بعد تحرير سوريا من نظام استبدادي دام 54 عاماً، تفتح السينما السورية نوافذها على فرص ذهبية لجذب رأس المال، لكن الطريق ما زالت تعترضها تحديات تحتاج إلى حلول جريئة.
من بين أنقاض الحرب التي استمرت 14 عاماً، بدأت ملامح نهضة سينمائية سوريّة تلوح في الأفق. فبعد تاريخ حافل بالصراع مع الرقابة والقيود السياسية، بدءاً من منع فيلم “نجوم النهار” (1988) لأسامة محمد، وصولاً إلى الأفلام الثورية التي وثقت الانتفاضة السورية وحصدت جوائز عالمية مثل “طعم الإسمنت” (2018) لزياد كلثوم و”إلى سما” (2019) لوعد الخطيب، تقف الصناعة اليوم على مفترق طرق حاسم.
إرث ثقيل ومسيرة متعثرة
لم تكن رحلة رشيد جلال السينمائية سهلة منذ أول فيلم سوري “المتهم البريء” عام 1928، فعقب وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، تحولت السينما إلى أداة دعائية، حيث فرضت “المؤسسة العامة للسينما” احتكاراً على استيراد الأفلام وتوجيه المحتوى. كما يوضح المخرج أيهم عرسان في تصريحات لـ+963: “كانت المؤسسة مرتهنة لتقديم أفلام بروباغندا سياسية للنظام البائد”.
وشهد عقد السبعينيات ذروة الإنتاج بــ 18 فيلماً عام 1974 (4 حكومي، 14 خاص)، لكنه تراجع إلى الصفر تقريباً بنهاية الثمانينيات بسبب القيود الخانقة، وفق الكاتب والناقد نضال قوشحة.
ورغم إنتاج أفلام لامعة مثل “الكومبارس” عام 1993 للمخرج نبيل المالح، ظل الإبداع مقيداً حتى انطلاقة الثورة عام 2011، لتولد مجموعة من الأفلام الثورية التي حصدت جوائز ومنها “بين الحياة والموت” لبادي خليف و”قصصها” لعبد القادر حبق وفيلم “الابن السيء” لغطفان غنوم وغيرها من الأفلام.
فرص الاستثمار: كنوز بشرية وجغرافية
تختزن سوريا ثروة فريدة من الكوادر الإبداعية التي حافظت على حضورها رغم الظروف القاسية، كما يؤكد المخرج عرسان: “لدينا كوادر فنية ممتازة من مخرجين وكتّاب سيناريو ومدراء تصوير، إضافة إلى ممثلين متميزين عبر كل الأعمار، وهذه الثروة البشرية هي عماد أي نهضة سينمائية حقيقية”.
وقد برهنت هذه الكفاءات جدارتها خلال الحرب، حيث حصدت أفلام مثل “عن الآباء والأبناء” (2017) لطلال ديركي و”آخر الرجال في حلب” (2017) لفراس فياض جوائز عالمية.
أما التنوع الجغرافي، فيجعل من سوريا “استوديو طبيعياً” بامتياز، فمن سهول حوران الخضراء إلى صحراء البادية، ومن جبال اللاذقية إلى أحياء دمشق العتيقة، والمدن الأثرية والتاريخية، والمعالم الدينية المسيحية والإسلامية وحتى اليهودية؛ كلها تشكل بيئات تصوير متنوعة تختصر تكاليف الإنتاج، وهو ما يؤكده الناقد نضال قوشحة بقوة في تصريحات ل 963: “نمتلك البيئة الجاذبة للاستثمار بفضل تنوعنا الجغرافي الكبير، وهذا التنوع الطبيعي يوفر 40 بالمئة من تكاليف الإنتاج مقارنة بدول الجوار”.
تحولات سياسية داعمة
يفتح رفع العقوبات الدولية اليوم الباب أمام تدفق الاستثمارات العربية والأجنبية، خاصة بعد مباحثات وزير الإعلام السوري مع شركات إنتاج خليجية لاستئناف العمل في دمشق، كما يذكر مدير الإنتاج مغيث ديب: “بعد رفع العقوبات، الفرص الآن أكبر من أي وقت مضى لشراكات دولية..، كما أن تحرير السينما من الرقابة السياسية المسبقة التي كبّلت الإبداع لعقود، سيسمح الآن بمعالجة موضوعات جريئة تلامس هموم المجتمع”.
