تواصل سوريا استقطاب اهتمام القوى الدولية مع دخول المرحلة الانتقالية منعطفاً جديداً، وسط مساعٍ لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوسيع الانفتاح الدبلوماسي، واستقطاب الاستثمارات اللازمة لمرحلة إعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، اكتسبت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق أهمية خاصة، باعتبارها الأولى لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي منذ التغيير السياسي الذي شهدته البلاد أواخر عام 2024.
وأسفرت الزيارة عن الإعلان عن خطوات لإعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء، وتوقيع سلسلة من اتفاقيات التعاون في مجالات اقتصادية وخدمية، إلى جانب مشاركة وفد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين، في مؤشر على اهتمام باريس بالمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار وتعزيز حضورها في المرحلة المقبلة.
كما حملت الزيارة رسائل سياسية تتعلق بدعم الاستقرار، وتشجيع بناء مؤسسات جامعة، وتعزيز التعاون الأمني، رغم أنها تزامنت مع تفجيرين استهدفا العاصمة دمشق، في تأكيد على استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد.
وبين من يرى في التحرك الفرنسي بداية لعودة الدور الأوروبي في الملف السوري، ومن يعتبر أن تأثير باريس سيبقى مرتبطاً بمواقف القوى الدولية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة.
الدور الفرنسي وفرصه في ملف إعادة الإعمار السوري
يقول الدكتور أحمد الزين، الخبير في الشؤون الاستراتيجية والمقيم في بيروت، لـ”963+”: إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا كانت لافتة، ويعتبر أنها تعكس محاولة فرنسية للعب دور في ملف إعادة الإعمار خلال المرحلة المقبلة.
ويضيف أنه، بحسب تقديره، يبقى السؤال المطروح حول مدى قدرة هذه المساعي على تحقيق نتائج فعلية. ويشير إلى أن خبرته في متابعة الدور الفرنسي في لبنان تجعله ينظر بحذر إلى فرص نجاح باريس في الساحة السورية، موضحاً أن فرنسا، وفق رأيه، سعت خلال السنوات الماضية إلى تعزيز حضورها السياسي في لبنان، إلا أن تلك الجهود لم تحقق النتائج المرجوة.
ويتابع الزين أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أجرى، بحسب رأيه، العديد من المحاولات للحصول على دور مؤثر في المنطقة، إلا أنه يعتقد أن غياب الدعم أو الموافقة الأميركية حال دون تحقيق ذلك بالشكل المطلوب.
ويلفت إلى أن فرنسا قد تواصل سعيها للحصول على دور في الملف السوري، إلا أنه يعزو محدودية هذا الدور، وفق تقديره، إلى طبيعة التوازنات الدولية، معتبراً أن الولايات المتحدة ستحدد إلى حد كبير مساحة الدور الذي يمكن أن تؤديه باريس في ملف إعادة الإعمار.
ويعتقد الزين أن الدول الأكثر تأثيراً في مستقبل سوريا ستكون الولايات المتحدة وروسيا والصين، مشيراً إلى أن هذه القوى تمتلك أدوات سياسية واستراتيجية تجعلها صاحبة الدور الأبرز في المرحلة المقبلة.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن الدور الفرنسي، بحسب رأيه، سيظل محدوداً مقارنة بأدوار القوى الدولية الكبرى، معتبراً أن تحركات باريس قد لا تترجم إلى تأثير فعلي على مسار إعادة الإعمار أو مستقبل التسوية السياسية في سوريا.
دلالات الزيارة وانعكاساتها
يقول فراس عيد، الكاتب السياسي المقيم في القاهرة، لـ”963+”: إن زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تحمل أبعاداً سياسية متعددة، ويشير إلى أنها تمثل أول زيارة لرئيس دولة من الاتحاد الأوروبي إلى سوريا منذ الإطاحة بالنظام السوري السابق نهاية عام 2024. ويعتبر أن الزيارة تعكس جملة من الأهداف السياسية التي تسعى باريس إلى تحقيقها خلال المرحلة المقبلة.
ويضيف أن من أبرز أهداف الزيارة إضفاء مزيد من الاعتراف السياسي الدولي بالإدارة السورية الجديدة، معتبراً أنها تمثل تأكيداً عملياً على أهمية الدور الذي تضطلع به الحكومة السورية الجديدة، كما تشير، بحسب رأيه، إلى استعداد باريس للتعامل معها بوصفها شريكاً أساسياً في الترتيبات الإقليمية، ولا سيما في منطقة شرق المتوسط.
ويلفت إلى أن فرنسا تسعى أيضاً إلى إعادة بناء نفوذها في سوريا وشرق المتوسط، موضحاً أن باريس تحاول، وفق تقديره، استعادة حضورها الدبلوماسي بعد سنوات من التراجع في عدد من مناطق نفوذها التقليدية، ولا سيما في غرب أفريقيا. ويعتقد أن تعزيز الحضور الفرنسي في الملف السوري قد يمنحها دوراً أكبر في ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب، وفي القضايا المرتبطة بشرق المتوسط.
