منذ توليه رئاسة الحكومة السورية الجديدة في مرحلة انتقالية معقدة، سعى أحمد الشرع إلى التعاطي مع ملف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا من زاويتين متوازيتين: المفاوضات السياسية والدمج المؤسسي. في خطوة وُصفت بالمفصلية، فتحت الحكومة الجديدة قنوات حوار مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وعقدت اتفاقاً شاملاً في آذار/ مارس 2025، في محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة السورية والإدارة الذاتية، بعيداً عن الخيار العسكري أو القطيعة السياسية.
وفي تصريحات رسمية عقب توليه المنصب، شدد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على أهمية الحوار مع “قسد” لإيجاد حل سلمي ونهائي لأزمة شمال شرقي سوريا. وقال الشرع في مقطع فيديو تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي في الـ14 من كانون الأول / ديسمبر الماضي: “الأكراد جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، والحل يجب أن يكون وطنياً سلمياً، لا مكان فيه لمحاولات التقسيم أو الفدرلة المفروضة”.
وأكد الشرع أن من أولويات حكومته “دمج القوات الكردية ضمن صفوف وزارة الدفاع السورية، لتكون الدولة وحدها من يملك السلاح”، معتبراً أن هذه الخطوة ستعزز السيادة وتعيد المركزية للدولة، دون الإضرار بحقوق المكونات المختلفة.
اقرأ أيضاً: اتفاق الشرع وعبدي: بين الدوافع والتحديات – 963+
اتفاق 10 مارس: إعادة صياغة العلاقة
في العاشر من مارس 2025، تم توقيع اتفاق مفصلي بين أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي، تضمن دمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة للإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية. الاتفاق الذي وُصف بـ”الاستراتيجي”، تناول المعابر الحدودية، المطارات، وحقول النفط والغاز، إضافة إلى التنسيق الأمني ضد ما وصف بـ”فلول الأسد والتهديدات التي تمس وحدة البلاد”.
وتضمن الاتفاق ثمانية بنود رئيسية، منها ضمان حقوق جميع السوريين، الاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل، تسهيل عودة المهجرين، ورفض خطاب الكراهية والانفصال.
ردود فعل متباينة من الإدارة الذاتية
رغم ما بدا أنه تقدم ملموس، أصدرت الإدارة الذاتية بياناً في 30 مارس 2025، انتقدت فيه التشكيل الحكومي الجديد، مشيرة إلى أنه “يكرر سياسات الإقصاء القديمة ولا يعبّر عن التنوع السوري الحقيقي”، محذرة من أن استمرار هذه السياسات “قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر”.
البيان كذلك انتقد الإعلان الدستوري الجديد، معتبراً أنه “إعادة إنتاج للعقلية الفردية التي حكمت سوريا لعقود، ولا يعكس طموحات المكونات المختلفة”.
“مع الدمج والمؤسسات ولكن…”
وفي حديث خاص للعدد السادس من صحيفة “963+”، قال ياسر السليمان، نائب الرئاسة المشتركة لمجلس الشعب الديمقراطي في الإدارة الذاتية، إن الإدارة تسعى للحفاظ على وحدة سوريا، وكانت دائمًا سبّاقة في الدعوة إلى الحوار الوطني الشامل.
وأوضح أن “العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية أكد على وحدة وسلامة الأراضي السورية، ونصت مادته 133 على إمكانية تعديله كليًا عند التوافق على دستور وطني جامع”.
وحول الانتقادات الموجهة للإعلان الدستوري الجديد، قال السليمان: “نحن لم نكن طرفاً في المؤتمر الذي عُقد بدمشق، ولم نُدعَ للمشاركة، ولذلك لدينا تحفظات على نتائجه، خاصة أن الإعلان لم يأتِ بتوافق وطني حقيقي، بل أقصى جهات وازنة”.
