجاناً رغم شحها، ونحاول عزل القرى الأكثر تضرراً، لكن العقبات ما زالت قائمة، خصوصاً مع الافتقار إلى الأطباء المختصين بعد هجرة غالبيتهم”.










