فيما يتزايد الحديث الأميركي عن إمكان التوصل إلى تفاهمات أمنية بين دمشق وتل أبيب، تبرز تساؤلات جدية حول طبيعة الدور الذي تلعبه واشنطن وحدود قدرتها أو رغبتها في ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل. فبين تسريبات تتحدث عن استئناف مفاوضات بطلب مباشر من البيت الأبيض، وتصريحات علنية تعكس تفاؤلاً حذراً، يقابل ذلك واقع ميداني وسياسي يوحي بأن أي مسار تفاوضي محتمل لا يزال محكوماً بسقوف إسرائيلية مرتفعة وضغوط أميركية محسوبة، تثير الشكوك حول مدى جدية واشنطن في دفع تل أبيب نحو اتفاق حقيقي مع سوريا.
وكان قد كشف موقع “أكسيوس” الأميركي، الثلاثاء الماضي، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وافق على استئناف المحادثات مع سوريا، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني محتمل بين الجانبين، وذلك بناءً على طلب مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
اقرأ أيضاً: “أكسيوس”: نتنياهو وافق على استئناف المفاوضات مع سوريا – 963+
ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين قولهم إن ترامب طلب من نتنياهو إعادة إطلاق المفاوضات المتعلقة بالاتفاق الأمني مع سوريا، مشيرين إلى أن الأخير أبدى موافقته على هذا التوجه. وأضاف “أكسيوس” أن ترامب وكبار مستشاريه دعوا نتنياهو، خلال اجتماع عُقد الإثنين، إلى تغيير سياسات إسرائيل في الضفة الغربية.
ثوابت أساسية
وفي هذا السياق، يقول العميد فايز الأسمر، الخبير العسكري، لـ”963+” إن “التوصل إلى أي اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل يبقى مشروطاً بثلاثة ثوابت أساسية حدّدتها الدولة السورية وأكدتها تصريحات المسؤولين السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم الرئيس أحمد الشرع”.
ويوضح أن هذه الثوابت تتمثل في “انسحاب إسرائيل من مرتفعات جبل الشيخ الأربع ومن جميع الأراضي التي سيطرت عليها عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول الماضي، والعودة إلى خطوط الفصل وتطبيق اتفاق فضّ الاشتباك الموقع عام 1974، إضافة إلى احترام السيادة السورية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية البرية والبحرية والجوية على الأراضي السورية”.
ويشير الأسمر إلى أن دور قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف)، منذ تأسيسها في أواخر أيار 1974، يقتصر على مراقبة الهدنة والإبلاغ عن الانتهاكات من الطرفين، والإشراف على تنفيذ اتفاق فض الاشتباك الذي تم التوصل إليه برعاية أممية بعد حرب تشرين.
ويلفت إلى أن إسرائيل، ووفق تصريحات رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، لا تسعى إلى اتفاق أمني مؤقت مع سوريا، بل إلى اتفاق سلام شامل أو تطبيع كامل للعلاقات، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا وفق معادلة “الأرض مقابل السلام”، أي إعادة الجولان إلى السيادة السورية، وهي معادلة تؤكد التصريحات الإسرائيلية أنها غير مطروحة حالياً.
ويرجّح الأسمر أن السيناريو الأقرب يتمثل في “التوصل إلى اتفاق أمني بشروط معدّلة عن اتفاقية عام 1974، في حال ممارسة ضغوط أميركية على الطرفين”.
اقرأ أيضاً: ترامب: نأمل أن تصل سوريا وإسرائيل إلى اتفاق أمني – 963+
جملة أهداف
وكان قد أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الاثنين الماضي، عن أمله في أن تتوصل سوريا وإسرائيل إلى اتفاق أمني قريباً، وذلك خلال استقباله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ولاية فلوريدا. وقال ترامب إن “الرئيس السوري قوي ويعمل بجد”، معرباً عن أمله بأن تشهد المرحلة المقبلة وفاقاً بين نتنياهو وسوريا.
من جانبه، يقول علاء الريماوي، الخبير في الشأنين الإسرائيلي والفلسطيني، لـ”963+” إن إسرائيل تسعى من خلال أي اتفاق أمني مع سوريا إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها “ضمان الاستقرار الأمني على الحدود، ومحاربة الجماعات المسلحة داخل سوريا، ومنع تدفق السلاح إلى حزب الله، إضافة إلى خلق حالة استقرار مع النظام السوري الجديد، وتوفير ضمانات تحول دون عودة المطالبة السورية بالجولان المحتل”.