وأضاف: “نحن مع الدمج المؤسسي، ولكن على أساس الشراكة الكاملة لا الاستيعاب القسري. لا يمكن تجاهل وجود أكثر من ستة ملايين مواطن في شمال وشرق سوريا”.
اقرأ أيضاً: ترحيب عربي ودولي باتفاق دمج “قسد” بالدولة السورية – 963+
“تسوية مؤقتة وليست فدرلة ناعمة”
من جانبه، وصف الباحث السياسي عبد الناصر القادري الاتفاق بأنه “تسوية مؤقتة”، قائلاً في العدد السادس من صحيفة “963+”: “ما حدث ليس فدرلة ناعمة كما يروّج البعض، بل اتفاق هش لم يُنفذ بالكامل حتى الآن. هو محاولة لاحتواء قسد دون المساس بوحدة الدولة”.
واعتبر القادري أن “المسار التفاوضي إذا لم يُدعَّم بتفاهمات سياسية وضمانات دستورية، فسيظل هشاً ومعرضاً للانهيار”، لافتاً إلى أن الصراع القديم بين المعارضة و”قسد” ترك جراحًا لم تندمل بعد.
أما مرح البقاعي، رئيسة تحرير منصة “البيت الأبيض بالعربية”، فرأت أن الاتفاق بين دمشق و”قسد” يمثل خطوة إيجابية. وقالت في العدد ذاته من صحيفة “963+”: “التفاوض بحد ذاته مكسب للطرفين، وكل اتفاق يتطلب تنازلات متبادلة. المؤشرات الحالية إيجابية، وهناك مكاسب واضحة في الشيخ مقصود والأشرفية”.
وتابعت: “المفاوضات تسير في الاتجاه الصحيح، وهناك لجان مشتركة تعمل على تنفيذ البنود تدريجيًا، وهذا يدل على إرادة سياسية حقيقية”.
وفي سياق متصل، توصلت الحكومة السورية والمجلس المدني في حيي الشيخ مقصود والأشرفية إلى اتفاق مبدئي يتضمن 14 بندًا، يهدف إلى تنظيم إدارة هذه المناطق ذات الغالبية الكردية. الاتفاق نص على احترام الخصوصية الثقافية، منع المظاهر المسلحة، وانسحاب القوات العسكرية، مع بقاء بعض الحواجز الأمنية تحت إشراف وزارة الداخلية.
كما تضمن الاتفاق إنشاء مركزين للأمن الداخلي، وضمان حرية التنقل، ومنح تمثيل عادل في مجلس محافظة حلب، وتشكيل لجان مشتركة لمتابعة التنفيذ، إضافة إلى خطوات نحو تبادل الأسرى وتبييض السجون.
وأكد بدران جيا كرد، مستشار الإدارة الذاتية، أن الاتفاق يمثل “خطوة أولى نحو خطة أوسع تركز على عودة آمنة لأهالي عفرين، التي ستكون محورًا رئيسيًا في المرحلة القادمة”.
ورغم ما تحقق، لا تزال التحديات قائمة، خصوصاً في ظل غياب توافق وطني شامل، وتمسك الإدارة الذاتية بمطالبها في الاعتراف والتمثيل الكامل، ووجود فصائل حكومية تعارض مسار التفاوض.
يقول ياسر السليمان: “نحن متفائلون رغم التحديات، وندعو إلى كتابة دستور وطني جامع وشامل، يؤسس لسوريا ديمقراطية، تعددية، يعيش فيها الجميع بكرامة وعدالة”.
في المحصلة، تحاول الحكومة السورية الانتقالية بقيادة الشرع اجتياز حقل ألغام سياسي، باحثة عن توافق حقيقي يضمن وحدة البلاد من جهة، ويؤسس لشراكة سياسية عادلة من جهة أخرى. لكن السؤال الذي يبقى: هل يكفي الاتفاق وحده لإعادة بناء الثقة بين دمشق والإدارة الذاتية؟ أم أن الطريق لا يزال طويلاً؟
[shortlink_copy]










