زرع باحثون أميركيون جهازاً تجريبياً معززاً بالذكاء الاصطناعي في دماغ “آن”، وهي امرأة مشلولة فقدت قدرتها على الكلام منذ إصابتها بجلطة دماغية شديدة قبل سنوات. هذا الجهاز المتطور، الذي يعتمد على تقنية تُعرف باسم “واجهة الدماغ – الحاسوب” (BCI)، مكّن آن من ترجمة أفكارها إلى كلام منطوق في الوقت الحقيقي، عبر غرسة عصبية تلتقط إشارات الدماغ وترسلها مباشرة إلى حاسوب يقوم بترجمتها إلى صوت.
قفزة نوعية في الزمن والفعالية
في تجارب سابقة، كانت الأنظمة المشابهة تستغرق نحو ثماني ثوانٍ لترجمة الأفكار إلى جمل منطوقة — وهو وقت كفيل بأن يفصل الإنسان عن مجريات أي محادثة طبيعية. لكن النظام الجديد، الذي طوره فريق بحثي بقيادة الدكتور غوبالا أنومانشيبالي في جامعة ستانفورد، استطاع تقليص هذا التأخير إلى 0.8 ثانية فقط، ما جعله أقرب ما يكون إلى التفاعل اللحظي، بل “طبيعي تقريباً” حسب توصيف الباحثين.
يقول أنومانشيبالي لوكالة الصحافة الفرنسية فرانس برس: “تحوّل طريقتنا الجديدة إشارات الدماغ إلى صوت شخصي في الوقت الحقيقي”، مشيراً إلى أن الهدف النهائي للمشروع هو إعادة الأفراد المصابين بالشلل إلى الحياة الاجتماعية والمهنية. آن، على سبيل المثال، تطمح لأن تصبح مستشارة إرشاد جامعي، وهو حلمٌ قد يبدو مستحيلاً في السابق، لكنه الآن بات على مرمى تقنية.
كيف تعمل هذه التقنية؟
تعتمد واجهة الدماغ – الحاسوب على غرسة دقيقة تزرع جراحياً في المناطق المسؤولة عن التخطيط للكلام في القشرة الدماغية. تقوم هذه الغرسة بالتقاط إشارات عصبية دقيقة جداً تُرسل عادةً إلى عضلات الوجه والفكين والحنجرة أثناء النطق. ورغم أن آن لم تعد قادرة على تحريك هذه العضلات، إلا أن دماغها لا يزال “ينوي” الكلام، مما يجعل الإشارات العصبية قابلة للرصد والتفسير.
بمجرد أن تفكر آن بجملة معينة — مثل “بالتالي أنت تحبني” — يقوم النظام بالتقاط هذه النية وتحليلها باستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مدربة مسبقاً، ثم يعيد بناء الجملة على شكل صوت ناطق باستخدام نموذج صوتها القديم الذي سُجل قبل إصابتها، ما يمنحها صوتها الحقيقي مجدداً، لا مجرد صوت آلي اصطناعي.
ما الذي يجعل هذه التجربة فريدة؟
وفق الباحثين، فإن ما يميز هذا النظام عن الأنظمة السابقة هو قدرته على فهم ترتيب العمليات الذهنية للكلام، أي “النية اللغوية” التي تسبق النطق. فهو لا يتعامل مع حركة الشفاه أو الحنجرة، بل مع التخطيط اللغوي العصبي ذاته — أي المرحلة التي يقرر فيها الدماغ *ما* الذي يريد قوله، وليس *كيف* يقوله.
كما أن النظام يستطيع التمييز بين أكثر من ألف مفردة — وهو عدد هائل مقارنة بأنظمة سابقة كانت محدودة ببضع عشرات من العبارات المعدة مسبقاً. ومع التقدم في تدريب النماذج، يتوقع الفريق البحثي الوصول إلى مفردات بحجم لغة الاستخدام اليومي (ما بين 3,000 إلى 5,000 كلمة).
التحديات التقنية والأخلاقية
رغم النجاح الكبير، لا تزال التقنية في مراحلها التجريبية وتواجه تحديات كبيرة، أبرزها: الدقة: ما تزال بعض الجمل تُترجم بشكل غير دقيق أو تتعرض للخلط بين كلمات متشابهة، الخصوصية: القدرة على “قراءة” الأفكار تفتح باباً واسعاً لأسئلة أخلاقية عن حدود التدخل في الدماغ البشري. التمويل: المشروع يتطلب موارد مالية وتقنية ضخمة، ويأمل الباحثون في توفير الدعم الكافي لتوسيع استخدامه على نطاق أوسع خلال خمس إلى عشر سنوات”.
بالنسبة إلى آن، لم يكن سماع صوتها مجرد تجربة تقنية، بل تجربة وجودية. “شعرت أني أعيش من جديد”، قالت وهي تستمع إلى نسخة طبق الأصل من صوتها القديم. وفي هذا الشعور يكمن جوهر المشروع: ليس مجرد استعادة للقدرة على الكلام، بل استعادة للهوية، للقدرة على التواصل، وربما — لاستعادة الحلم.