ويوضح الريماوي أن سوريا تُصنّف في العقل الأمني والاستراتيجي الإسرائيلي “كإحدى أهم ساحات الخطر الناشئ، نظراً لطبيعة الموقف الشعبي السوري المعادي لإسرائيل، ولموقع سوريا الجغرافي وأهميتها على الحدود الشمالية، بوصفها بوابة الاستقرار في لبنان”، محذراً من أن “أي تغير فيها قد يعيد فتح قنوات التواصل بين حزب الله وإيران”.
ويشير إلى أن إسرائيل معنية باتفاق أمني ينظم ملفات متعددة، أبرزها منع نقل السلاح إلى “حزب الله”، وملاحقة الجماعات المسلحة داخل الأراضي السورية، والتعامل مع ما تصفه بحالات “التحرير” باتجاه إسرائيل، إضافة إلى الهدف الأهم المتمثل في خلق ضمانات دائمة تمنع إعادة طرح ملف الجولان مستقبلاً.
ويضيف الريماوي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتمد سياسة تقوم على “التفاوض دون انسحاب، والتفاوض دون تقديم حقوق”، وهي مقاربة يتبناها اليمين الإسرائيلي في ظل قناعة بعدم وجود ضغط أميركي حقيقي يجبر تل أبيب على انسحابات جدية من المناطق المحيطة بالقنيطرة وصولاً إلى الحدود الشمالية مع سوريا.
ويلفت إلى أن نتنياهو يراهن على مسارين متوازيين: إطالة أمد التفاوض، والعمل على خلق بيئة تحالفية داخل سوريا عبر تنمية علاقات مع بعض المكونات الديموغرافية، ولا سيما الطائفة الدرزية، في إطار محاولة لإعادة إنتاج نموذج التعاون القائم بين الدروز في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وهي مقاربة يعمل عليها جهاز “أمان” التابع للجيش الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً: بعد تجديد تفويض القوات الأممية.. توغل إسرائيلي جديد في سوريا – 963+
وفيما يتعلق بالتحركات الميدانية، جدّد مجلس الأمن الدولي تفويض قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) في هضبة الجولان السورية المحتلة لمدة ستة أشهر.
وفي هذا الإطار، استقبل وزير الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية، مرهف أبو قصرة، الثلاثاء في دمشق، رئيس قوات “أندوف” باتريك غوشات، حيث جرى بحث القضايا المرتبطة بمهام البعثة الأممية وسبل تعزيز التنسيق، وفق وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
يقول الباحث السياسي السوري علي ثاتب لـ”963+” إن قوة “الاندوف” تظل في الأساس قوة مراقبة وإبلاغ، ولا تمتلك أي صلاحيات تنفيذية على الأرض، مشيراً إلى أن عملية التمديد الأخيرة كانت روتينية.
ويضيف ثاتب: “حتى اللحظة، يظل الوضع السوري معقداً، ما يؤدي إلى تباين في وجهات النظر حول مستقبل هذه القوة، لكن المؤكد أنها تظل قوة شكلية بلا قدرة فعلية على الأرض”.
في الوقت نفسه أفاد مراسل “963+” بأن قوة من الجيش الإسرائيلي مؤلفة من عشرات الجنود توغلت، الثلاثاء، في تل أحمر الغربي بريف محافظة القنيطرة الجنوبي، برفقة عربات عسكرية مصفحة، في وقت يرى فيه مراقبون أن هذه التحركات تعكس استمرار النهج الإسرائيلي القائم على الضغط الميداني بالتوازي مع المسار التفاوضي، في ظل ضغوط أميركية وصفها الريماوي بأنها “مسقوفة”، وتهدف إلى ضبط إيقاع التحركات الإسرائيلية ضمن مقاربة إقليمية أوسع تشمل لبنان وغزة والملف السوري وصولاً إلى إيران.
ويشير ثاتب إلى وجود “تعثر كبير” في هذا الملف، لافتاً إلى ممانعة الجانب الإسرائيلي الذي يرى أن أي اتفاق أمني لا يحقق له مصالح حقيقية، وقدرته على التحرك في الأراضي السورية دون التزامات واضحة.
كما يؤكد أن هناك مخاوف تتعلق بتشكيلات الجيش السوري الجديد، في حين تواجه الحكومة السورية قيوداً قانونية مرتبطة بطبيعتها الانتقالية، إضافة إلى رفض غالبية الحاضنة الشعبية تقديم تنازلات مجانية لصالح إسرائيل، مما يعقد المشهد ويجعل التقدم في هذا الملف غير مجدٍ حتى الآن.










