أعادت التطورات العسكرية الأخيرة في مدينة حلب، ولا سيما في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، ملف اتفاق العاشر من آذار إلى واجهة المشهد السياسي، بعد أن انتهت الاشتباكات بانسحاب آخر مقاتلي قوات سوريا الديموقراطية من الشيخ مقصود، وبسط القوات الحكومية الانتقالية سيطرتها على الحيين، وسط نزوح واسع للمدنيين وتقارير عن تدهور الوضع الإنساني.
وجاءت هذه التطورات بعد تعثر تنفيذ اتفاق الأول من نيسان، الذي كان ينص على انسحاب قسد من الحيين وتوحيد الإدارة وفتح المعابر، ما طرح تساؤلات حول جدية الاتفاقات الموقعة وإمكانية صمودها أمام منطق الحسم العسكري.
وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي إياس فرحان الخطيب في تصريحات لـ”963+” أن المشكلة لا تتعلق باتفاق بعينه، بل بطبيعة الجهة الموقعة، معتبراً أن: “أي اتفاق يُبرم مع السلطة المؤقتة في دمشق محكوم عليه بعدم الجدوى، لأن القرار الفعلي لا يصدر عن هذه السلطة، بل يخضع لتأثير مباشر من تركيا، التي تُعد الطرف الضاغط الأول وصاحب القرار الحقيقي، وتمارس المراوغة والمماطلة في تنفيذ الاتفاقات”، مضيفاً أن “مرور أكثر من عشرة أشهر على توقيع اتفاق العاشر من آذار وكذلك اتفاق الأول من نيسان دون تنفيذ أي بند منهما على الأرض يؤكد هذا الواقع”.
اتفاق 1 نيسان: التطبيق الذي لم يكتمل
كان اتفاق الأول من نيسان يُنظر إليه بوصفه خطوة تنفيذية على طريق تفعيل تفاهمات العاشر من آذار، إلا أن مساره توقف قبل اندلاع التصعيد الأخير. الحكومة السورية الانتقالية حمّلت قسد مسؤولية عدم الالتزام، فيما تؤكد “قسد” أن الاتفاق خُرق من جانب دمشق.
وفي هذا الإطار، تقول مريم إبراهيم، المتحدثة باسم وفد ممثلي شمال وشرق سوريا، لـ”963+” إن: “الوفد كان يأمل أن تشكّل اتفاقية العاشر من آذار مدخلاً للحلول السلمية ولعملية دمج شاملة للمؤسسات العسكرية والسياسية والمدنية، إلا أن خرق اتفاق الأول من نيسان بعث رسالة واضحة بأن مصير اتفاقية العاشر من آذار لا يزال غامضًا ومشوّشًا من قبل حكومة دمشق”.
وتوضح أن المسار التفاوضي كان قد اقترب من نهايته، مشيرة إلى أن: “اللقاء الأخير بين الوفد العسكري لقوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية وصل إلى مراحله النهائية تمهيداً للتوقيع، إلا أن الحكومة انسحبت في اللحظة الأخيرة، قبل أن يتبع ذلك هجوم على حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهو ما نعتبره مخالفًا للتفاهمات السابقة”.
ميدانياً، أدى التصعيد إلى خروج قسد فعلياً من مدينة حلب، في تطور اعتبره مراقبون نقطة فاصلة في مسار الاتفاقات.
ويرى إياس الخطيب أن ما جرى يمثل نسفاً مباشراً لجوهر أي تفاهم سياسي، قائلاً: “جوهر الاتفاقات السياسية هو تحييد العمل العسكري وحماية المدنيين، لكن ما جرى كان استخداماً للقوة العسكرية، وقصفاً مدفعياً، ووقوع عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي، وهذا ينسف اتفاق العاشر من آذار من أساسه، وينهي ما تبقى من أي أمل بتطبيقه”.
وفي السياق نفسه، تؤكد إبراهيم أن اللجوء إلى الخيار العسكري شكّل “صدمة” للوفد، موضحة أن: “وفد شمال وشرق سوريا لا يحمل أي نوايا للحل العسكري، واللقاء الذي عُقد في الرابع من كانون الثاني تضمن تقديم كامل البيانات والمعدات العسكرية، وتوجه الوفد العسكري إلى دمشق بحسن نية وثقة كاملة بأن الاتفاق سيتم توقيعه في اليوم ذاته”، معتبرة أن ما حدث لاحقاً “يشكّل تقصيراً في المسؤولية تجاه المجتمع المحلي الذي عانى خمسة عشر عاماً”.
