الديموقراطية ليست مجرد مجموعة من القوانين أو نظم انتخابية تُطبق في فراغ اجتماعي. إنها نتاج عملية معقدة تعكس تطوراً في القيم الثقافية والسياسية للمجتمع. في سوريا، التي عانت طويلاً من الاستبداد السياسي والانقسامات المجتمعية، تبدو فكرة الديموقراطية بعيدة المنال، لكن التحليل العميق، كما قدمه مالك بن نبي وجورج طرابيشي، يوفر رؤية ثرية لمسببات هذا الفشل ولما قد يحمله المستقبل.
مالك بن نبي، في كتابه “شروط النهضة”، تناول الديموقراطية كنتاج للوعي الجماعي والقيم الثقافية، لا كأداة سياسية يمكن استيرادها وتطبيقها آلياً. أشار بن نبي إلى أن المجتمعات العربية، ومنها سوريا، تعاني أزمة ثقافية تعيق قدرتها على استيعاب الديموقراطية. في حالة سوريا، ساهم النظام السياسي القائم لعقود في تقويض أية فرصة لبناء ثقافة سياسية تقوم على المواطنة والعدالة. الاعتماد على العصبيات الطائفية والعشائرية، الذي تعمق في ظل غياب مؤسسات سياسية شاملة، جعل الولاء للقبيلة أو الطائفة يتفوق على الولاء للوطن.
على الجانب الآخر، يقدّم جورج طرابيشي، في كتابه “هرطقات عن الديموقراطية والعلمانية والحداثة والممانعة العربية”، نقداً للأيديولوجيات التي تصور الديموقراطية كحل سحري لكل المشكلات. بالنسبة لطرابيشي، الديموقراطية ليست فقط مسألة ثقافة، لكنها تحتاج إلى حامل اجتماعي قوي وإلى فصل واضح بين الدين والسياسة. في سوريا، حيث الدين جزء لا يتجزأ من الهوية الاجتماعية، فإن هذا الفصل يمثل تحدياً كبيراً. الصراع الطائفي الذي تفاقم خلال العقود الأخيرة أظهر كيف أن استغلال الدين سياسياً يمكن أن يكون أداة لتعميق الانقسامات بدلاً من تجاوزها.
اقرأ ايضا: تجييش طائفي يهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في سوريا – 963+ (963media.com)
مقارنة أفكار مالك بن نبي وطرابيشي تسلط الضوء على زوايا مختلفة لكنها متكاملة. بن نبي يرى أن الديموقراطية تبدأ من إصلاح البنية الثقافية والاجتماعية، بينما يركز طرابيشي على ضرورة إصلاح البنية المؤسسية والسياسية، مع التأكيد على الحياد الذي يجب أن تتسم به الدولة في التعامل مع مواطنيها. في سوريا، يبدو واضحاً أن كلاً من البعدين ضروريان؛ فلا يمكن أن تُبنى مؤسسات ديمقراطية دون وجود ثقافة تدعمها، كما لا يمكن لأي ثقافة أن تُترجم إلى واقع دون آليات مؤسسية تضمن استدامتها.
لكن التحدي الأكبر يتمثل في الإرث الثقيل الذي خلفته عقود من الاستبداد. ثقافة الخوف، التي أصبحت متجذرة في المجتمع السوري، تشكل عقبة أمام أي حوار وطني يمكن أن يعزز القيم الديموقراطية. بالإضافة إلى ذلك، التدخلات الخارجية والتأثيرات الإقليمية والدولية زادت من تعقيد المشهد، مما جعل سوريا ساحة صراع بين قوى لا تهدف بالضرورة إلى تعزيز الاستقرار أو الديموقراطية.
على الرغم من كل هذه التحديات، هناك إمكانيات يمكن البناء عليها. أولاً، إصلاح التعليم ليصبح أداة لزرع قيم المواطنة والتسامح بدلاً من تعزيز الولاءات الضيقة. ثانياً، تعزيز دور المجتمع المدني ليكون حاضناً للحوار بين مختلف مكونات المجتمع. هذه الجهود يمكن أن تؤسس تدريجياً لثقافة سياسية تدعم الديموقراطية، كما تحدث عنها مالك بن نبي.
اقرأ أيضاً: دمشق والغرب وجهاً لوجه: هل تفتح عودة اللاجئين باب الانفراج بين أوروبا وسوريا؟ – 963+ (963media.com)
أما على الجانب المؤسساتي، فإن أي عملية انتقال ديمقراطي تحتاج إلى ضمان العدالة والمساواة من خلال بناء نظام قانوني مستقل وحيادي. هذا ما شدد عليه طرابيشي، حيث أكد أن الحيادية المؤسسية شرط لا غنى عنه لضمان استدامة أي نظام ديمقراطي. العدالة الانتقالية، كأداة لمعالجة إرث الماضي، يمكن أن تكون عنصراً أساسياً في بناء هذه المؤسسات.
ختاماً، الديموقراطية في سوريا ليست حلماً بعيد المنال لكنها بالتأكيد مشروع طويل الأمد. أفكار مالك بن نبي وجورج طرابيشي تقدم إطاراً فكرياً غنياً لفهم طبيعة هذا المشروع. تطبيق رؤاهم يتطلب مواجهة مباشرة للإرث الثقافي والسياسي الذي يعوق التغيير. سوريا لديها فرصة، لكنها تعتمد على قدرة المجتمع على تجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية، وعلى إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة بروح من المواطنة والعدالة.