ويتابع عيد أن فرنسا تنظر إلى دعم الاستقرار السياسي والمؤسساتي في سوريا باعتباره أحد أولوياتها خلال المرحلة الانتقالية. ويشير إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يؤكد أهمية قيام دولة سورية موحدة تمتلك مؤسسات مستقرة، كما يدعو، بحسب رأيه، إلى تبني نظام سياسي أكثر شمولاً يضم مختلف المكونات السورية، ويراعي التنوع المجتمعي، باعتبار ذلك أحد متطلبات تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
ويضيف أن من بين أهداف الزيارة أيضاً تعزيز التعاون الأمني بين سوريا وفرنسا، وتوسيع التنسيق في مكافحة التنظيمات المتطرفة، إلى جانب الحد من تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي في ظل التطورات الأخيرة، بما في ذلك انعكاسات الحرب بين إسرائيل وإيران. كما يشير إلى أن الزيارة قد تكون تناولت ملفات تتعلق بالمقاتلين الأجانب الموجودين في سوريا، ولا سيما المنحدرين من أصول فرنسية.
ويرى عيد أن مرافقة وفد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين ومديري الشركات للرئيس ماكرون تعكس رغبة باريس في تأمين موطئ قدم للشركات الفرنسية في مشاريع إعادة الإعمار، والمساهمة في تطوير البنية التحتية، مع ربط هذه المشاركة، بحسب تقديره، بتقدم العملية السياسية وشموليتها.
كما يشير إلى أن الزيارة شهدت الإعلان عن خطوات لإعادة تبادل السفراء وتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات متعددة، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً نحو فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الفرنسية، واستئناف العلاقات الدبلوماسية الثنائية بعد سنوات من القطيعة.
ويعتقد عيد أن الملف اللبناني يحتل موقعاً محورياً في التحرك الفرنسي، موضحاً أن باريس تنظر إلى التطورات في سوريا ولبنان بوصفها ملفات مترابطة. ويعتبر أن الزيارة قد تساهم في بحث آليات تعزيز التعاون الأمني وضبط الحدود بين البلدين، إلى جانب تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية.
إلا أنه يلفت إلى أن فاعلية هذا الحراك تبقى، بحسب رأيه، مرتبطة إلى حد كبير بالدور الأميركي في المنطقة وقدرته على رسم أدوار القوى الدولية والإقليمية.
ويتابع أن الاستقرار في سوريا ولبنان يرتبط، بحكم الجغرافيا والتاريخ، بصورة وثيقة، مشيراً إلى أهمية استكمال بناء مؤسسات الدولة السورية، ولا سيما الجيش والأجهزة الأمنية، بالتوازي مع تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بما يفتح المجال أمام تكامل اقتصادي أوسع، ويسهم في تسهيل حركة الأفراد والسلع ورؤوس الأموال.
كما يرى عيد أن لفرنسا مصالح تاريخية في كل من سوريا ولبنان، ويعتبر أن تحقيق الاستقرار الأمني في البلدين يخدم هذه المصالح، إلى جانب دعم جهود إعادة الإعمار، سواء في سوريا بعد سنوات الحرب، أو في لبنان بعد الأضرار التي لحقت به نتيجة التصعيد العسكري خلال العامين الماضيين.
ويشير إلى أن معظم الأطراف الإقليمية، باستثناء إسرائيل وتركيا، تنظر بإيجابية إلى التقارب الفرنسي مع سوريا، مع وجود تباين في دوافعها وهواجسها.
ويعتقد أن فرنسا، سواء بصورة منفردة أو من خلال الاتحاد الأوروبي، يمكن أن تؤدي دوراً في دعم السوريين لبناء دولتهم وتعزيز وحدتهم المجتمعية، لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن حجم هذا الدور سيظل مرتبطاً بالموقف الأميركي، الذي سيحدد إلى حد كبير مساحة الحضور الأوروبي في المرحلة المقبلة.
ويختتم عيد حديثه بالإشارة إلى أن زيارة الرئيس ماكرون جاءت استكمالاً للمسار الذي بدأ مع زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى باريس العام الماضي، والتي أسست، بحسب رأيه، لعلاقات ثنائية واعدة.
إلا أنه يوضح أن الزيارة الحالية تأتي في ظل ملفات إقليمية معقدة، أبرزها التنافس التركي الإسرائيلي على النفوذ في سوريا، وهشاشة الوضع الأمني في لبنان، واستمرار التوغلات الإسرائيلية في جنوب سوريا ولبنان، وهو ما يجعل نتائج هذا الحراك مرتبطة بالتطورات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.