دمج “قسد” خلاف جوهري بلا أرضية مشتركة
أحد أبرز محاور اتفاق 10 آذار تمثل في الحديث عن دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية، إلا أن هذا الملف بقي موضع خلاف حاد.
ففي حين ترى “قسد” أن مطالبها تندرج ضمن إطار وطني عام، يعتبر الخطيب أن الإشكالية تكمن في غياب الالتزام السياسي، موضحاً أن: “الحديث عن دمج قوات سوريا الديموقراطية ضمن الجيش السوري، بصيغته الحالية، هو أمر مستحيل ويشبه محاولة خلط الزيت بالماء، لأن ما تطالب به قسد يشمل بناء جيش وطني حقيقي، وإنهاء الوجود التركي، وإبعاد الفصائل الجهادية والعناصر الأجنبية”، مضيفاً أن “ما واجه هذه المطالب هو تعنّت من السلطة المؤقتة بدعم مباشر من أنقرة، دون أي التزام سياسي أو عسكري بتنفيذها”.
في المقابل، يطرح الدكتور إحسان الخطيب قراءة مختلفة، معتبراً أن أصل الخلاف يعود إلى سقف المطالب، إذ يقول: “الإشكالية الأساسية في الملف السوري تتعلق بالطموحات السياسية للأكراد التي تتجاوز إمكاناتهم الواقعي”، مضيفاً أن “طرح قسد يفتقر إلى الواقعية من حيث التوازن الديمغرافي والجغرافي، ومحاولة استنساخ النموذج الكردي في العراق داخل سوريا أمر مستحيل ولن يحظى بقبول داخلي”.
الدور الأميركي.. تهدئة مؤقتة بلا حسم
التطورات في حلب أثارت قلقاً دولياً، حيث حذّر المبعوث الأميركي براك من أن ما يجري قد يهدد أثر اتفاق العاشر من آذار، ودعا إلى تسريع تنفيذه. كما أسهمت تدخلات أميركية في فرض وقف إطلاق نار مؤقت.
غير أن تقييم هذه التحركات يختلف. فإياس الخطيب يرى أن: “هذه التصريحات بقيت في إطار التنظير الإعلامي دون أي أثر عملي على الأرض، والحاجة إلى ضمانات وضغوط دولية لتطبيق اتفاق داخلي تؤكد أن السلطة المؤقتة غير مقتنعة أصلًا بتنفيذ أي اتفاق”.
فيما يعتبر إحسان الخطيب أن واشنطن تتحرك ضمن هامش ضيق، قائلاً: “الولايات المتحدة تجد نفسها في موقع وسطي بين الحكومة الانتقالية في دمشق وقوات سوريا الديموقراطية، وتسعى إلى إقناع الجانب الكردي باتباع نهج أكثر واقعية، لكن وجود أطراف داعمة للأكراد داخل واشنطن يدفع الإدارة إلى سياسة مترددة في ممارسة الضغوط الكافية”.
اتفاق 10 آذار.. بين الالتزام المعلن والمصير المجهول
في ظل هذه المعطيات، تؤكد “قسد” أنها لا تزال متمسكة بالمسار السياسي، إذ تقول مريم إبراهيم: “نحن نؤمن بأن الحل لا يكون إلا عبر الحوار والدمج بين الطرفين، لما لذلك من دور في حماية السوريين من الانزلاق إلى حرب أهلية، ونحرص على وحدة الشعب السوري ووحدة البلاد”، محذّرة من أن “استمرار العرقلة وتباطؤ الحكومة السورية قد يدفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد”.
وبينما يرى باحثون أن ما جرى في حلب أضعف فرص إنقاذ اتفاق العاشر من آذار، يبقى الاتفاق، عملياً، معلقاً بين نصوص موقعة وواقع ميداني متغير، في ظل غياب آليات تنفيذ وضمانات قادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع مستقرة على الأرض.










