التفكير في إعادة إعمار سوريا ينبغي ألا يقتصر على المدن والمنشآت المدمّرة والاقتصاد المتهالك، فالدمار غير المادّي لا يقلّ أهميةً وخطورة، ومنه تمزّق الهوية الوطنية السورية. وإذا كانت الحرب سبب الدمار المادي الملموس، فإنّ تمزّق الهوية السورية لم يكن وليد الحرب وحدها، بل سبقها بسنوات، لأنه كان نتيجة عقودٍ من الاستبداد الأسدي الذي شوّه مفاهيم الانتماء، وقمع التعدد، وفرض هوية سلطوية أحادية على شعب غنيّ بتنوّعه.
في ظل الاستبداد الطويل، طُمس التنوع الحضاري السوري الغني لغويًّا وقوميًّا ودينيًّا، تحت هيمنة أيديولوجيا العروبة الشعاراتية التي روّج لها النظام عبر إعلامه وتعليمه، وفق نهج حزب البعث. فعمّقت سياساته الشرخ الوطني، وأضعفت الروابط الجامعة بين السوريين لصالح هويات مصطنعة. ومع تآكل الهوية السورية، تصاعدت العصبيات القومية والمذهبية، وانحصر الانتماء في عنصر واحد من الهوية، دينيًّا كان أو قوميًّا، كما وصفه أمين معلوف بـ”الناحية المُضلِّلة في الهوية”، ما أفضى إلى هوية فقيرة، مشوّهة، تفتقد تعدديتها وغناها.
شكّلت الثورة السورية عام 2011 لحظة نادرة لاستعادة الهوية الوطنية، عبّر عنها شعار “الشعب السوري واحد”، في مواجهة نظام قمعي جمع بين الاستبداد والنهب. لكن الأمل سرعان ما تلاشى في دوّامة العنف والطائفية والتدخلات الخارجية، مع تصاعد وحشية النظام وظهور الفصائل المتطرفة. وبدلاً من توحيد السوريين، تكشّف عمق التشظي الوطني، وسقط قناع “الوطنية” الزائفة التي روّج لها النظام لعقود، مستكملاً نهج “فرّق تسد” في تقويض الروابط الجامعة بين أبناء الوطن.
ولأنّ الهوية الوطنية لا تُبنى بالشعارات والكلام المنمّق، ولا يُرمّمها “سِلمٌ أهلي” مفتعل ومشوّه، لم تستعد الهوية السورية معناها بعد سقوط النظام الذي مزّقها؛ فالسلطة الجديدة سلكت نهج الفصيل المتغلّب، واتسمت إجراءاتها بالأحادية والاستئثار في إدارة شؤون البلاد منذ البداية، مع إبراز بُعدٍ هويّاتي ديني مذهبي ضيّق، على حساب التنوّع السوري. وجاءت المجازر الطائفية التي شهدها الساحل السوري في مارس/ آذار الماضي، بعد سحق التمرّد المسلّح الفاشل لبعض مؤيدي الأسد الفارّين، لتدمّر بوادر الثقة الهشّة بين فئات غير قليلة من السوريين، وبين السلطة الفصائلية التي يقودها الرئيس السوري أحمد الشرع.
من الصعب ترميم الهوية السورية من دون استعادة ثقة المواطنين متعددي الانتماءات بعضهم ببعض، وكذلك بينهم وبين السلطة. ولاستعادة الثقة، يجب تحقيق العدالة الانتقالية وتصفية إرث الماضي البغيض، عبر محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات، سواء تلك التي حصلت في عهد النظام البائد، أو ما وقع منها بعد سقوطه.
والكلام عن أولوية “الاستقرار” و”السلم الأهلي” قبل العدالة لا يخلو من جهل أو تضليل، لأنّ أياً منهما لن يتحقّق في غيابها. فالعدالة في حالة سوريا الممزّقة ليست ترفًا، ولا تفصيلاً ثانويًّا يمكن تأجيله، بل هي المدخل اللازم لتحقيق الاستقرار وبناء السلم الأهلي، واستعادة الثقة بالانتماء الوطني. لعلّها الأساس الذي تُبنى عليه الهوية السورية الجديدة، حين يشعر المواطنون والمواطنات كافة أنّ الدولة تصون حقوقهم وتحميهم، وتضمن العدالة للجميع من دون استثناء أو تمييز.
معلومٌ أنّ إجراءات العدالة طويلة ومعقّدة، لأنها لا تقتصر على المحاكمات ومحاسبة الجناة، بل تشمل الاعتراف، وجبر الضرر، وإحياء الذكرى للضحايا جميعًا، بلا انتقائية سياسية أو دينية أو أيديولوجية. وهذا يتطلّب تسمية الأشياء بأسمائها؛ فالذي جرى في الساحل ليس مجرد “أحداث مؤسفة”، بل مجازر طائفية، والجرائم المهولة التي ارتكبتها الفصائل التابعة للسلطة ليست “تجاوزات فردية”، بل ممارسات ممنهجة وجرائم حرب، بمثل ما توصف به ارتكابات نظام الأسد المماثلة. هكذا يمكن استعادة الوطنية السورية بطريقة تُفسح للجميع متسعًا في الذاكرة الجماعية، بما يؤسس لإرادة مشتركة في تجاوز الماضي، والتطلّع نحو مستقبل أفضل.
قد يبدو هذا الكلام مثاليًا، ولن يُعجب أصحاب الانتصارات الطائفية والعقليات الانتقامية، لكن سوريا لن تتعافى إلا من خلال هوية تحتفي بتنوعها وتغتني به. وما لم تتحقّق العدالة، لن تُبنى الثقة، وأيّ معنى سيبقى للهوية والانتماء الوطنيَّين في ظل انعدام الثقة؟