الدراما التلفزيونية كقاطرة
يقول الناقد قوشحة: “يستفيد القطاع السينمائي من رواج الدراما السورية عربياً، حيث تفضل 78 بالمئة من الجماهير العربية اللهجة السوريّة حسب دراسة اتحاد الإذاعات العربية 2024، ما يعزز فرص تحويل النجاح التلفزيوني إلى مشاريع سينمائية مشتركة”.
التشريعات: المفتاح الذهبي للانطلاق
يوافق العاملون في حقل السينما السوريّة على أن غياب البيئة التشريعية المشجعة هو التحدي الأكبر، فوفق مدير الإنتاج ديب: “نحتاج لقوانين استثمار تحمي المستثمرين وتضمن أرباحاً مجزية، ويجب أن نتعلم من تجربة مصر حيث تمثل السينما 2.3 بالمئة من الناتج القومي”.
ويقترح ديب عدة حلول منها “إصدار قانون سينمائي جديد يمنع احتكار استيراد الأفلام، ويشجع القطاع الخاص على بناء صالات عرض عصرية؛ إذ لا يتجاوز عددها حالياً صالتين في دمشق فقط!”.
وللناقد قوشحة رأي في آلية عمل شركات الإنتاج الفنية السورية عبر ربط تراخيص هذه الشركات (350 شركة معظمها خامل) بإنتاج أفلام سينمائية، ويقول: “يجب إلزام هذه الشركات بإنتاج فيلم كل ثلاث سنوات على الأقل، بدلاً من تركيزها على الدراما التلفزيونية فقط”.
تحديات العصر: معركة البقاء في زمن “نتفليكس”
رغم الفرص الواعدة، تواجه الصناعة السينمائية عقبات كبرى منها المنافسة الشرسة التي ستكون مع السينما المصرية التي تنتج 40 فيلماً سنوياً في المتوسط، بإضافة إلى غزو المنصات الرقمية مثل “شاهد” و”نتفليكس” التي استقطبت 35 بالمئة من المشاهدين السوريين عام 2023.
إضافة إلى تحولات المشاهدة فهناك عزوف 70 بالمئة من الجمهور السوري تحت 30 سنة عن الصالات التقليدية، وفق دراسة مركز دمشق للبحوث، واتجاههم للمحتوى القصير على “تيك توك”.
إلى جانب نقص البنية التحتية فمعدات التصوير القديمة التي تعود لثمانينيات القرن الماضي، ونظام أجور غير مجزٍ كلها عقبات في وجه سير عجلة السينما كما يشرح ديب: “بعض العاملين يتقاضون 10 دولارات فقط لـ 60 يوم عمل! هذه الإهانة تدفع الكفاءات للهجرة”.
الأمل في جيل جديد: دماء شابة تعيد الإيقاع
تبشر المبادرات الشبابية مثل “صالون دمشق السينمائي” الذي أسسه طالبان من المعهد العالي للفنون المسرحية عام 2025 بغدٍ أفضل، وفي هذا الصدد يعوّل مدير الإنتاج ديب على الكفاءات الشابة التي أثبتت حضورها وقدمت أفلاماً لاقت استحسان لجان التحكيم في مهرجانات سينمائية عربية وعالمية ونالت العديد من الجوائز.
ويؤكد الناقد قوشحة أن “تكاتف الجهود والنوايا المخلصة من قبل العاملين في حقل السينما كفيلان باستثمار الفرص الكبيرة المتاحة لتحويل هذا القطاع لصناعة وطنية رابحة؛ إن توفرت الإرادة”.
بينما يختم المخرج عرسان كلامه برؤية مستقبلية: “عندما تتوفر الأفلام الجيدة والصالات المناسبة، سيعود الجمهور السوري المتعطش للسينما، فنحن أمام فرصة تاريخية لصناعة سينمائية متكاملة العناصر، السينما السورية اليوم كشجرة باسقة جذورها عميقة في التراث، وفروعها تمتد نحو آفاق جديدة من الحرية، والأضواء موجهة الآن نحو صنّاع القرار، فهل يفتحون الباب أم يتركونها تقاوم وحدها”.
فرصة تاريخية
السينما السورية اليوم أمام فرصة تاريخية لتتحول إلى صناعة ثقافية فنية رابحة يتعطش لوجودها مناخ عربي بات فيه للترفيه مساحات واسعة في ظل التغيرات السياسية والثقافية الكبيرة في المنطقة، وتبقى إمكانية استثمار هذه الفرصة مرهونة بمدى الإرادة السياسية والرؤية الثقافية الواضحة لدى الحكومة السورية الجديدة، والإجابة قادمة لا محالة في القريب العاجل.










